مسؤولية الوالدين في تربية الطفل ـ الوفاء بالعهد
قال الله تعالى في كتابه الحكيم : ( وأوفوا بالعَهد * إن العهدَ كان مسؤولا ) (1) :
الوفاء بالعهد من الصفات الحميدة التي تملك جذوراً فطرية في بناء الانسان. إن الطفل من حين إدراكه معنى العهد والميثاق ، يدرك لزوم الوفاء به أيضاً بفطرته. وعلى المربي القدير أن يستغل هذا الالهام الطبيعي عند الطفل ، وينمّي فيه هذه الموهبة الفطرية بحيث يجد في الوفاء بالعهد ـ من أولى أدوار طفولته ـ جزءً من سلوكه ، ويجد في خلاف ذلك عملاً قبيحاً :
لقد اعتبر الوفاء بالعهد من علائم الإيمان في تعاليم الإسلام ، وعليه فإن ركائز ذلك يجب أن تُصبّ من أولى أدوار الطفولة. وسيدور بحثنا في هذه المحاضرة حول هذا الموضوع ، ذاكرين الأحاديث التي تتصل بالبحث في الأثناء ، ولكن لما كانت تنشئة الطفل على الأخلاق الفاضلة والوفاء بالعهد تقع في الدرجة الأولى على عاتق القائمين بتربيته ، فإن من الضروري أن نمهّد للموضوع بمقدّمة عن مسؤولية الوالدين في هذا المجال.
ضمان معيشة الأطفال : كلنا نعلم أن الأطفال تجب نفقتهم على آبائهم ، فعلى الأب القادر أن يضمن لأطفاله ما يحتاجون إليه من غذاء ولباس ومسكن ، وأن يهيىء لهم وسائل العيش
____________
( 1 ) سورة الاسراء : 34.
===============
( 6 )
المناسب. لقد احتلت إدارة معيشة الأطفال والحفاظ على سمعتهم وشخصيتهم منزلة سامية من اهتمام الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله الى درجة أنه ورد في الحديث. أن رجلاً من الأنصار توفّي ، وخلّف أطفالاً صغاراً ، وكان قد صرف ما يملكه من أموال قبيل موته بقصد العبادة وجلب رضى الله مما أدى بأطفاله إلى أن يمدّوا يد العوز والحاجة يوم وفاته ، وعندما بلغ هذا النبأ إلى النبي (صلى الله عليه واله وسلم)... « قال لقومه : ما صنعتم به ؟ قالوا : دَفَنّاه. فقال أما إني لو علمته ما تركتكم تدفنونه مع أهل الإسلام ، تَركَ وُلده يتكفّفون الناس » (1).
لا تنحصر مسؤولية الآباء في إدارة المعيشة المادية للأطفال ، بل إن عليهم أن يقوموا بتربيتهم تربية إيمانية صالحة ، فإن تأديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الإهتمام باحتياجاتهم الجسدية. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : « ما نَحَل والد ولداً نحلا أفضل من أدب حسن » (2). وعنه (عليه السلام) : « لا ميراث كالادب » (3).
[I]وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) : « وأما حق ولدك فإن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ، وأنك مسؤول عما ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عزّ وجل ، والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه ، معاقَب على الإساءة إليه » (4).
تربية الطفل فريضة دينية : [IMG]file:///C:/Users/ALI%7E1/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.gif[/IMG]ليست تربية الأطفال تربية صحيحة واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب ، بل إنها فريضة روحية مقدسة ، وواجب شرعي لا يمكن الإفلات منه. لقد وجدنا في هذا
____________
( 1 ) قرب الاسناد ص 31.
( 2 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|625.
( 3 ) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 831 ـ ط. ايران.
( 4 ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 232.
===============
( 7 )
الحديث أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرّح بمسؤولية الأبوين في تربية الطفل ، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى ، وأن التقصير في ذلك يعرّض الأباء إلى العقاب.
[يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : « وتجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته ، وتحسين اسمه ، والمبالغة في تأديبه » (1). من هذا يفهم أن تأديب الولد حق واجب في عاتق أبيه.
