بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد للة رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
اشكال/ مسالة البناء على القبور وكيف استد لة المخالف على عدم مشروعية بناء القبور وكيف ترد هذه الادله
عن جابر قال: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» وفي لفظ النسائي: «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ، أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».
الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجة وابن حبان والحاكم،
قال الشوكاني في النيل:
(قوله: «وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا:
إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل، وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى،)
الحنفية:
قال في بدائع الصنائع: (وكره أبو حنيفة البناء على القبر)
المالكية:
في مواهب الجليل: (ويكره البناء على القبر والتحويز عليه ، وإن قصد المباهاة بالبناء عليه أو التبييض فذلك حرام.)
وفي حاشية الدسوقي
وتحصل مما تقدم أن البناء على القبر أو حوله في الأراضي الثلاثة وهي المملوكة له ولغيره بإذن والموات حرام عند قصد المباهاة وجائز عند قصد التمييز وإن خلا عن ذلك كره. وأما البناء فوقه أو حوله في الأرض المحبسة فحرام إلاّ بقصد التمييز فجائز إن كان البناء يسيراً)
وفي الفواكه الدواني: (وَأَمَّا الْقُبَبُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَلا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا فِي الأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى دَفْنِ الأَمْوَاتِ )
الحنابلة:
قال في المغني: (ويكر البناء على القبر)
وفي الزاد نص على الكراهة وهو الذي في النتهى
وفي الإنصاف: (وأما البناء عليه: فمكروه، على الصحيح من المذهب، سواء لاصق البناء الأرض أم لا. وعليه أكثر الأصحاب. قال في الفروع: أطلقه أحمد، والأصحاب. وقال صاحب المستوعب، والمجد، وابن تميم،
وغيرهم: لا بأس بقبة وبيت وحظيرة في ملكه. وقدمه في مجمع البحرين، لكن اختار الأول. وقال المجد: يكره ذلك في الصحراء، للتضييق والتشبيه بأبنية أهل الدنيا.
وقال في المستوعب: ويكره إن كان في مسبلة. قال في الفروع: ومراده الصحراء. وقال في الوسيلة:
ويكره البناء الفاخر كالقبة. قال في الفروع: وظاهره لا بأس ببناء. وعنه منع البناء في وقف عام. وقال أبو حفص:
تحرم الحجرة، بل تهدم. وحرم الفسطاط أيضاً. وكره الإمام أحمد الفسطاط والخيمة. وقال الشيخ تقي الدين:
إن بني ما يختص به فيها، فهو غاصب. وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وقال في الفصول:
القبة والحظيرة والتربة، إن كان في ملكه فعل ما شاء، وإن كان في مسبلة كره للتضييق بلا فائدة. ويكون استعمالاً للمسبلة فيما لم توضع له. )
قال في كشاف القناع:
((ويكره البناء عليه) أيْ القبر (سواء لاصق البناء الأرض أو لا، ولو في ملكه من قبّة أو غيرها، للنهي عن ذلك)، لحديث جابر قال: «نهى النبيّ أنْ يجصّصَ القبرُ، وأنْ يبنَى عليهِ، وأن يقعد عليه»، رواه مسلم والترمذي، وزاد: «وأن يكتبَ عليه» . وقال: حسن صحيح. (وقال ابن القيم في) كتابه (إغاثة اللهفان) من مكايد الشيطان (يجب هدم القباب التي على القبور، لأنّها أسست على معصية الرسول، انتهى. وهو) أيْ البناء (في) المقبرة (المسبلة أشد كراهة) لأنّه تضييق بلا فائدة، واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. (وعنه: منع البناء في وقف عام) وفاقاً للشافعي وغيره. وقال: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. وما ذكره المصنف هو معنى كلام ابن تميم. قال في الفروع: فظاهر ما ذكره ابن تميم : أنَّ الأشهر لا يمنع. وليس كذلك. فإنَّ المنقول في هذا: ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة. قال: لا يدفن فيها والمراد: لا يختص به. وهو كغيره. وجزم ابن الجوزي بأنّه يحرم حفر قبر في مسبلة قبل الحاجة إليه. فههنا أولى. (قال الشيخ) من بنى ما يختص به فيها فـ(ـهو غاصب)، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وكل منهيّ عنه. (قال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم، وهو) أيْ القول بتحريم البناء في المسبلة (الصواب) لما يأتي في الوقف أنّه يجب صرفه للجهة التي عيّنها الواقف. (وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر) لأنّ أبا هريرة: «أوصى حينَ حضرهُ الموتُ أنْ لا تضربُوا عليّ فسطاطاً»، رواه أحمد في مسنده، وقال البخاري في صحيحه: «ورأى ابن عمر فسطاطاً على قبرِ عبدِ الرحمن فقال: انزعْهُ يا غلامُ، فإنَّما يظلُه عملهُ»، ولأنّ الخيام بيوت أهل البر، فكرهت، كما كرهت بيوت أهل المدن. (وتغشية قبور الأنبياء والصالحين أيْ سترها بغاشية ليس مشروعاً في الدين، قاله الشيخ. وقال في موضع آخر، في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أن هذا منكر، إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين فكيف بغيرهم؟) أ.هـ.
ادلة الجواز من ابناء العامة
ن جابر قال: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» وفي لفظ النسائي: «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ، أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».
الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجة وابن حبان والحاكم،
قال الشوكاني في النيل:
(قوله: «وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل، وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى،)
الحنفية:
قال في بدائع الصنائع: (وكره أبو حنيفة البناء على القبر)
المالكية:
في مواهب الجليل: (ويكره البناء على القبر والتحويز عليه ، وإن قصد المباهاة بالبناء عليه أو التبييض فذلك حرام.)
وفي حاشية الدسوقي0
وتحصل مما تقدم أن البناء على القبر أو حوله في الأراضي الثلاثة وهي المملوكة له ولغيره بإذن والموات حرام عند قصد المباهاة وجائز عند قصد التمييز وإن خلا عن ذلك كره.
وأما البناء فوقه أو حوله في الأرض المحبسة فحرام إلاّ بقصد التمييز فجائز إن كان البناء يسيراً)
وفي الفواكه الدواني: (وَأَمَّا الْقُبَبُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَلا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا فِي الأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى دَفْنِ الأَمْوَاتِ )
الشافعية:
ذكرت النقل عنهم وأنت أدرى بمذهبهم
الحنابلة:
قال في المغني: (ويكر البناء على القبر)
وفي الزاد نص على الكراهة وهو الذي في النتهى
وفي الإنصاف: (وأما البناء عليه: فمكروه، على الصحيح من المذهب، سواء لاصق البناء الأرض أم لا. وعليه أكثر الأصحاب. قال في الفروع: أطلقه أحمد، والأصحاب. وقال صاحب المستوعب، والمجد، وابن تميم، وغيرهم: لا بأس بقبة وبيت وحظيرة في ملكه. وقدمه في مجمع البحرين، لكن اختار الأول. وقال المجد: يكره ذلك في الصحراء، للتضييق والتشبيه بأبنية أهل الدنيا. وقال في المستوعب: ويكره إن كان في مسبلة. قال في الفروع: ومراده الصحراء. وقال في الوسيلة: ويكره البناء الفاخر كالقبة. قال في الفروع: وظاهره لا بأس ببناء. وعنه منع البناء في وقف عام. وقال أبو حفص: تحرم الحجرة، بل تهدم. وحرم الفسطاط أيضاً. وكره الإمام أحمد الفسطاط والخيمة. وقال الشيخ تقي الدين: إن بني ما يختص به فيها، فهو غاصب. وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وقال في الفصول: القبة والحظيرة والتربة، إن كان في ملكه فعل ما شاء، وإن كان في مسبلة كره للتضييق بلا فائدة. ويكون استعمالاً للمسبلة فيما لم توضع له. )
قال في كشاف القناع:
((ويكره البناء عليه) أيْ القبر (سواء لاصق البناء الأرض أو لا، ولو في ملكه من قبّة أو غيرها، للنهي عن ذلك)، لحديث جابر قال: «نهى النبيّ أنْ يجصّصَ القبرُ، وأنْ يبنَى عليهِ، وأن يقعد عليه»، رواه مسلم والترمذي، وزاد: «وأن يكتبَ عليه» . وقال: حسن صحيح. (وقال ابن القيم في) كتابه (إغاثة اللهفان) من مكايد الشيطان (يجب هدم القباب التي على القبور، لأنّها أسست على معصية الرسول، انتهى. وهو) أيْ البناء (في) المقبرة (المسبلة أشد كراهة) لأنّه تضييق بلا فائدة، واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. (وعنه: منع البناء في وقف عام) وفاقاً للشافعي وغيره. وقال: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. وما ذكره المصنف هو معنى كلام ابن تميم. قال في الفروع: فظاهر ما ذكره ابن تميم : أنَّ الأشهر لا يمنع. وليس كذلك. فإنَّ المنقول في هذا: ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة. قال: لا يدفن فيها والمراد: لا يختص به. وهو كغيره. وجزم ابن الجوزي بأنّه يحرم حفر قبر في مسبلة قبل الحاجة إليه. فههنا أولى. (قال الشيخ) من بنى ما يختص به فيها فـ(ـهو غاصب)، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وكل منهيّ عنه. (قال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم، وهو) أيْ القول بتحريم البناء في المسبلة (الصواب) لما يأتي في الوقف أنّه يجب صرفه للجهة التي عيّنها الواقف. (وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر) لأنّ أبا هريرة: «أوصى حينَ حضرهُ الموتُ أنْ لا تضربُوا عليّ فسطاطاً»، رواه أحمد في مسنده، وقال البخاري في صحيحه: «ورأى ابن عمر فسطاطاً على قبرِ عبدِ الرحمن فقال: انزعْهُ يا غلامُ، فإنَّما يظلُه عملهُ»، ولأنّ الخيام بيوت أهل البر، فكرهت، كما كرهت بيوت أهل المدن. (وتغشية قبور الأنبياء والصالحين أيْ سترها بغاشية ليس مشروعاً في الدين، قاله الشيخ. وقال في موضع آخر، في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أن هذا منكر، إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين فكيف بغيرهم؟) أ.هـ.
الاجابة عن الجواب من ادلة الشيعة اعزهم الله على الجواز
الأدلة على جواز بناء القبور :
1- قوله تعالى: (( قَالَ الَّذينَ غَلَبوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهم مَّسْجدًا )) (الكهف:21). أخبرنا الله تعالى عن المؤمنين الذين قررّوا أن يتّخذوا من مضجع الفتية المؤمنة مسجداً يسجدون لله سبحانه فيه، ويعبدونه وهم مؤمنون وليسوا بمشركين، ولم يذمّهم الله تعالى على ذلك.
