بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على خير خلقه محمد واله الميامين
يقول ابن تيميّة في كتابه منهاج السنة
وَكَانَ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ رِجَالٌ كَثِيرُونَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَخْلِفُهُ،فَلَمَّا كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا، وَهِيَ آخِرُ مَغَازِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ أَحَدٌ كَمَا اجْتَمَعَ مَعَهُ فِيهَا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، أَوْ مَنْ هُوَ مَعْذُورٌ لِعَجْزِهِ عَنِ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ هُوَ مُنَافِقٌ، وَتَخَلَّفَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، بَلْ كَانَ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ أَضْعَفَ مِنَ اَلِاسْتِخْلَافَاتِ الْمُعْتَادَةِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْمَدِينَةِ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْوِيَاءُ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ أَحَدًا كَمَا كَانَ يَبْقَى فِي جَمِيعِ مَغَازِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ رِجَالٌ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْوِيَاءُ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَخْلِفُ، فَكُلُّ اسْتِخْلَافٍ اسْتَخْلَفَهُ فِي مَغَازِيهِ مِثْلَ اسْتِخْلَافِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى، وَالصُّغْرَى، وَغَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلَقِ، وَالْغَابَةِ، وَخَيْبَرَ، وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَسَائِرِ مَغَازِيهِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ، وَمَغَازِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ فِيهَا كُلِّهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعُمْرَتَيْنِ قَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِمَّنْ بَقِيَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ كُلُّ اسْتِخْلَافٍ قَبْلَ هَذِهِ يَكُونُ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِمَّنِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ عَلِيًّا، فَلِهَذَا خَرَجَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْكِي، وَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟
وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ طَعَنَ فِيهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا خَلَّفَهُ ; لِأَنَّهُ يُبْغِضُهُ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي إِنَّمَا اسْتَخْلَفْتُكَ لِأَمَانَتِكَ عِنْدِي
هذا كلام ابن تيمية يريد به ابعاد الفضيلة والاستحقاق من الخلافة والوزارة لامير المؤمنين علي عليه السلام ويوهم للعامة انه لافضل لعلي على غيره في حديث المنزلة المبارك وليس بمستبعد عن هذا الرجل الذي عرف بنصبه وعداءه لاهل البيت عليهم السلام والمحاولات لاخفاء نورهم الجلي لكن يابى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون
بدايتاً نرى ان ابن تيمية يتجاهل المناسبات التي جاء فيها حديث المنزلة فمن المعلوم ان هذا الحديث لم يختص بحادثة غزوة تبوك التي قادها الرسول الاكرم صلى الله عليه واله ضد الروم فان الرسول اخبر بهذه المنزلة الرفيعة لعلي عليه السلام في اكثر من مكان وزمان فلقد اخبرعن هذا الحديث يوم المؤاخاة و يوم بدر ويوم فتح خيبر ويوم المباهلة وحجة الوداع يوم غدير خم
وكذلك ورد من دون ذكر للحادثة فلقد روى المتقي في كنز العمال بسنده عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب ، كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : في علي ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن ، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس
، كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ، ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنبي متكئ على علي بن أبي طالب ، حتى ضرب بيده على منكبه ، ثم قال : أنت يا علي أول المؤمنين إيمانا ، وأولهم إسلاما ، ثم قال : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، وكذب علي من زعم أنه يحبني ويبغضك .كنز العمال 6 / 395
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ، قال سعيد : فأحببت أن أشافه بها سعدا ، فلقيت سعدا ، فحدثته بما حدثني عامر ، فقال : أنا سمعته ، فقلت : أنت سمعته ، فوضع إصبعيه على أذنيه ، فقال : نعم ، وإلا فاستكتا صحيح مسلم 15 / 173 – 75 فهنا لم يحدد في غزوة تبوك
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ، بسنده عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لعلي : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي - قال رواه أبو يعلى والطبراني مجمع الزوائد 9 / 109 .
فنراه يحتج بخصوص هذه الحادثة للحديث ولم يلاحظ تعدد الوقائع والمناسبات
وكذلك نرى ابن تيمية يصرح بوجود المنافقين في المدينة وهذا خطر واضح على الاسلام وخصوصاً عاصمة المسلمين آن ذاك كونها المرتكز لكل البلاد الاسلامية فتركها بدون رجل يعتمد عليه يكون تقصيراً في حق الاسلام والرسالة اضافتاً الى وجود الذين هم ليسو من المنافقين وهم كما ذكرهم العياشي عن الصادق عليه السلام كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال ابن أمية
وكذلك يقول ابن تيمية وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَدِينَةِ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ كَمَا كَانَ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، بَلْ كَانَ هَذَا الِاسْتِخْلَافُ أَضْعَفَ مِنَ اَلِاسْتِخْلَافَاتِ الْمُعْتَادَةِ مِنْهُ
وهذا تهريج واضح اذ كثرة المؤمنين في المدينة يولد الاطمئنان بالامان فبالامكان لاي شخص ان يستخلف في هذه المهمة الخالية من الخطر بينما لو خليت المدينة من المؤمنين اتسعت دائرة الخطر وحفت المخاطر بها واصبحت سهلة المنال للاعداء فيتحتم على قائد الامة وسيدها ان يستخلف من هو اهلاً لهذه المهمة وجديراً بهذا التكليف كما حدث في غزوة تبوك
وهذا يدل على تحلي امير المؤمنين عليه السلام بالمنزلة الرفيعة الموصوفة بهارون من موسى فمثالا يوم خيبر حينما راى ان هذه المهمة الصعبة لايقدر عليها الا علي عليه السلام وان الخطر يكمن في ساحة المعركة وامام خيبر دعاه لهذا التكليف العظيم وكان الفتح والنصر على يده المباركة وحينما انتقل الخطر الى المدينة كلفه بالاستخلاف عليها
اما قوله سلام الله عليه اتخلفني مع النساء والصبيان فلم يكن لان الاستخلاف لا يليق به او انه منقصة لشخصه سلام الله عليه بل كان ليبين مكانته ومنزلته السامية وفضله وردكلام المنافقين الذين ارادوا انيجعلوا هذه مثلبة له عليه السلام وكذلك كان هذا القول قبل خروج رسول الله في الغزوة وبكائه وخروجه خلف رسول الله صلى الله عليه واله والتقاؤه به كان بعد خروج رسول الله وإنّما خرج وراءه لما سمعه من المنافقين ، لا لانّ هذا الاستخلاف كان ضعيفاً وغير لائقاً به فكلام ابن تيمية هوافتراء واضح على امير المؤمنين علي عليه السلام .