[وموقف رائع يبيّن فيه الإمام زين العابدين (عليه السلام) أهمية تأديب الأولاد ، استمداده من الله عز وجلّ في قيامه بذلك : « وأعني على تربيتهم وتأديبهم وبرهم » (2).
[ما أكثر الأمهات اللائي يعودن أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر ، فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم.
[وما أكثر الاباء المجرمين الذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ، ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث ، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم النافذة ، وبذلك ينشأ الأطفال نشأة فاسدة... كما أن بعضهم يحملونهم على الإجرام بجسارة شديدة.
الأب الخائن :]قبل حوالي خمسة عشر عاماً ، وفي وقت متأخر من الليل كنت واقفاً في موقف الباص منتظراً مجيء السيارة ، وكان هناك عدة من الأشخاص واقفين في الموقف أيضاً. كان من بين الواقفين رجل أمسك بيده يد طفل لا يتجاوز السادسة
____________
( 1 ) تحف العقول ص 322.
( 2 ) الصحيفة السجادية ـ دعاؤه لولده.
===============
( 8 )
من عمره. كان الطفل في حالة غير اعتيادية ، وأخيراً جلس على جانب الشارع واستفرغ ، فسأل أحد الواقفين أباه ما هو المرض الذي اصيب به ابنك ؟ فأجاب : إنه ليس مريضاً لقد اصطحبته الليلة الى جلسة عند بعض الأصدقاء وهناك ناولته خمراً ! أي خيانة أعظم من أن يأخذ أب ابنه الذي لا يتجاوز السادسة من عمره الى مجلس للشراب ، ويناوله خمراً فيجر عليه وسائل الشقاء ؟ ! ألا يجب أن يعاقب هذا الأب ؟! ألا يحق لهذا الطفل أن يلعن أباه المجرم ؟!
[قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : « يا علي ، لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما » (1).
[إن الآباء والأمهات المؤمنين والملتزمين بالتعاليم السماوية قادرون على أن يربّوا أطفالهم تربية لائقة وصحيحة ، وأن يبذروا فيهم بذور الإيمان والإطمئنان إلى رحمة الله الواسعة.
[« ليس عمل الأم كالرسم حيث يظهر مظاهر الجمال واللطافة على اللوحة ، ولا يشبه النحت الذي يخرج من قطعة من الرخام تمثالا. إنها ليست كالكاتب الذي يصب أفكاره المنزهة في قالب من الألفاظ ، بل أنها موظفة على أن تظهر ـ بمعونة من الله ـ صورة من القدرة الإلهية في الروح الإنسانية ». [« إن عبارة ( بمعونة من الله ) في النص المتقدم مهمة جدا ً ، فإن الأم حين تحس بالعجز تشعر في الغالب بأنها في حاجة إلى الاستناد إلى قوة أعلى وأقدر من طاقتها الفردية ». « لقد جعل ـ كوموله سو ـ بحثه في كتابه يدور حول أمٍ تحمل بين جوانحها كثيراً من الواقعية. هذا الأستاذ القدير في التربية عندما كان يعد تقريراً لإلقاءه في المؤتمر الرابع لشؤون الزواج إلتقى بإمرأة استطاعة بعد موت زوجها أن تربي أطفالها العشرة بموفقية تامة ». |
____________
( 1 ) وسائل الشيعة للحر العاملي ج 5|115.
===============
( 9 )
[تدور بين الأستاذ والمرأة عدة أسئلة وأجوبة. والمرأة تتحدث في اجوبتها عن الله والدعاء والإيمان ، وتجد ان نجاحها في تربية أطفالها بصورة صحيحة يستند إلى ثرواتها الإيمانية والمعنوية وفي الختام يسأل الأستاذ :
« فماذا فعلت لأطفالك » ؟ « لم أفعل شيئاً آخر... لقد عملت على اعتقاداتي النفسية ، وعمل الله عليها... ». « بهذه الصورة سلكت هذه المرأة طريق تكاملها في ظل قوة الإيمان والعقيدة ، في حين أنه كان يساير هذا الموجود السالك نحو التعالي والتقدم ، شخصية مربٍ فقير ، مزوّد بالقوى والقابليات اللازمة للقيام بعبء مهمة خطيرة ». « لقد استطاعت هذه المرأة بسلوكها الممتاز أن ترقى إلى درجة الأشخاص الذين يعملون لإظهار صورة من القدرة الإلهية في الروح الإنسانية بمعونة الله » (1) . |
[في العصر الحديث... العصر الذي يوجه اكثر الناس اهتماهم فيه الى الشؤون المادية ، تعتبر تنمية المواهب الروحية التي هي أساس الفضيلة ورصيد السعادة الحقيقية ذات أهمية بالغة في نظر العلماء والمحققين ، انهم ينظرون الى مثل هذه الأمور نظرة التكريم والتقدير.