وممّا لا شك فيه أن شأن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، أرفع من شأن أولئك الفتية، فإذا جاز بناء قبورهم, فبالأولى جواز ذلك بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
2- قوله تعالى: (( قل لَّا أَسْأَلكمْ عَلَيْه أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقرْبَى )) (الشورى:23). تدل هذه الآية على وجوب مودّة قربى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو وجوب مطلق لم يقيد بزمان دون آخر, ولا مكان دون مكان, ولا كيفية دون أخرى. وممّا لا شك فيه أن تعهد قبر شخص ما بالبناء والإعمار والتجديد من جملة المصاديق العرفية لهذه المودة.
3- تعظيم شعائر الله تعالى.
فإن القرآن الكريم وإن لم يصرح على بناء قبور الأنبياء والصالحين بالخصوص, لكنه صرح بتعظيم شعائر الله تعالى بقوله : (( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب )) (الحج:32)، وبقوله : (( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له )) (الحج:30)، ولا شك ولا ريب أن صون المعالم الدينية عن الإندراس ـ كالمشاهد المتضمّنة لأجساد الأنبياء والصالحين ـ وحفظها عن الخراب بناءاً وتجديداً, نحو من أنحاء التعظيم, كما أن حفظ المسجد عن الخراب تعظيم له.
ولا يخفى : أن الله تعالى جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها, فكيف بالبقاع المتضمنة لأجساد الأنبياء والأولياء, فإنها أولى بأن تكون شعاراً للدين.
كيف لا ؟ وهي من البيوت التي أذن الله أن ترفع, ويذكر فيها اسمه, فإن المراد من البيت في الآية هو : بيت الطاعة, وكل محل أعدّ للعبادة, فيعم المساجد والمشاهد المشرفة لكونها من المعابد.
ولو لم يكن في الشريعة ما يدل على تعمير المساجد وتعظيمها واحترامها، لأغنتنا الآية بعمومها عن الدلالة على وجوب تعمير المسجد وتعظيمه، وإدامة ذكر الله فيه، لكونه من البيوت التي أذن الله أن ترفع. ومثل المسجد في جهة التعمير والتعظيم والحفظ, المشاهد التي هي من مشاعر الإسلام ومعالم الدين.
4- إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة على البناء.
فإنه (صلى الله عليه وآله) أقرّ, وهكذا أصحابه, على بناء الحجر ولم يأمروا بهدمه, مع أنه مدفن نبي الله إسماعيل (عليه السلام) وأمّه هاجر, وهكذا إقرارهم على بناء قبر النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام), وبقية قبور الأنبياء والمرسلين حول بيت المقدس.
ثم إقرار الصحابة على دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحجرة التي توفّي فيها, وهي مشيّدة بالبناء, ودفن الخليفة الأول والثاني فيها من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يأمروا بهدمها, بل العكس أمروا بإعمارها, دليل قاطع على جواز البناء على القبور.
5- الروايات الواردة في كتب الفريقين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحث على زيارة القبور, وثواب من زار قبره, وأنه (صلى الله عليه وآله) زار قبر أمّه ورمّم قبرها.
وأما بالنسبة إلى الأدلة التي تمسّك بها الوهابيون على تحريم البناء على القبور, فهي:
أولاً: إجماع العلماء قائم على عدم جواز البناء على القبور.
وفيه: أن دعوى الإجماع مرفوضة, بإعتبارها مخالفة لكلمات العلماء الدالة على جواز البناء, بل رجحانه, ومخالفة لعمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الأقطار والأمصار, على اختلاف طبقاتهم وتباين نزعاتهم, من بدء الإسلام إلى يومنا هذا, من العلماء وغيرهم, من الشيعة والسنة وغيرهم, وأي بلاد من بلاد الإسلام ليس لها جبانة, فيها القبور المشيّدة ؟!
فهؤلاء أئمة المذاهب : الشافعي في مصر, وأبو حنيفة في بغداد, ومالك بالمدينة, وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم سامقة المباني شاهقة القباب, وأحمد بن حنبل كان له قبر مشيّد في بغداد, جرفه شط دجلة حتى قيل : أطبق البحر على البحر.
وكل تلك القبور قد شيّدت, وبنيت في الأزمنة التي كانت حافلة بالعلماء, وأرباب الفتوى, وزعماء المذاهب, فما أنكر منهم ناكر, بل كل منهم محبّذ وشاكر.
وليس هذا من خواص الإسلام, بل هو جار في جميع الملل والأديان, من اليهود والنصارى وغيرهم, بل هو من غرائز البشر, ومقتضيات الحضارة والعمران, وشارات التمدّن والرقي, والدين القويم المتكفّل بسعادة الدارين, إذا كان لا يؤكده ويحكمه, فما هو بالذي ينقضه ويهدمه, ألا يكفي هذا شاهداً قاطعاً, ودليلاً بيناً على فساد دعوى الإجماع ؟
ثانياً: ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) بأنه قال لابن الهياج الأسدي : ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ادع تمثالاً إلا طمسته, ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. (صحيح مسلم 2 / 666 باب 31 ح 93, مسند أحمد 1 / 96 و 129, سنن النسائي 4 / 88 وفيه : ولا صورة في بيت الا طمستها ، سنن أبي داود 3 / 215ح 3218, الجامع الصحيح للترمذي 3 / 366 باب 56 ح 1041).
