بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى اهمية تحديد وضائف الادلة ومجرى عملها مما يستدعي تحديد مناطات وملاكات كل واحدة منها ومن اهم هذه القواعد والادلة هي : اصالة البراءة واصالة الاباحة وهنا نحاول ان نجمل ونبين الفروق بين هذه الاصالات الثلاثة اعتمادا على ما استفدناه من بعض اساتذتنا ( حفظهم الله )في محضر الدرس :الفرق بين اصالة البراءة واصالة الاباحة :
- اصالة الاباحة تقابل الحرمة بينما اصالة البراءة تقابل الوجوب . فتارة نشك في حرمة شئ فيكون موردا لمجرى اصالة الاباحة وتارة نشك في وجوب شئفيكون موردا لاصالة البراءة .
- اصالة الاباحة مدركة بالعقل اما اصالة البراءة مدركة بالشرع على التحقيق .
- الحكم الناتج من اصالة الاباحة هو حكم واقعي اما الحكم الصادر من اصالة البراءة هو حكم ظاهري .
- اصالة الاباحة ناظرة الى الحكم بينما اصالة البراءة ناظرة الى العقوبة ، بمعنى ان الحكم غير موجود اصلا فاذا اجرينا اصالة الاباحة صارت هي الحكم الواقعي بينما في اصالة البراءة فقد يكون الحكم موجودا لكن لا يعاقب عليه المكلف لانه موردا لاصالة البراءة .
- اصالة الاباحة موردها الشبهات الحكمية فقط بينما اصالة البراءة اعم موردا فهي تجري في الشبهات الحكمية والموضوعية .
وهنا لاباس ببيان الفروق بحسب المعجم الاصولي :
أصالة الإباحة
اضطربت الكلمات في تحديد ما هو المراد من أصالة الإباحة والتي هي في مقابل أصالة الحظر.
ويمكن تصنيف الأقوال المحدّدة لهوية هذا الأصل إلى ثلاثة أقوال:
الأوّل: هو حكم العقل بإباحة كل فعل وقع الشكّ في حكمه الواقعي، هذا بناء على القول بأصالة الاباحة وأما بناء على القول بأصالة الحظر فالمقصود من أصالة الحظر هو حكم العقل بلزوم الامتناع عن كل فعل وقع الشك في حكمه الواقعي.
وكل ذلك معلَّق على عدم ورود ما يُنافي الأصل من قبل الشارع، فلو كنا نبني على أصالة الإباحة فهذا يعني انَّ الحكم بالإباحة ثابت للأشياء إذا لم يرد من الشارع منع، وبهذا تكون أصالة الاباحة وكذلك اصالة الحظر من الأحكام العقليّة الظاهرية المتقومة بالجهل بالحكم الواقعي، ومن هنا تكون مساوقة لاصالة البراءة العقليَّة وكذلك تكون أصالة الحظر مساوقة لاصالة الاشتغال أو الاحتياط العقلي، نعم قد يفترق الأصلان عن البراءة والإشتغال العقليين فيما لو بنينا على ان موضوع أصالة الإباحة والحظر مختص بالشبهات التحريمية - كما هو ليس ببعيد - وبهذا تكون أصالة البراءة والاشتغال أعم من أصالتي الحظر والإباحة.
وبما بيّناه يتّضح عدم الطولية بين أصالتي الاباحة والحظر وبين أصالتي البراءة والاشتغال العقليين بناء على هذا القول والذي هو منسوب لصاحب الفصول (رحمه الله).
الثاني: هو حكم العقل بإباحة الافعال والاشياء أو المنع عنها بغض النظر عن حكم الشارع، فالقول بأصالة الاباحة معناه حكم العقل بحلية الافعال وعدم استحقاق المكلف للعقاب عند ارتكابها مالم يمنع الشارع عن ارتكابها.
وبناء على هذا القول تكون اصالة البراءة مغايرة تماماً لاصالة الإباحة وكذلك تكون أصالة الاشتغال العقلي مغايرة تماماً لاصالة الحظر، وذلك لان أصالتي البراءة والإشتغال متأخرة عن الحكم الشرعي، إذ انَّ موضوعهما الشك في الحكم الشرعي الواقعي في حين ان اصالتي الإباحة والحظر انما تجريان - بناء على هذا القول - في ظرف عدم الحكم الشرعي حيث قلنا انَّ أصالة الإباحة تعني حكم العقل بإباحة الافعال إلا اذا منع الشارع أي إلا اذا كان هناك منع واقعي عن الفعل معلوم أو مشكوك.
ومن هنا يتضح الفرق بين مجرى الاصلين أصالة البراءة وأصالة الإباحة، فحينما يكون المكلف قاطعاً بعدم المنع الشرعي فالمجرى هو أصالة الاباحة وحينما يكون المكلف شاكاً في الحكم الشرعي فالمجرى هو أصالة البراءة.
ثم انه لا يخفى عليكم انَّ البناء على أصالة الإباحة لا يلازم البناء على أصالة البراءة العقلية فمن الممكن ان نبني على أصالة الإباحة وفي نفس الوقت نبني على أصاله الاشتغال العقلي وذلك لاختلاف موضوعيهما، وكذلك البناء على أصالة الحظر لا يلازم البناء على أصالة الاشتغال كما هو واضح.
الثالث: هو انَّ موضوع أصالة الاباحة وكذلك الحظر هو الافعال والأشياء بما هي، أي انَّ البحث عمَّا هو الحق في حكم الاشياء هل الإباحة أو الحظر بحث عن حكم هذه الاشياء واقعاً، فتكون أصالة الاباحة - لو تمت - من الادلة الاجتهادية الكاشفة عن حكم الاشياء واقعاً، أي انَّ وظيفتها هي الكشف عن الحكم الشرعي الواقعي للاشياء بعناوينها الأوليَّة.
إتصال زمان الشك بزمان اليقين …
وبهذا تفترق عن أصالة البراءة والتي تكون وظيفتها تحديد الحكم الظاهري وهذا يقتضي افتراض الشك في الحكم الواقعي في رتبة متقدمة على جريان البراءة.
ومن هنا قد يقال بعدم وصول النوبة لاصالة البراءة وذلك لكونها دليلا فقاهتياً (أصلا عملي) وهو لا يجري في موارد قيام الدليل الاجتهادي، إلاّ انَّ المحقق النائيني (رحمه الله) ذكر انه تبقى بعض الحالات يمكن جريان أصالة البراءة في موردها وذلك فيما لو اتفق امتناع التمسك بأصالة الإباحة في مورد من الموارد لمانع فإن الجاري حينئذ هو أصالة البراءة.
ثم انَّ المستظهر من عبائر المحقق النائيني هو تبني القول الثالث إلاّ انَّه ذكر انَّ موضوع أصالة الإباحة والحظر مختص بالانتفاع المتعلق بالموضوع الخارجي.
وهذا بخلاف أصالة البراءة والاشتغال فإن موضوعهما هو مطلق الفعل الصادر عن المكلَّف سواء كان له ارتباط بالاعيان الخارجية من حيث انتفاع المكلَّف أو لم يكن.
وبهذا يتضح انّ موضوع أصالة الاباحة وكذلك الحظر - بناء على هذا القول - مشتمل على حيثيتين الاولى: هي الاعيان الخارجية، الثانية ان يكون نحو إرتباط المكلَّف بها هو الانتفاع المناسب لكل واحد من تلك الاعيان.
ومن هنا كان موضوع أصالة البراءة والاشتغال أوسع دائرة من موضوع أصالتي الاباحة والحظر بالإضافة إلى تباين موضوعيهما.