[تنمية الإيمان : [يجب على الآباء والأمهات أن ينتبهوا الى مسؤوليتهم الشرعية ، ويهتموا بتنمية بذور الإيمان والأخلاق في نفوس أطفالهم. في الوقت الذي يضمنون لهم سلامة الجسم وقوة العقل وطلب العلم ، عليهم أن يجعلوا منهم افراداً مؤمنين مخلصين ومستقيمين في سلوكهم... وإن القيام بهذا الواجب المقدس لا يكون إلا في ظل استقامة الوالدين والمربي. إن تربية الطفل من المسائل الدينية والعلمية
____________
( 1 ) ما وفرزندان ما ص 18.
===============
( 10 )
المهمة ، وعلى الوالدين أن يستوعبا واجباتهما في تربيته ويطبقاها في مقام العمل حتى يصلا الى المستوى اللائق الذي يجلب الخير له ولهما.
[يجب أن تخضع مسموعات الطفل ومبصراته التي ترد الى مخه عن طريق العين والأذان لرقابة مضبوطة. إن كلمة بذئية ، أو منظراً شاذاً يكفي لأن ينحرف بالطفل عن الصراط المستقيم ويلوّث أذياله إلى الأبد.
[« إن تقنية تعليم الأخلاق والعقائد تختلف كثيراً عن التعليم الفكري،ذلك إن معرفة الخير والشر ، والقدرة على تملك زمام النفس ، وحب الجمال ، والإيمان بالله يختلف كثيراً عن تعلّم اللغات أو التأريخ أو الحساب. هذا التعليم التطبيقي لأصول الحياة لا يمكن أن يحصل إلا في محيط تربوي خاص. كيف يمكن أيجاد محيط كهذا ؟ إن هذا الأمر عسير جداً بالنسبة إلى الإنحطاط الخلقي الذي نعيشه في عصرنا ». « إن انسجام البيئة الاجتماعية مع أساسيات التعليم والتربية يستلزم في المرحلة الأولى القيام بعملية تصفية واسعة النطاق ، بحيث تعد الرقابة على الأفلام والاذاعة ، وغلق كثير من محلات الرقص وشرب الخمر ، والتغيير الجذري في عالم المطبوعات التي توضع تحت متناول الاطفال والشبان جزءً من تلك العملية ». « إن المعلمين والآباء والأمهات يحسنون الظن في الغالب ولكنهم ـ لجهلهم ـ يخطئون في الغالب. يجب أن يتعرف آباء المستقبل وأمهاته من جهة ، ومعلمو الغد من جهة اخرى ، من الآن على الأسلوب التربوي الصحي للطفل. إن تربية الأغنام والدواجن أسهل من تربية الأطفال بكثير ، ومع ذلك فان الذي يريد أن يتخصص في تربية الدواجن لا بد أن يقضي فترة من الزمن في القرية أو المعهد الزراعي ، ولا يوجد فرد عاقل يعد نفسه لهذا العمل بواسطة مطالعة المجلات أو قراءة كتاب في الحساب أو الفلسفة... ومع هذا فإننا نرى أن هذا العمل الجنوني ترتكبه الفتيات الشابات ـ أي أمهات. المستقبل ـ وفي الحين الذي يجهلن |
===============
( 11 )
كل شيء خارج المنهج الدراسي يقدمن على الحياة الزوجية ». « إن البناء الجسمي والروحي للمرأة والرجل ليس متماثلا وإن إتخاذ أسلوب تربوي واحد للأولاد والفتيات نظرية قديمة تافهة ، وهي من مخلفات الفترة غير العلمية التي سبقت تاريخ البشرية » (1) . |
[لقد كان غرضنا من هذه المقدمة الموجزة أن نجلب انتباه الآباء والأمهات الى مسؤوليتهم الخطيرة في تربية الأطفال. وأملنا وطيد في ان يعمل الآباء بواجباتهم ويستمدوا العون من الله العلي القدير في القيام بتربية أطفالهم تربية صحيحة ، فيجعلوا منهم أفراداً صالحين وأعضاء نافعين للمجتمع.