وفيه: بناءً على صحّة هذه الرواية, فهل معنى التسوية في قوله ( إلا سويته ) أي ساويته بالأرض، بمعنى هدمته, أم معنى تسوية الشيء عبارة عن تعديل سطحه, وتسطيحه في قبال تقعيره أو تحديبه أو تسنيمه وما اشبه ذلك من المعاني المتقاربة ؟
لا شك أن معناه : إلا سطحته وعدلته, وليس معناه : إلا هدمته وساويته بالارض. وقد فهم مسلم في صحيحه ما فهمناه من الحديث, حيث عنون الباب قائلاً : ( باب تسوية القبور ) ولم يقل مساواة القبور. فأورد فيه أولاً بسنده إلى تمامه قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا, فأمر فضالة بقبره فسوّي, ثم قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأمر بتسويتها (صحيح مسلم 2 / 666 باب 31 / 92). ثم أورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدم : ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
وكذا فهم شارحوا صحيح مسلم وإمامهم النووي ذلك, حيث قال في شرح تلك العبارة ما نصه : أن السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنم, بل يرفع نحو شبر, وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه, ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها. ( إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 4 / 301 ).
ويشهد لأفضلية التسنيم, مارواه البخاري في صحيحه, في باب صفة قبر النبي وأبي بكر وعمر، بسنده إلى سفيان التمار أنه رأى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) مسنماً. (صحيح البخاري 2 / 128).
ولكن القسطلاني أحد المشاهير من شارحي البخاري, قال ما نصه : ( مسنماً ) بضم الميم وتشديد النون المفتوحة, أي : مرتفعاً, زاد أبو نعيم في مستخرجه : وقبر أبي بكر وعمر كذلك, واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور, وهو قول أبي حنيفة (المبسوط للسرخسي 2 / 62), ومالك (المنتقى 2 / 22), وأحمد (المغني لابن قدامة 2 / 380), والمزني وكثير من الشافعية.
إلى أن قال القسطلاني : ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعار الروافض, لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها ! ولا يخالف ذلك قول علي (رضي الله عنه) أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا ادع قبراً مشرفاً إلا سويته, لأنه لم يرد تسويته بالأرض, وإنما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار ، ونقله في المجموع عن الأصحاب. ( إرشاد الساري 2 / 477 ).
إذن كل كلمات أعاظم المسلمين, وأساطين الدين من مراجع الحديث, كالبخاري ومسلم, وأئمة المذاهب, كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد, وأعلام العلماء وأهل الإجتهاد, كالنووي وأمثاله, كلّهم متفقون على مشروعية بناء القبور في زمن الوحي والرسالة, بل النبي (صلى الله عليه وآله) بذاته بنى قبر ولده إبراهيم ؛ إنما الخلاف والنزاع فيما بينهم في أن الأفضل والأرجح, تسطيح القبر أو تسنيمه ؟
فالذاهبون إلى التسنيم يحتجّون بحديث البخاري عن سفيان التمار, أنه رأى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) مسنماً.
والعادلون إلى التسطيح يحتجّون بتسطيح النبي قبر ولده إبراهيم. ولعل هذا الدليل هو الأرجح في ميزان الترجيح والتعديل, ولا يقدح فيه أنه صار من شعار الروافض وأهل البدع, كما قال شارح البخاري.
نعم, لو أبيت إلا عن حمل (سويته) على معنى ساويته بالأرض, حينئذ تجيء نوبة المعارضة ويلزم الصرف والتأويل, وحيث أن هذا الخبر بإنفراده لا يكافئ الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة في فضل زيارة القبور, ومشروعية بنائها, حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله) سطّح قبر إبراهيم, فاللازم صرفه إلى أن المراد : لا تدع قبراً مشرفاً قد اتخذوه للعبادة إلا سويته وهدمته.
ويدل على هذا المعنى الأخبار الكثيرة الواردة في الصحيحين ـ البخاري ومسلم ـ من ذم اليهود والنصارى والحبشة, حيث كانوا يتخذون على قبور صلحائهم تمثالاً لصاحب القبر فيعبدونه من دون الله.
أما المسلمون من عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى اليوم, فليس منهم من يعبد صاحب القبر, وإنما يعبدون الله وحده لا شريك له, في تلك البقاع الكريمة, المتضمنة لتلك الأجساد الشريفة, وبكل فرض وتقدير فالحديث يتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب ؛ والأخبار التي ما عليها غبار, ناطقة بمشروعية بنائها وإشادتها, وأنها من تعظيم شعائر الله.
ولتتميم الفائدة ننقل ما قاله الشيخ كاشف الغطاء في كتابه (منهج الرشاد): والأصل في بناء القباب وتعميرها ما رواه التباني, واعظ أهل الحجاز, عن جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جده الحسين, عن أبيه علي (عليه السلام), أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له : ( لتقتلن في أرض العراق وتدفن بها, فقلت : يارسول الله, ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها ؟ فقال : يا أبا الحسن, إن الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة, وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه, وصفوة من عباده تحن إليكم, وتعمّر قبوركم, ويكثرون زيارتها تقرباً إلى الله تعالى, ومودة منهم لرسوله)
والحمد للة رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين
اشكال/ مسالة البناء على القبور وكيف استد لة المخالف على عدم مشروعية بناء القبور وكيف ترد هذه الادله
عن جابر قال: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» وفي لفظ النسائي: «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ، أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».
الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجة وابن حبان والحاكم،
قال الشوكاني في النيل:
(قوله: «وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا:
إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل، وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى،)
الحنفية:
قال في بدائع الصنائع: (وكره أبو حنيفة البناء على القبر)
المالكية:
في مواهب الجليل: (ويكره البناء على القبر والتحويز عليه ، وإن قصد المباهاة بالبناء عليه أو التبييض فذلك حرام.)
وفي حاشية الدسوقي
وتحصل مما تقدم أن البناء على القبر أو حوله في الأراضي الثلاثة وهي المملوكة له ولغيره بإذن والموات حرام عند قصد المباهاة وجائز عند قصد التمييز وإن خلا عن ذلك كره. وأما البناء فوقه أو حوله في الأرض المحبسة فحرام إلاّ بقصد التمييز فجائز إن كان البناء يسيراً)
وفي الفواكه الدواني: (وَأَمَّا الْقُبَبُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَلا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا فِي الأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى دَفْنِ الأَمْوَاتِ )
الحنابلة:
قال في المغني: (ويكر البناء على القبر)
وفي الزاد نص على الكراهة وهو الذي في النتهى
وفي الإنصاف: (وأما البناء عليه: فمكروه، على الصحيح من المذهب، سواء لاصق البناء الأرض أم لا. وعليه أكثر الأصحاب. قال في الفروع: أطلقه أحمد، والأصحاب. وقال صاحب المستوعب، والمجد، وابن تميم،
وغيرهم: لا بأس بقبة وبيت وحظيرة في ملكه. وقدمه في مجمع البحرين، لكن اختار الأول. وقال المجد: يكره ذلك في الصحراء، للتضييق والتشبيه بأبنية أهل الدنيا.
وقال في المستوعب: ويكره إن كان في مسبلة. قال في الفروع: ومراده الصحراء. وقال في الوسيلة:
ويكره البناء الفاخر كالقبة. قال في الفروع: وظاهره لا بأس ببناء. وعنه منع البناء في وقف عام. وقال أبو حفص:
تحرم الحجرة، بل تهدم. وحرم الفسطاط أيضاً. وكره الإمام أحمد الفسطاط والخيمة. وقال الشيخ تقي الدين:
إن بني ما يختص به فيها، فهو غاصب. وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وقال في الفصول:
القبة والحظيرة والتربة، إن كان في ملكه فعل ما شاء، وإن كان في مسبلة كره للتضييق بلا فائدة. ويكون استعمالاً للمسبلة فيما لم توضع له. )
قال في كشاف القناع:
((ويكره البناء عليه) أيْ القبر (سواء لاصق البناء الأرض أو لا، ولو في ملكه من قبّة أو غيرها، للنهي عن ذلك)، لحديث جابر قال: «نهى النبيّ أنْ يجصّصَ القبرُ، وأنْ يبنَى عليهِ، وأن يقعد عليه»، رواه مسلم والترمذي، وزاد: «وأن يكتبَ عليه» . وقال: حسن صحيح. (وقال ابن القيم في) كتابه (إغاثة اللهفان) من مكايد الشيطان (يجب هدم القباب التي على القبور، لأنّها أسست على معصية الرسول، انتهى. وهو) أيْ البناء (في) المقبرة (المسبلة أشد كراهة) لأنّه تضييق بلا فائدة، واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. (وعنه: منع البناء في وقف عام) وفاقاً للشافعي وغيره. وقال: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. وما ذكره المصنف هو معنى كلام ابن تميم. قال في الفروع: فظاهر ما ذكره ابن تميم : أنَّ الأشهر لا يمنع. وليس كذلك. فإنَّ المنقول في هذا: ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة. قال: لا يدفن فيها والمراد: لا يختص به. وهو كغيره. وجزم ابن الجوزي بأنّه يحرم حفر قبر في مسبلة قبل الحاجة إليه. فههنا أولى. (قال الشيخ) من بنى ما يختص به فيها فـ(ـهو غاصب)، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وكل منهيّ عنه. (قال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم، وهو) أيْ القول بتحريم البناء في المسبلة (الصواب) لما يأتي في الوقف أنّه يجب صرفه للجهة التي عيّنها الواقف. (وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر) لأنّ أبا هريرة: «أوصى حينَ حضرهُ الموتُ أنْ لا تضربُوا عليّ فسطاطاً»، رواه أحمد في مسنده، وقال البخاري في صحيحه: «ورأى ابن عمر فسطاطاً على قبرِ عبدِ الرحمن فقال: انزعْهُ يا غلامُ، فإنَّما يظلُه عملهُ»، ولأنّ الخيام بيوت أهل البر، فكرهت، كما كرهت بيوت أهل المدن. (وتغشية قبور الأنبياء والصالحين أيْ سترها بغاشية ليس مشروعاً في الدين، قاله الشيخ. وقال في موضع آخر، في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أن هذا منكر، إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين فكيف بغيرهم؟) أ.هـ.
ادلة الجواز من ابناء العامة
ن جابر قال: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه: «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» وفي لفظ النسائي: «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ، أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ».
الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجة وابن حبان والحاكم،
قال الشوكاني في النيل:
(قوله: «وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فيه دليل على تحريم البناء على القبر، وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا: إن كان البناء في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، ولا دليل على هذا التفصيل، وقد قال الشافعي: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى،)
الحنفية:
قال في بدائع الصنائع: (وكره أبو حنيفة البناء على القبر)
المالكية:
في مواهب الجليل: (ويكره البناء على القبر والتحويز عليه ، وإن قصد المباهاة بالبناء عليه أو التبييض فذلك حرام.)
