بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد واله الطاهرين
كثيراً ما ترد اتهامات للشيعة بانهم عبادة قبور وان القبور تمثل عندهم اصلاً من اصول الدين وغيرها من الاتهامات التي لم ينزل الله بها من سلطان والحقيقة هي خلاف ذلك تماماً نعم جاء المنع في صدر الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية وان الاسلام في بداية عهده وذلك حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه لكن لما حسن الإيمان وعظم شأن الدين في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد وادلته وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها مؤكدة لاستحبابها لان الخطر الذي جاء بسببه المنع قد رفع فلا خطر ولا حظر من ان تبين سنة الزيارة للقبور فقام رسول الله صلى الله عليه وآله بالقول بها وفعلها وتقريرها لتكون سنة ومنهج يسير عليه الناس بعده
وقبل الدخول في ادلة مشروعية الزيارة لنعرف ماهو معنى الزيارة فان معنى الزيارة حضور الزائر عند المزور ، كما و تختلف باختلاف المقاصد والمتعلّقات ، فزيارة التاجر لقضايا تجاريّة تكون زيارة اقتصاديّة ، وزيارة رئيس دولة لدولة اُخرى للحديث الثنائي بين الدولتين تكون زيارة سياسيّة ، وهكذا زيارة المأموم لإمامه لتحكيم مباني العقيدة والمبادئ ، وإظهار الولاء والمودّة التي تعني المحبّة مع الإطاعة ، تكون زيارة عقائديّة ومبدئيّة.
واما زيارة اولياء الله فهي الحضور المذكور مع التحيّة والسلام والتبجيل والاحترام ، أو قراءة الزيارة وتلاوتها ولو من بعيد ، والشعور بالحضور الروحاني لا الحضور الجسدي ، وذلك تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى .ولا يخفى أنّ زيارة أولياء الله من مظاهر الولاية واتّصال الزائر بالمزور.
والادلة كثيرة على زيارة القبور ومن الفريقين الشيعة واهل العامة فما ورد عن الطائفة الشيعية كالاتي :
أولاً : الكتاب الكريم، قال سبحانه وتعالى : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون[1]
فقد نهت الآية عن الصلاة والقيام على قبر المنافق، ومفهومها مطلوبية هذين الأمرين بالنسبة لغيره أي للمؤمن .
ثانياً :الروايات الواردة في هذا الباب وكثيرة وتصل الى حد التواتر نروي قسماً منها فعن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال له: يا أبا الحسن إنّ الله جعل قبرَك وقبرَ وُلْدِك بقاعاً من بقاع الجنّة... وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوته من عباده تحنّ إليكم وتحتمل المذلّة والأذى فيكم، فيعمرون قبوركم ويُكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله، مودّة منهم لرسوله، اُولئك يا عليّ المخصوصون بشفاعتي... فأبشِر وبشِّر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرّة العين بما لا عينٌ رأت ولا اُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولكن حثالة من الناس يعيّرون زوّار قبوركم بزيارتكم كما تُعيّر الزانيةُ بزناها، اُولئك شرار اُمّتي، لا نالتهم شفاعتي، ولا يرِدون حوضي . [2]
روى الصدوق بسنده عن الإمام الرضا عليه السلام : أن النبي صلى الله عليه وآله قال : من زارني في حياتي وبعد موتي فقد زار الله تعالى [3]
روى ابن قولويه بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله : من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة [4]
وقال الإمام الصادق عليه السلام : إنّ أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لأمير المؤمنين عليه السلام ، فلا تكن عن الخير نوّاماً [5]
وقال حسّان بن مهران الجمّال : قال الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام لي : يا حسّان ، أتزور قبور الشهداء فيكم ؟ قلت : أيّ الشهداء ؟ قال عليه السلام : علي والحسين عليهما السلام . قلت : إنّا لنزورها فنكثر ، قال عليه السلام : اُولئك الشهداء المرزقون فزورهم وافزعوا عندهم بحوائجكم.[6]
ثالثاً : ان الانسان قد اودعت فيه الفطرة فيشتاق إلى زيارة لمن له به صلة روحية أو مادية والإسلام دين الفطرة .
رابعاً : سيرة المسلمين، فانها جرت على زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله منذ وفاته وإلى يومنا هذا .
ثم بالإضافة إلى هذه الأدلة هناك آثار تربوية وأخلاقية واجتماعية تنطوي عند زيارة القبور، ومن يشكّك في استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله في الواقع يشكك في الأمور المسلّمة والمتفق عليها عند المسلمين .
واما من الطائفة المخالفة فيكفيك ما ورد من اخبار عندهم :
فعن بريدة بن الحصيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » ، رواه مسلم [7]
وعن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « زوروا القبور فإنها تذكر الموت » [8]
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ، ولا تقولوا هجرا » [9]
وعن بريدة قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول : السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العافية » ، رواه مسلم[10].
روى مسلم عن عائشة إنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون و إنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهم أغفر لأهل بقيع الغرقد [11]
و عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال : نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهنّ، نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن في زيارتها تذكرة [12]
وكذلك الرواية التي جائت في البخاري والتي فيها ان عائشة تكذب عمر !!؟؟- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ
تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَلَا تَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ادْعُهُ لِي فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقَالَتْ حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ
{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ
{ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى }
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْئًا [13]
وكذلك تصريح أكابر الأمة الإسلامية وفقهائها على زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد خصّ الإمام السبكي الشافعي في كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) باباً لنقل نصوص العلماء على استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد بيّن أن الاستحباب أمر مجمع عليه بين المسلمين .
كما نقل العلامة الأميني في (الغدير : 5/109 - 125) كلمات أعلام المذاهب الأربعة بما يتجاوز الأربعين كلمة حول الزيارة فلا اعلم كيف يبررون لانفسهم اتهام الاخر وتكفيره والنيل منه مع انه على نهج القرآن والسنة ولما لا يلتزمون بما الزموا انفسهم به نعم ان القرآن قد وصفهم ((وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)) فهنيئاً لزوار محمد وآل محمد عليهم افضل الصلاة واتم التسليم لتزودهم التقوى من زيارتهم ليوم لاينفع فيه مال ولابنون(( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ )) 32الحج
والحمد لله رب العالمين
[1]التوبة84
[2]تهذيب الأحكام: ج6، ص21، ح49
[3])عيون أخبار الرضا : 1/115)
[4](كامل الزيارات : 12)
[5]جامع الأخبار : 74
[6]جامع الأخبار
[7] صحيح مسلم برقم (977)
[8]صحيح مسلم برقم (975) .
[9]مستدرك الحاكم (1 / 532) .
[10]صحيح مسلم برقم (975)
[11]صحيح مسلم : 7/41
[12]كنز العمال : 15/248، الأحاديث 42563، 42564، 42565
[13]البخاري ج5 ص28

تعليق