

أيها الأخ الغافل عن إصلاح نفسه، والمتغافل عن حقيقة أمره!..
إنّ لك أيّها المسكين جهتين واعتبارين:
ولا مبالاة بك ولا احتفال، بل لست شيئاً مذكوراً.
والجهة الثانية: لك من حيث انك متعلّق القدرة الإلهية، ومظهر العظمة الربانية،
ومخلوق لهذا الخالق العظيم الشأن عزَّ وجلَّ، وبهذه الجهة صرت مرتبطاً بكل العالم
من العرش إلى الثرى،
ومن السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى، فضلاً عما بين المشرق والمغرب، وجميع من في أقطار الأرض.
فإن أنت فعلت بنفسك خيراً أثرت في جميع العالم خيراً، ويالعكس فإن أشكل عليك ذلك،
فإن لك مثالاً تحت العرش يعمل مثل ما تعمل، فإن عملت قبيحاً ألقى الله
على مثالك ستراً وغطاه، لئلا تُفتضح عند أهل العرش.
وإن عملت حسناً أظهره الله لهم وهو معنى قوله:
"يا من أظهر الجميل وستر القبيح"
على ما رواه شيخنا البهائي في مفتاحه عن الصادق (عليه السلام) أنه قال:
"ما من مؤمن إلا وله مثال في العرش، فإذا اشتغل بالركوع والسجود ونحوهما فعل مثاله
مثل فعله، فعند ذلك تراه الملائكة فيصلون ويستغفرون له، وإذا اشتغل العبد بمعصية
أرخى الله على مثاله ستراً لئلا تطلع الملائكة عليها".(1)
وكذلك لا شك أن أعمالك كل يوم، وكل صباح، وكل مساء، تُعرض على النبي
(صلى الله عليه وآله) وعلى الأئمة (عليهم السلام)،
خصوصاً صاحب العصرــ عجل الله فرجه ــ ولي الأمر،
فما كان منها حسناً سرّهم، حتى قال أحدهم:
والله لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أسرّ بالحاجة يقضيها المؤمن لأخيه من صاحب الحاجة
وقد بان لك أيها المسكين!.. تأثير طاعتك ومعصيتك في كل العالم،
فضلاً عن خصوص الملائكة الموكلين بك، وفضلاً عمّا تقدمت الإشارة إليه
من تأثير الطاعة والمعصية في الأعقاب، وفي أعقاب الأعقاب،
ومن وصول النفع لكل المؤمنين ممّن مضى وممن بقي ممن يقول:
اللهم!.. اغفر للمؤمنين والمؤمنات حتى ورد:
"أن جميع المؤمنين والمؤمنات يشفعون لمن يقول ذلك ويقولون:هذا الذي كان يستغفر لنا".(2)
ورد في الأخبار:
"إنّ العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحار"(3)
وقال سبحانه:
{اِلذِنَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلذِينَ ءَامَنُوا}(4)
ولقد صدق مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول:
دواؤك فيك ولا تبصر وداؤك منك ولا تشعر
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي بآياته يظهر المضمر(5)

ولئن أهملت نفسك فما ربّك بمهمل لك، قال الله تعالى:
{أيَحْسَبُ الإنسَانُ أن يُتْرَكَ سُدى}(6)
وكلّ من خاف من أحد هرب منه إلا الخائف من الله فإنه يهرب إليه،
فإن أنت هربت إليه عزّوجلّ فاستمع لما رواه الصادق (عليه السلام) عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)عن الله عزّوجلّ أنه يقول:
"لا أطلع على قلب عبدٍ، فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعتي، وابتغاء وجهي،
إلا توليت تقويمه وسياسته"(7)
كذلك من عمل عملاً بإتقان، دخل تحت دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله:
"رحم الله من عمل عملاً فأتقنه"
ولا ريب أنّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) مستجابٌ،
ومن أدركته الرحمة من الله نجى من الهلكة.
ومن كان يصوم يوماً من شعبان مثلاً فيدخل تحت دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله:
"شعبان شهري، رحم الله من أعانني على شهري"(8)
فيا أخي!.. شأنك عظيم، وخطرك جسيم، وأنت بين حالتين في كل أطوارك وأحوالك:
إما أن تُقبل على الله، أو تعرض عنه فإن أقبلت عليه أقبل هو عليك، وأن أعرضت عنه أعرض عنك، وأعرض لإعراضه عنك كل شيء، وأنت بينهما لا تنفك عنهما.

فيا من هو على المقبلين عليه مقبل، وبالعطف عليهم عائد متفضّل،
ارزقنا اللهم التوفيق لما يوجب دوام الإقبال عليك، ودوام إقبالك علينا،
وحسّن أدبنا بين يديك، إنك أرحم الراحمين،
وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطيبين الطاهرين.
(1)مفتاح الفلاح:ص 156.
(2)الوسائل:ج 4، ص 151.
(3)الكافي:ج1، ص 34.
(4)سورة غافر:الآية 7.
(5)ديوان أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 175.
(6)سورة القيامة:الآية 39.
(7)الجواهر السنية: ص 133.
(8)الوسائل:ج 10، ص 492.
تعليق