نقض العهد : []إن جميع أفراد البشر من أي أمة كانوا ، وإلى أي عنصر انتموا يدركون بصورة فطرية ضرورة الوفاء بالعهد وقبح نقض العهد. كل فرد يدرك أنه إذا تعاهد مع شخص آخر فهو ملزم بأن يفي به ، فلو تخلف عنه كان قد ارتكب خطأ ، ويحس في ضميره الباطن بالخجل والندم. وكذلك إذا كان قد تعاهد معه شخص فإنه ينتظر بصورة طبيعية أن يفي له بالوعد ، فلو تخلف عن ذلك فإنه يحس بأن ذلك الشخص قد ارتكب فعلا قبيحاً.
إن الطفل يدر بفطرته الطبيعية لزوم الوفاء بالعهد في الوقت الذي لا يدرك المائل العلميه والعقلية. وعندما يعده أبوه بأن يجلب له عند عودته إلى البيت شيئاً من وسائل اللعب فإنه يتوقع بصورة طبيعية أن يفي أبوه بوعده ويطمئن الى هذا التوقع الفطري. فما دام الأب لم يعد ، يمني نفسه باللُعبة ، وعندما يسمع الجرس يرن ويدخل الأب يتقدم لتناول لعبته ، وينظر إلى يد أبيه ، فإن لم يكن الأب قد وفى بوعده يتأذى الطفل ، ويحس بأن حادثة على خلاف ما كان يتوقع قد وقعت... إن هذا العمل يعتبر سيئاً عند بقية الأطفال أيضاً.
____________
( 1 ) راه ورسم زندكى ، تأليف : الكسيس كارل ص 164.
===============
( 12 )
[]لقد جاء الأنبياء ورسل السماء يؤكدون طوال القرون المتمادية حسن الوفاء بالعهد وقبح نقض الميثاق ، وأخذوا يربون البشر على هذا الإدراك الفطري ، ويغرسون بذور هذه السجية الفاضلة في نفوس الناس ، فهذا العمل موافق للوجدان الأخلاقي الفطري من ناحية ، ومنسجم مع الوجدان الأخلاقي التربوي من ناحية اخرى.
[الوفاء بالعهد واجب : ]لقد اعبتر الوفاء بالعهد بالعهد واجباً شرعياً في الإسلام على جميع المسلمين في مختلف الأمور الفردية والإجتماعية ، وقد جاءت نصوص كثيرة تؤكد على هذا الموضوع ، واليكم بعضاً منها : ـ
[1 ـ قال تعالى : ( وأوفوا بالعهد * إن العهد كان مسؤولا ) (1) .
[2 ـ وقال أيضاً : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) (2) .
[3ـ « عن موسى بن جعفر عن آبائه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا دين لمن لا عهد له » (3) .
[4 « سمعت أبا عبد الله يقول : « عِدَة المؤمن أخاه نذرٌ لا كفّارة له » (4).
[]5 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد » (5).
[6ـ وقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : « أقربكم مني غداً في الموقف أصدقكم في
____________
( 1 ) سورة المؤمنون : 8.
( 2 ) سورة الأسراء : 34.
( 3 ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 16|144.
( 4 ) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج 2|363.
( 5 ) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج 2|364.
===============
( 13 )
الحديث ، وأدآكم للأمان ، وأوفاكم بالعهد ، وأحسنكم خلقاً ، وأقربكم من الناس » (1).
[7 وفي الحديث : « يجب على المؤمن الوفاء بالمواعيد والصدق فيها » (2).
