بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد واله الطاهرين
ان مسالة البناء على القبور من الامور التي يشنع بها اعداء المذهب المحمدي الحيدري الاصيل محتجين باستدلالات واهية يمكن ردها لانه في الكتاب والسنة ما يؤكد المشروعية
البناء على القبور في الكتاب
يظهر من الكتاب أنّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على قبور أصحاب الكهف، اختلفوا على قولين: فمن قائل: (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً) سورة الكهف: الآية 21 .
ومن قائل آخر: (لَنَتَّخِذَنّ عَليْهِم مَسْجداً)سورة الكهف: الآية 21 .
والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قدوة وأُسوة.
فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقدهما أو يعترض عليهما ويردع عنهما بل الظاهر أنّه ينقلهما بصورة التحسين، وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم ثباتهم في طريق العقيدة إلى حد لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التبرك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم. وآخر باتخاذ مراقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة وأُسطورة، وإنما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام. فلو كانوا في عملهم هذا ضالين لعلق على قولهم بشىء أو عابه، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملا، أو رأياً.
قال سبحانه حاكياً كيفية غرق فرعون: (حَتّى إذَا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أنّهُ لاَ إلهَ اَلاّ الّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إسرائيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَسورة يونس: الآية 90 .. ولأجل إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد، عقّب عليه بقوله

فلأجل ذلك يكون القرآن قدوة في كل ما ينقله من أعمال الماضين، إلاّ إذا عقّب عليه بالرد، أو دلّت القرائن على كونه عملا غير مقبول .
السيرة المستمرة بين المسلمين
لم يزل الإلهيون من أهل الكتاب والمسلمين في قاطبة الأعصار يهتمون بمقابر الأنبياء والأولياء بالبناء والتعمير، ثم التطهير والتنظيف، حتّى نرى أنّ كثيراً من المتمكّنين يخصصون أموالهم ويوقفونها في هذا المجال.
فهذه القباب الشاهقة، والمنائر الرفيعة، والساحات الوسيعة حول مراقد الأنبياء والأولياء، في مختلف البلاد شرقها وغربها، وهذا دليل قاطع على أنّ هذه السيرة كانت مرضية عن صاحب الشريعة وخلفائه وأصحابه، وإلاّ كان عليهم رفضها وردها بالبنان والبيان، والسلطة والقوة، فالسكوت في بعض الفترات ودعمها في بعض الأحايين أدلّ دليل على كونها سيرة مرضية.
نعم، إذا كان اتّخاذ المقابر مساجد على النحو الرائج عند اليهود والنصارى فهو محرّم، وقد نصّ الرسول على تحريمه، كما تأتي الروايات مع توضيحها، وهو مسألة أُخرى غير مجرّد البناء على القبور الّذي هو مسألتنا.
هذا هو السلف الصالح قد وقفوا ـ بعد ما فتحوا الشام ـ على قبور الأنبياء ذوات البناء الشامخ... فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب أن تهدم، وهكذا الحال في سائر القبور المشيدة عليها الأبنية في أطراف العالم، وإن كنت في ريب فاقرأ تواريخهم، وإليك نص ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية:
إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعة من قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم بـ «حبرون» ولعلهم استغلوا ذلك ففرضوا أتاوة على حجاج هذا الحرم.. وربما يكون توصيف تميم الداري نسبة إلى الدار، أي: الحرم، وربما كان دخول هؤلاء اللخميين للإسلام، لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الّذي قدّسه المسلمون تقديس اليهود والنصارى من قبلهم
اما المخالفين فهم مسـتندين على ذلك بحـديث عليّ (رضي الله عنه) أنّه قال لأبي الهيّـاج: "ألا أبعثـك على مـا بعثـني عليه رسـول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)؟! أن لا تدع تمثالا إلاّ طمسته، ولا قبراً مُشرِفاً إلاّ سوّيته". (رواه مسـلم /ج3 /ص61)
ولكنه مردود حيث إنّه احترامٌ لصاحب القبر، وباعثٌ على زيارته، وعلى عبادة الله عزّ وجلّ ـ بالصلاة والقراءة والذِكر وغيرها ـ عنده، وملجأٌ للزائرين والغرباء والمساكين والتالين والمصلّين. بل هو إعـلاء لشأن الدِين !
وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): " مَن سنَّ سُـنّة حسنة فله أجرها وأجرُ مَن عمل بها "(صحيح مسلم 3 / 87).
وقد بُني على مراقد الأنبياء قبل ظهور الإسلام وبعده، فلم ينكره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أحدٌ من الصحابة والخلفاء، كالقباب المبنيّة على قبر دانيال (عليه السلام) في شوشتر، وهود وصالح ويونس وذي الكفل (عليهم السلام)، والأنبياء في بيت المقدس وما يليها، كالجبل الذي دُفن فيه موسى (عليه السلام)، وبلد الخليل مدفن سيّدنا إبراهيم (عليه السلام). بل الحجر المبنيّ على قبر إسماعيل (عليه السلام) وأُمّه رضي الله عنهـا. بل أوّل مَن بنى حجرة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) باللَّبِـنِ ـ بعد أن كانت مقوّمة بجريد النخل ـ عمرُ بن الخطّاب، على ما نصّ عليه السمهودي في كتاب " الوفا "، ثمّ تناوب الخلفاء على تعميرهـا
تعليق