بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
المناقشة الرابعة:مناقشة دعوى ان روايات الكتب الاربعة قطعية الصدور وهي غير مختصة بالكافي فحسب بل تشمل جميع الكتب الاربعة.وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
قد أُثيرت دعوى من علماء المحدثين على ان روايات الكتب الاربعة قطعية الصدور.
ودليل ما أدعوه انه توجد قرائن تدل على ذلك وقالوا بأنها تدل على صدور هذه الروايات من المعصوم عليه السلام.
ومن اقوى القرائن التي لديهم انهم قالوا( أن اهتمام أصحاب الائمة عليهم السلام وأرباب الاصول والكتب بأمر الحديث إلى زمان المحمدين الثلاثة - قدس الله أسرارهم - يدلنا على أن الروايات التي أثبتوها في كتبهم قد صدرت عن المعصومين عليهم السلام ، فإن الاهتمام المزبور يوجب - في العادة - العلم بصحة ما أودعوه في كتبهم ، وصدوره من المعصومين عليهم السلام . وقد أجاب السيد الخوئي(قدس سره) عن هذه الدعوى بعدة وجوه:
أولا : إن أصحاب الائمة عليهم السلام وإن بذلوا غاية جهدهم واهتمامهم في أمر الحديث وحفظه من الضياع والاندراس حسبما أمرهم به الائمة عليهم السلام ، إلا أنهم عاشوا في دور التقية ، ولم يتمكنوا من نشر الاحاديث علنا ، فكيف بلغت هذه الاحاديث حد التواتر أو قريبا منه ! وهذا ابن أبي عمير حبس أيام الرشيد ، وطلب منه أن يدل على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفرعليه السلام ، وأن أخته دفنت كتبه عند ما كان في الحبس فهلكت ، أو تركها في غرفته ، فسال عليها المطر فهلكت . وهكذا حال سائر أصحاب الائمة عليهم السلام ، فإن شدتهم في ما كانوا عليه ، وعدم تمكنهم من نشر الاحاديث علنا مما لاشك فيه ذو مسكة . ومع ذلك كيف يمكن دعوى : أنها قطعية الصدور ؟
ثانيا : إن الاهتمام المزبور لو سلمنا أنه يورث العلم ، فغاية الامر أنه يورث العلم بصدور هذه الاصول والكتب عن أربابها ، فنسلم أنها متواترة ، ولكنه مع ذلك لايحصل لنا العلم بصدور رواياتها عن المعصومين عليهم السلام ، وذلك فإن أرباب الاصول والكتب لم يكونوا كلهم ثقات وعدولا ، فيحتمل فيهم الكذب . وإذا كان صاحب الاصل ممن لايحتمل الكذب في حقه ، فيحتمل فيه السهو والاشتباه .
وهذا حذيفة بن منصور قد روى عنه الشيخ بعدة طرق :
منها : ما رواه بطرقه المعتبرة عن محمد بن أبي عمير عنه رواية : أن شهر رمضان لاينقص عن ثلاثين يوما[1] ثم قال : ( وهذا الخبر لايصح العمل به من وجوه : أحدها أن متن هذا الحديث لايوجد في شئ من الاصول المصنفة ، وإنماهو موجود في الشواذ من الاخبار . ومنها : أن كتاب حذيفة بن منصور عري منه ،والكتاب معروف مشهور ، ولو كان هذا الحديث صحيحا عنه لضمنه كتابه ) .إلى آخر ماذكره - قدس سره - .
فنرى أن الشيخ - قدس سره - يناقش في صحة هذا الحديث عن حذيفة مع أن في رواتها عنه محمد بن أبي عمير . وقد رواها الشيخ عنه بطرق معتبرة ، ولايكون منشأ ذلك إلا احتمال وقوع السهو والاشتباه من الرواة ، فإذا كانت مثل هذه الرواية لايحكم بصحتها ، فما حال الروايات التى يرويها الضعفاء أوالمجهولون ؟ ! .
ثالثا : لو سلمنا أن صاحب الكتاب أو الاصل لم يكذب ولم يشتبه عليه الامر ، فمن الممكن أن من روى عنه صاحب الكتاب قد كذب عليه في روايته ،أو أنه اشتبه عليه الامر ، وهكذا . .ومن هنا قال الشيخ - قدس سره - في كتاب العدة عند بحثه عن حجيةخبر الواحد .
والذى يدل على ذلك : إجماع الفرقة المحقة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم لايتناكرون ذلك ، ولا يتدافعونه حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشئء لايعرفونه سألوه من أين قلت هذا ؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور ، وكان راوية ثقة لاينكر حديثه سكتوا ، وسلمواالامر في ذلك وقبلوا قوله .
فإن دلالة هذا الكلام على أن روايات الكتب المعروفة والاصول المشهورة لم تكن قطعية الصدور ، وإنما يلزم قبولها بشرط أن تكون رواتها ثقات ، للاجماع على حجيتها - حينئذ - واضحة ظاهرة .
رابعا : إن الاصول والكتب المعتبرة لو سلمنا إنها كانت مشهورة ومعروفةإلا أنها كانت كذلك على إجمالها ، وإلا فمن الضروري أن كل نسخة منها لم تكن معروفة ومشهورة ، وأنما ينقلها واحد إلى آخر قراءة أو سماعا ، أو مناولة مع
الاجازة في روايتها ، فالواصل إلى المحمدين الثلاثة إنما وصل إليهم من طريقالآحاد ، ولذلك ترى أن الشيخ الصدوق بعد ما ذكر في خطبة كتابه من لايحضره الفقيه أن : جميع ما أورده فيه مستخرج من كتب مشهورة معروفة أشار إلىطريقه إليها ، وقال : ( وطرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن
مشايخي وأسلافي رضى الله عنهم ) .
فإنه يظهر من ذلك أنه - قدس سره – كان قد ألف فهرسا ذكر فيه طرقه إلى الكتب التي رواها عن مشايخه وأسلافه ، فهو إنما يروي الكتب بتلك الطرق المعروفة في ذلك الفهرس ، ولكنه لم يصل إلينا ، فلا نعرف من طرقه غير ماذكره في المشيخة من طرقه إلى من روى عنهم في كتابه .
وأما طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا ، ولا ندري أن أيا منها كان صحيحا ، وأيا منها غير صحيح . ومع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين عليهم السلام)[2].
الخلاصة: أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكافي ، بل لاشك في أن بعضها ضعيفة ولكن عددها يختلف باختلاف الآراء في رجال السند، حيث أن العلماء يختلفون في ذلك، فمنهم من يوثق أحدهم ومنهم من يضعفه،وباب الاجتهاد في هذا العلم مفتوح فلا يمثل حصر عدد معين للروايات الضعيفة في (الكافي) إلا بالثبوت على مبنى رجالي واحد.
ولكن وجود روايات ضعيفة لا يعني أنها ليس لها قيمة علمية، فلابد من طرحها! بل يمكن الاستفادة من الروايات الضعيفة في تحقيق التواتر والاستفاضة.
علما إن بعض الروايات يطمأن بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام . والله أعلم ببواطن الامور
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين.
[1] - التهذيب : الجزء 4 ، باب علامة أول شهر رمضان وآخره ، الحديث 477 - 482 .
[2] - معجم رجال الحديث ص21(بتصرف)
