بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد واله الطاهرين
وبعد :
كان لبعض أحبار اليهود والنصارى مكانة مرموقة لدى الحكام واهتمام خاص بشأنهم، وقد شكلّوا في عهد معاوية هم وتلامذتهم مجمعاً علمياً في بلاد الشام ضم كعب الأحبار، وأبا الدرداء، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وكان هذا المجمع ينشر في الأمة آراءه، ومعارفه وإسرائيلياته بكل حرية ونشاط.
لاسيما، وأن الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه واله) ممنوع عنه أما عن بني إسرائيل، فقد صدر المرسوم الذي يقول: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
وصدر الأمر لكعب الأحبار بقراءة التوراة اليهودية آناء الليل وأطراف النهار.
وقد أصبح علماء اليهود والنصارى المستشارين الرئيسين للخلفاء والأمراء. يبدون آراءهم وعقائدهم في السياسة وفي العقائد وفي التاريخ وفي غير ذلك من المجالات، الدينية وغيرها بحرية تامة.
ولأجل ذلك.. فنحن نكتفي بإيراد بعض الأمثلة كنماذج صريحة لهذا الامر، وهي قضية رؤيا النبي ابراهيم عليه السلام والأمر الصادر بذبح ولده ، لكن من هو الذبيح ؟
هل هو إسماعيل ؟
أم هو إسحاق ؟!
ونلاحظ هنا: أن كعب الأحبار هو يروي قصة كون الذبيح هو إسحاق، مع كونها مخالفة للقرآن الكريم.
وكعب هذا هو الذي يبادر لطرح هذه المسألة، ويلقي إلى أولئك الذين وجد فيهم بغيته، ويستطيع عن طريقهم أن ينشر في الناس ترهاته، وأباطيله فقد روى الطبري قال:
"حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب: أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد، بن جارية الثقفي أخبره: أن كعباً قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن اسحاق بن إبراهيم النبي؟!
قال أبو هريرة: بلى.
قال كعب: أرى إبراهيم ذبح إسحاق، قال الشيطان: والله، لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم، لا أفتن أحداً منهم أبداً، فتمثل الشيطان لهم رجلاً يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه، دخل على سارة امرأة إبراهيم، فقال لها، أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق ؟!
قالت: غدا لبعض حاجته.
قال الشيطان: لا والله، ما لذلك غدا به.
قالت سارة: فلم غدا به ؟
قال: غدا به ليذبحه.
قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه.
قال الشيطان: بلى والله.
قالت سارة: فلِمَ يذبحه ؟
قال: زعم أن ربه أمره بذلك.
قالت سارة: فهذا حسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك ثم تذكر الرواية أن الشيطان تركها. وذهب إلى إسحاق، وجرت له معه نفس المحاورة، وسمع نفس الأجوبة.
فترك إسحاق وأسرع إلى إبراهيم، فقال له:
أين أصبحت غادياً بابنك ؟
قال: غدوت به لبعض حاجتي.
قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه.
قال: لم أذبحه ؟
قال: زعمت: أن ربك أمرك بذلك.
قال: فو الله لئن كان امرني ربي لأفعلن.
قال: فما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه، وسلم إسحاق أعفاه الله، وفداه بذبح عظيم.
وقد روى أبو هريرة عن كعب الأحبار أن الذبيح هو إسحاق في روايتين أخريين أوردهما الطبري أيضاً .
فنلاحظ: أن إبراهيم ينكر على الشيطان أن يكون ذاهباً بابنه ليذبحه، وحين يخبره الشيطان بنيته تلك يقول له مستنكراً: ولم أذبحه ؟
ثم يقول له: فو الله لئن كان ربي أمرني لأفعلن.
فهل هو لا يعلم: إن كان ربه قد أمره بذلك، أم لم يأمره ؟!
قال الطبري: ".. وقد روي عن رسول الله (ص) كلا القولين، لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره، غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه (ص) أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الأخرى".
ثم قال الطبري: ".. وأما الدلالة من القرآن، التي قلنا إنها على أن ذلك إسحاق أصح[1]
لقد قبل الطبري إذن بأن إسحاق هو الذبيح واستدل لذلك بما عرفت من رواية كعب الاحبار.
ومن الواضح: أن ما ذهب إليه، وما استدل به لا يصح، وذلك للأمور التالية:
1ـ ما روي في تاريخ الطبري عنه (ص) بأنه قال: أنا ابن الذبيحين، ومن الواضح: أن نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد كان من ولد إسماعيل، لا من ولد إسحاق.
2 ـ إنه تعالى بعد أن ذكر قضية الذبح في سورة الصافات عقبها بالبشارة بإسحاق، فقال: ?وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ? وهي بشارة بالميلاد على حد البشارة بالآية الأخرى: وبشرناه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب فهو حين بشر بإسحاق قد بشر بأنه سيكبر ويولد له ولد اسمه يعقوب، فكيف يأمره بعد هذا كله بذبح هذا الولد بالذات؟!
وقد روي أن الإمام الصادق عليه السلام قد استدل بهذا وكذا محمد بن كعف القرظي.
ويشير إلى هذا أيضاً قول إبراهيم عليه السلام: ?الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ? فقدم إسماعيل على إسحاق. كما أن الله سبحانه قد ذكر إسماعيل وإسحاق في ست آيات قرآنية وفي جميعها يقدم ذكر إسماعيل على إسحاق.
3 ـ قوله تعالى: ?وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ? إذ لا يعقل أن يبشر الله سبحانه إبراهيم بغلام سيكبر، ويكون نبياً من الصالحين، ويتزوج ويولد له أولاده. ثم يأمره بذبح ذلك الولد بالذات، فإنه لا يرتاب حينئذ بأن الأمر بالذبح ليس حقيقياً، وإنما هو صوري، وهذا يفقد قضية الذبح كل قيمتها.
فلاحظ قوله تعالى: ?وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً? ثم وقوله تعالى: ?وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ?
وبعد هذا نقول : ان القوم قد تأثروا تأثيرا كبيرا باليهود فأخذوا منهم الروايات والاحاديث وتركوا النهج الصالح والعترة الطاهرة التي اوصى بها النبي وفرض علينا التمسك بها .....
[1]- كتاب الإسرائيليات في تاريخ الطبري ج1 ص7


تعليق