وفي حاشية الدسوقي0
وتحصل مما تقدم أن البناء على القبر أو حوله في الأراضي الثلاثة وهي المملوكة له ولغيره بإذن والموات حرام عند قصد المباهاة وجائز عند قصد التمييز وإن خلا عن ذلك كره.
وأما البناء فوقه أو حوله في الأرض المحبسة فحرام إلاّ بقصد التمييز فجائز إن كان البناء يسيراً)
وفي الفواكه الدواني: (وَأَمَّا الْقُبَبُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يُضْرَبُ عَلَى الْقَبْرِ فَلا شَكَّ فِي حُرْمَتِهَا فِي الأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى دَفْنِ الأَمْوَاتِ )
الشافعية:
ذكرت النقل عنهم وأنت أدرى بمذهبهم
الحنابلة:
قال في المغني: (ويكر البناء على القبر)
وفي الزاد نص على الكراهة وهو الذي في النتهى
وفي الإنصاف: (وأما البناء عليه: فمكروه، على الصحيح من المذهب، سواء لاصق البناء الأرض أم لا. وعليه أكثر الأصحاب. قال في الفروع: أطلقه أحمد، والأصحاب. وقال صاحب المستوعب، والمجد، وابن تميم، وغيرهم: لا بأس بقبة وبيت وحظيرة في ملكه. وقدمه في مجمع البحرين، لكن اختار الأول. وقال المجد: يكره ذلك في الصحراء، للتضييق والتشبيه بأبنية أهل الدنيا. وقال في المستوعب: ويكره إن كان في مسبلة. قال في الفروع: ومراده الصحراء. وقال في الوسيلة: ويكره البناء الفاخر كالقبة. قال في الفروع: وظاهره لا بأس ببناء. وعنه منع البناء في وقف عام. وقال أبو حفص: تحرم الحجرة، بل تهدم. وحرم الفسطاط أيضاً. وكره الإمام أحمد الفسطاط والخيمة. وقال الشيخ تقي الدين: إن بني ما يختص به فيها، فهو غاصب. وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وقال في الفصول: القبة والحظيرة والتربة، إن كان في ملكه فعل ما شاء، وإن كان في مسبلة كره للتضييق بلا فائدة. ويكون استعمالاً للمسبلة فيما لم توضع له. )
قال في كشاف القناع:
((ويكره البناء عليه) أيْ القبر (سواء لاصق البناء الأرض أو لا، ولو في ملكه من قبّة أو غيرها، للنهي عن ذلك)، لحديث جابر قال: «نهى النبيّ أنْ يجصّصَ القبرُ، وأنْ يبنَى عليهِ، وأن يقعد عليه»، رواه مسلم والترمذي، وزاد: «وأن يكتبَ عليه» . وقال: حسن صحيح. (وقال ابن القيم في) كتابه (إغاثة اللهفان) من مكايد الشيطان (يجب هدم القباب التي على القبور، لأنّها أسست على معصية الرسول، انتهى. وهو) أيْ البناء (في) المقبرة (المسبلة أشد كراهة) لأنّه تضييق بلا فائدة، واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. (وعنه: منع البناء في وقف عام) وفاقاً للشافعي وغيره. وقال: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى. وما ذكره المصنف هو معنى كلام ابن تميم. قال في الفروع: فظاهر ما ذكره ابن تميم : أنَّ الأشهر لا يمنع. وليس كذلك. فإنَّ المنقول في هذا: ما سأله أبو طالب عمن اتخذ حجرة في المقبرة. قال: لا يدفن فيها والمراد: لا يختص به. وهو كغيره. وجزم ابن الجوزي بأنّه يحرم حفر قبر في مسبلة قبل الحاجة إليه. فههنا أولى. (قال الشيخ) من بنى ما يختص به فيها فـ(ـهو غاصب)، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقال أبو المعالي: فيه تضييق على المسلمين. وفيه في ملكه إسراف وإضاعة مال. وكل منهيّ عنه. (قال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم، وهو) أيْ القول بتحريم البناء في المسبلة (الصواب) لما يأتي في الوقف أنّه يجب صرفه للجهة التي عيّنها الواقف. (وكره أحمد الفسطاط والخيمة على القبر) لأنّ أبا هريرة: «أوصى حينَ حضرهُ الموتُ أنْ لا تضربُوا عليّ فسطاطاً»، رواه أحمد في مسنده، وقال البخاري في صحيحه: «ورأى ابن عمر فسطاطاً على قبرِ عبدِ الرحمن فقال: انزعْهُ يا غلامُ، فإنَّما يظلُه عملهُ»، ولأنّ الخيام بيوت أهل البر، فكرهت، كما كرهت بيوت أهل المدن. (وتغشية قبور الأنبياء والصالحين أيْ سترها بغاشية ليس مشروعاً في الدين، قاله الشيخ. وقال في موضع آخر، في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أن هذا منكر، إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين فكيف بغيرهم؟) أ.هـ.
الاجابة عن الجواب من ادلة الشيعة اعزهم الله على الجواز
الأدلة على جواز بناء القبور :
1- قوله تعالى: (( قَالَ الَّذينَ غَلَبوا عَلَى أَمْرهمْ لَنَتَّخذَنَّ عَلَيْهم مَّسْجدًا )) (الكهف:21). أخبرنا الله تعالى عن المؤمنين الذين قررّوا أن يتّخذوا من مضجع الفتية المؤمنة مسجداً يسجدون لله سبحانه فيه، ويعبدونه وهم مؤمنون وليسوا بمشركين، ولم يذمّهم الله تعالى على ذلك.
