بسم الله الرحمن الرحيم
كان مسلم سفير الحسين للكوفيين، وعبيد الله سفير يزيد إليهم، إذن فهناك سفارتان وسفيران أحدهما يمثل جهة المعارضة والآخر يمثل جهة السلطان الحاكم بالسيف والنطع.ولننظر.. أيهما أزكى وأطهر وفقًا لنداء العقل والوجدان، قبل أن نحكم لأي منهما.
لقد تحلى السفير الأول مسلم بن عقيل بالإضافة إلى طهارة المولد وعراقة النسب وطيب النشأة بالعلم والفقاهة والحكمة وسداد الرأي وحسن التدبير والتقوى والعفة والوفاء بالعهد، سالكاً سبيل سلفه الصالح من أئمة الهدى وقادة الورى، بحيث أصبح في الغارب والسنام من كل فضيلة رابية، وما مدح المعصوم وهو الحسين (عليه السلام) في كتاب الولاية الذي أرسله بيد مسلم لأهل الكوفة وفيه يقول (أرسلت لكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي) إلا دليل ناصع على كل ما أثبتناه له من خلال وشمائل، فضلاً عن المسلّمة التي تفيد بأن إرسال ممثل أو نائب عن شخص ما، يخضع لاعتباراتٍ عدة ويشير إلى صفات وجدها المرسل في رسوله عند الاختيار، وهذا الأمر يجري مع الناس العاديين، فما بالك بالمعصومين من البشر؟!
على أننا لن نذكر لمسلم إلا واحدةً، تكفي بوحدها دلالة على سمو ذاته ورفعة نفسه في مقابل غضاضة خصمه ودناءته .. وذلك عندما امتنع هذا الفتى الهاشمي عن الفتك بعدوه كما تمنى عليه وطلب بإلحاح شديد شريك الأعور الذي نزل في دار هانئ بن عروة وقت كان مسلم ينزل فيها واتفق أن جاء عبيد الله بن زياد لعيادته إذ سمع بأنه مريض.. فقال لمسلم: إن غايتك وغاية شيعتك هلاكه فأقم في الخزانة حتى إذا اطمأن عندي اخرج إليه واقتله وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية.
فما كان جواب ابن عقيل ربيب الأطهار الميامين إلا أن قال بالفعل لا بالكلام: (إن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن(
هذا هو رصيد سفير الحق مسلم بن عقيل من الخلق العظيم والتربية الرسالية التي تجلت بهذه الصورة البهية التي رسمها لنا التاريخ بريشة صدقه، والتي أهّلت مسلماً للقيام بأخطر مهمة في تأريخ الدبلوماسية الإسلامية.. فأروني أين يقف هذا السفير الخالد من سفير بني أمية الغادر عبيد الله.
مما قيل في رثائه رضوان الله تعالىعليه:
بكـتك دمـــــاً يا ابن عمّ الحسين
مدامـــــع شـــــــيعتك السافحة
ولا برحت هــــاطلاتالعيــــون
تحيـــــيك غــــــادية رائـــحـــه
لأنّك لم تـــــرومــــــن شـــربة
ثـــــــناياك فيـــها غـدت طائحة
رمـــوك مــنالقصر إذ أوثقوك
فَـــهل سلمت فـــيك من جارحه
وسحباً تـــــجرّبـــــــــأسواقهم
ألســـت أميــــــرهم البـــــارحة
أتقــــــضيولـــم تبكك الباكيات
أما لك فـــــي المصر من نائحة
لئـــن تقضينحباً فكم في زرود
عليـــــك العــــيشة من صائحه
تعليق