[8 ـ قال علي (عليه السلام) : « وفاءٌ بالذّمم زينة الكرم » (3).
[ولأجل أن لا يلوّث المسلم نفسه بذميمة نقض العهد عليه أن يقيس قدرته على الوفاء عندما يلتزم بشيء ، فإن وجد نفسه عاجزاً عن القيام بعبء ما ، عليه أن لا يتعهد به حتى لا يضطر الى التخلف عنه. وبهذا الصدد يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لا تعد ما تعجز عن الوفاء. لا تضمن ما لا تقدر على الوفاء به » (4).
[الحقوق الإسلامية والحقوق البشرية : [توجد في الإسلام مجموعة من القوانين والأنظمة التي تخص الأمة الإسلامية ، فالمسلمون في العالم مكلفون بها وعليهم أن يطبقوها في العلاقات التي تقوم بينهم. لقد روعيت الحدود والحقوق العادلة بالنسبة الى جميع الناس في تلك القوانين ، بحيث يأمن المجتمع بتطبيقها جميع المشاكل والمآسي الناشئة من تجاوز البعض على حقوق الآخرين. هذه القوانين يمكن تسميتها بالحقوق الإسلامية.
]في قبال هذه القوانين توجد مجموعة أخرى من الأحكام لا تخص المسلمين بل انها تمتاز بكونها عامة وشاملة ، وعلى المسلمين أن يطبقوها حتى في العلاقات التي تقوم بينهم وبين بقية الأفراد الذين ينتمون الى مذاهب وأديان أخرى. هذه الطائفة من الأحكام يمكن تسميتها بالحقوق البشرية (5) ، ومن جملتها قانون لزوم الوفاء
____________
( 1 ) تاريخ اليعقوبي ج 2|60.
( 2 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|85.
( 3 ) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 780.
( 4 ) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 801.
( 5 ) يصطلح على الأحكام الإسلامية التي تنظم سلوك المسلمين تجاه غيرهم في المعاملات والمنازعات التي تقوم بينهم ، باسم أحكام الذميين والمستأمنين. ولو نقلنا هذا التعبير الى المصطلح =
===============
( 14 )
بالعهد. فالمسلمون ليسوا مكلفين باحترام العهود والمواثيق فيما بينهم فقط ، بل عليهم أن يراعوا مواثيقهم تجاه غير المسلمين من أي أمة كانوا ، عليهم أن لا يتسامحوا في ذلك قيد شعرة ولا يتماهلوا في أدائها أبداً.
[قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : « ثلاثة ليس لأحد فيهن رخصة : الوفاء لمسلم كان أو كافر ، وبر الوالدين مسلمين كانا أو كافرين ، وأداء الأمانة لمسلم كان أو كافر » (1).
[وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة : أداء الأمانة الى البر والفاجر ، والوفاء بالعهد للبر والفاجر ، وبر الوالدين برَّين كانا أو فاجرين » (2) .
[]العهد مع العدو : [في العهد الذي بعث به الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الى واليه على مصر ـ مالك الأشتر ـ : « وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة ، أو البسته منك ذمَّة ، فَحُط عهدك بالوفاء ، وارعَ ذمتك بالأمانة » ويعلل ذلك بقوله (عليه السلام) : « فانه ليس من فرائض الله شيء ، الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم ، من تعظيم الوفاء بالعهود » (3).
[إن الإنسان يحب نفسه وما يعود عليه بالنفع قبل كل شيء ، وبما أن الوقوف عند العهد والالتزام به قد يتصادم مع المصالح الشخصية والميول النفسية ، فإنه يرغب في الخروج على ذلك والفرار من عبء الميثاق. وبالرغم من أن الأفراد يدركون بفطرتهم ضرورة الوفاء بالعهد ويتحدثون عن قيمة ذلك وأهميته ، لكنهم في
____________
القانوني لوجدنا اصطلاح ( القانون الدولي الخاص ) منطبقا على هذه المجموعة من الأحكام. وفي قبال ذلك ( القانون الدولي العام ) الذي ينظم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى.
( 1 ) مجموعة ورام ج2|121.
( 2 ) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج2|162.
( 3 ) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ج3|117.
تعليق