وممّا لا شك فيه أن شأن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، أرفع من شأن أولئك الفتية، فإذا جاز بناء قبورهم, فبالأولى جواز ذلك بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
2- قوله تعالى: (( قل لَّا أَسْأَلكمْ عَلَيْه أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ في الْقرْبَى )) (الشورى:23). تدل هذه الآية على وجوب مودّة قربى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهو وجوب مطلق لم يقيد بزمان دون آخر, ولا مكان دون مكان, ولا كيفية دون أخرى. وممّا لا شك فيه أن تعهد قبر شخص ما بالبناء والإعمار والتجديد من جملة المصاديق العرفية لهذه المودة.
3- تعظيم شعائر الله تعالى.
فإن القرآن الكريم وإن لم يصرح على بناء قبور الأنبياء والصالحين بالخصوص, لكنه صرح بتعظيم شعائر الله تعالى بقوله : (( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب )) (الحج:32)، وبقوله : (( ومن يعظم حرمات الله فهو خير له )) (الحج:30)، ولا شك ولا ريب أن صون المعالم الدينية عن الإندراس ـ كالمشاهد المتضمّنة لأجساد الأنبياء والصالحين ـ وحفظها عن الخراب بناءاً وتجديداً, نحو من أنحاء التعظيم, كما أن حفظ المسجد عن الخراب تعظيم له.
ولا يخفى : أن الله تعالى جعل الصفا والمروة من الشعائر والحرمات التي يجب احترامها, فكيف بالبقاع المتضمنة لأجساد الأنبياء والأولياء, فإنها أولى بأن تكون شعاراً للدين.
كيف لا ؟ وهي من البيوت التي أذن الله أن ترفع, ويذكر فيها اسمه, فإن المراد من البيت في الآية هو : بيت الطاعة, وكل محل أعدّ للعبادة, فيعم المساجد والمشاهد المشرفة لكونها من المعابد.
ولو لم يكن في الشريعة ما يدل على تعمير المساجد وتعظيمها واحترامها، لأغنتنا الآية بعمومها عن الدلالة على وجوب تعمير المسجد وتعظيمه، وإدامة ذكر الله فيه، لكونه من البيوت التي أذن الله أن ترفع. ومثل المسجد في جهة التعمير والتعظيم والحفظ, المشاهد التي هي من مشاعر الإسلام ومعالم الدين.
4- إقرار النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة على البناء.
فإنه (صلى الله عليه وآله) أقرّ, وهكذا أصحابه, على بناء الحجر ولم يأمروا بهدمه, مع أنه مدفن نبي الله إسماعيل (عليه السلام) وأمّه هاجر, وهكذا إقرارهم على بناء قبر النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام), وبقية قبور الأنبياء والمرسلين حول بيت المقدس.
ثم إقرار الصحابة على دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحجرة التي توفّي فيها, وهي مشيّدة بالبناء, ودفن الخليفة الأول والثاني فيها من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يأمروا بهدمها, بل العكس أمروا بإعمارها, دليل قاطع على جواز البناء على القبور.
5- الروايات الواردة في كتب الفريقين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحث على زيارة القبور, وثواب من زار قبره, وأنه (صلى الله عليه وآله) زار قبر أمّه ورمّم قبرها.
وأما بالنسبة إلى الأدلة التي تمسّك بها الوهابيون على تحريم البناء على القبور, فهي:
أولاً: إجماع العلماء قائم على عدم جواز البناء على القبور.
وفيه: أن دعوى الإجماع مرفوضة, بإعتبارها مخالفة لكلمات العلماء الدالة على جواز البناء, بل رجحانه, ومخالفة لعمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الأقطار والأمصار, على اختلاف طبقاتهم وتباين نزعاتهم, من بدء الإسلام إلى يومنا هذا, من العلماء وغيرهم, من الشيعة والسنة وغيرهم, وأي بلاد من بلاد الإسلام ليس لها جبانة, فيها القبور المشيّدة ؟!
فهؤلاء أئمة المذاهب : الشافعي في مصر, وأبو حنيفة في بغداد, ومالك بالمدينة, وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم سامقة المباني شاهقة القباب, وأحمد بن حنبل كان له قبر مشيّد في بغداد, جرفه شط دجلة حتى قيل : أطبق البحر على البحر.
وكل تلك القبور قد شيّدت, وبنيت في الأزمنة التي كانت حافلة بالعلماء, وأرباب الفتوى, وزعماء المذاهب, فما أنكر منهم ناكر, بل كل منهم محبّذ وشاكر.
وليس هذا من خواص الإسلام, بل هو جار في جميع الملل والأديان, من اليهود والنصارى وغيرهم, بل هو من غرائز البشر, ومقتضيات الحضارة والعمران, وشارات التمدّن والرقي, والدين القويم المتكفّل بسعادة الدارين, إذا كان لا يؤكده ويحكمه, فما هو بالذي ينقضه ويهدمه, ألا يكفي هذا شاهداً قاطعاً, ودليلاً بيناً على فساد دعوى الإجماع ؟
ثانياً: ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) بأنه قال لابن الهياج الأسدي : ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ادع تمثالاً إلا طمسته, ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. (صحيح مسلم 2 / 666 باب 31 ح 93, مسند أحمد 1 / 96 و 129, سنن النسائي 4 / 88 وفيه : ولا صورة في بيت الا طمستها ، سنن أبي داود 3 / 215ح 3218, الجامع الصحيح للترمذي 3 / 366 باب 56 ح 1041).
وفيه: بناءً على صحّة هذه الرواية, فهل معنى التسوية في قوله ( إلا سويته ) أي ساويته بالأرض، بمعنى هدمته, أم معنى تسوية الشيء عبارة عن تعديل سطحه, وتسطيحه في قبال تقعيره أو تحديبه أو تسنيمه وما اشبه ذلك من المعاني المتقاربة ؟
لا شك أن معناه : إلا سطحته وعدلته, وليس معناه : إلا هدمته وساويته بالارض. وقد فهم مسلم في صحيحه ما فهمناه من الحديث, حيث عنون الباب قائلاً : ( باب تسوية القبور ) ولم يقل مساواة القبور. فأورد فيه أولاً بسنده إلى تمامه قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا, فأمر فضالة بقبره فسوّي, ثم قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأمر بتسويتها (صحيح مسلم 2 / 666 باب 31 / 92). ثم أورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدم : ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
وكذا فهم شارحوا صحيح مسلم وإمامهم النووي ذلك, حيث قال في شرح تلك العبارة ما نصه : أن السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنم, بل يرفع نحو شبر, وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه, ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها. ( إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 4 / 301 ).
ويشهد لأفضلية التسنيم, مارواه البخاري في صحيحه, في باب صفة قبر النبي وأبي بكر وعمر، بسنده إلى سفيان التمار أنه رأى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) مسنماً. (صحيح البخاري 2 / 128).
ولكن القسطلاني أحد المشاهير من شارحي البخاري, قال ما نصه : ( مسنماً ) بضم الميم وتشديد النون المفتوحة, أي : مرتفعاً, زاد أبو نعيم في مستخرجه : وقبر أبي بكر وعمر كذلك, واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور, وهو قول أبي حنيفة (المبسوط للسرخسي 2 / 62), ومالك (المنتقى 2 / 22), وأحمد (المغني لابن قدامة 2 / 380), والمزني وكثير من الشافعية.
إلى أن قال القسطلاني : ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعار الروافض, لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها ! ولا يخالف ذلك قول علي (رضي الله عنه) أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا ادع قبراً مشرفاً إلا سويته, لأنه لم يرد تسويته بالأرض, وإنما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار ، ونقله في المجموع عن الأصحاب. ( إرشاد الساري 2 / 477 ).
إذن كل كلمات أعاظم المسلمين, وأساطين الدين من مراجع الحديث, كالبخاري ومسلم, وأئمة المذاهب, كأبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد, وأعلام العلماء وأهل الإجتهاد, كالنووي وأمثاله, كلّهم متفقون على مشروعية بناء القبور في زمن الوحي والرسالة, بل النبي (صلى الله عليه وآله) بذاته بنى قبر ولده إبراهيم ؛ إنما الخلاف والنزاع فيما بينهم في أن الأفضل والأرجح, تسطيح القبر أو تسنيمه ؟
فالذاهبون إلى التسنيم يحتجّون بحديث البخاري عن سفيان التمار, أنه رأى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) مسنماً.
والعادلون إلى التسطيح يحتجّون بتسطيح النبي قبر ولده إبراهيم. ولعل هذا الدليل هو الأرجح في ميزان الترجيح والتعديل, ولا يقدح فيه أنه صار من شعار الروافض وأهل البدع, كما قال شارح البخاري.
نعم, لو أبيت إلا عن حمل (سويته) على معنى ساويته بالأرض, حينئذ تجيء نوبة المعارضة ويلزم الصرف والتأويل, وحيث أن هذا الخبر بإنفراده لا يكافئ الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة في فضل زيارة القبور, ومشروعية بنائها, حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله) سطّح قبر إبراهيم, فاللازم صرفه إلى أن المراد : لا تدع قبراً مشرفاً قد اتخذوه للعبادة إلا سويته وهدمته.
ويدل على هذا المعنى الأخبار الكثيرة الواردة في الصحيحين ـ البخاري ومسلم ـ من ذم اليهود والنصارى والحبشة, حيث كانوا يتخذون على قبور صلحائهم تمثالاً لصاحب القبر فيعبدونه من دون الله.
أما المسلمون من عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى اليوم, فليس منهم من يعبد صاحب القبر, وإنما يعبدون الله وحده لا شريك له, في تلك البقاع الكريمة, المتضمنة لتلك الأجساد الشريفة, وبكل فرض وتقدير فالحديث يتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب ؛ والأخبار التي ما عليها غبار, ناطقة بمشروعية بنائها وإشادتها, وأنها من تعظيم شعائر الله.
ولتتميم الفائدة ننقل ما قاله الشيخ كاشف الغطاء في كتابه (منهج الرشاد): والأصل في بناء القباب وتعميرها ما رواه التباني, واعظ أهل الحجاز, عن جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جده الحسين, عن أبيه علي (عليه السلام), أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال له : ( لتقتلن في أرض العراق وتدفن بها, فقلت : يارسول الله, ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها ؟ فقال : يا أبا الحسن, إن الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة, وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه, وصفوة من عباده تحن إليكم, وتعمّر قبوركم, ويكثرون زيارتها تقرباً إلى الله تعالى, ومودة منهم لرسوله)
