قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارً﴾ [يس 80] استبعد المشركون فكرة البعث لأن الشيء لا يتولد منه ما هو ضد له كما يعتقدون، فأقام سبحانه الدليل عليهم بالشجر الأخضر الممتلئ بالماء المضاد للنار علمًا بأن هذه تتولد من ذاك.
كما ذكر الطبرسي في مجمع البيان بأن معناه أنه جعل لكم من الشجر الرطب المطفىء للنار نارا محرقة يعني بذلك المرخ والعفار وهما شجرتان يتخذ الأعراب زنودها منهما فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة حتى إذا احتاج الإنسان حك بعضه ببعض فتخرج منه النار وينقدح قدر أيضا على الإعادة وتقول العرب : ( (في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار))
وقال الكلبي كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب.
كما ذكر في تفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية :
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} . هذا المثال تتضح منه فكرة البعث ، وبيان ذلك ان المنكرين استبعدوا إحياء الموتى لا لشيء إلا ظنا منهم ان الأشياء لا يمكن أن تتحول إلى أضدادها . فأجابهم سبحانه بأن هذا الظن وهم وخيال ، لأن هذا التحول واقع بالفعل ، ومحسوس ترونه أنتم صباحا ومساء ، ولكن لا تنتبهون إليه . . فالشجر الأخضر الريان يتحول إلى نار محرقة ، والأرض الهامدة تحيا وتهتز بأنواع النبات والأشجار إذا نزل عليها الماء . .
فكيف تنكرون إحياء العظام البالية ، وتقرون بإحياء الأرض الهامدة وتحوّل الأشجار إلى نار مع أن الجميع من باب واحد ، وهو انقلاب الشيء من حقيقة إلى ضدها ؟
-وهناك تفاسير كثيرة لهذه الآية منها في قوله تعالى : {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الاْخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}
تتابع هذه الآية البحوث المختلفة حول المعاد والإشارات العميقة المعنى حول مسألة إمكان المعاد ورفع أي إستبعاد لذلك ، والآية أعلاه شرح أوسع وأوضح حول هذه المسألة ، تقول : {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} ويا له من تعبير رائع ذلك الذي كلّما دقّقنا فيه أفاض علينا معاني أعمق وأدقّ ؟!
وكما نعلم فإنّ الآيات القرآنية لها معان متعدّدة من أبعاد مختلفة ـ فبعض معانيها واضح للغالبية من الناس في كلّ زمان ومكان ، وبعضها عميق يختّص بفهمه البعض ، وأخيراً فإنّ بعضها الآخر يتمثّل فيه العمق الذي لا يستطيع سبر غوره إلاّ الخواص من العبّاد ، وفي نفس الوقت فإنّ تلك المعاني لا تنافي بعضها البعض ، بل إنّها تجمع كلّها في قالب واحد وفي آن واحد . والآية مورد البحث هكذا تماماً .
-التّفسير الأوّل الذي قال به الكثير من المفسّرين القدماء . وهو بسيط وواضح يمكن فهمه وإستيعابه من قبل الغالبية وهو : أنّ المراد هو شجر «المرخ والعفار» الذي كان العرب قديماً يأخذون منهما على خضرتهما ، فيجعل العفار زنداً أسفل ويجعل المرخ زنداً أعلى ، فيسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن الله . وفي الواقع فهو يمثّل الكبريت في عصرنا الحالي . والله سبحانه وتعالى يريد القول بأنّ الذي يستطيع إشعال النار من هذا الشجر الأخضر له القدرة على إلباس الموتى لباس الحياة .
فالماء والنار شيئان متضادّان ، فمن يستطيع جعلهما معاً في مكان واحد ، قادر على جعل الحياة والموت معاً في مكان واحد . فالذي يخلق (النار) في قلب (الماء) و (الماء) في قلب (النار) فمن المسلّم أنّ إحياء بدن الإنسان الميّت لا يشكّل بالنسبة له أدنى صعوبة.
-وإذا خطونا خطوة أبعد من هذا التّفسير فسوف نصل إلى تفسير أدقّ وهو : أنّ خاصيّة توليد النار بواسطة خشب الأشجار ، لا تنحصر بخشب شجرتي «المرخ والعفار» بل إنّ هذه الخاصية موجودة في جميع الأشجار وجميع الأجسام الموجودة في هذا العالم وإن كان لشجرتي المرخ والعفار ـ لتوفّر خصائص فيها ـ إستعداد أكثر من غيرهما على هذا الأمر .
-خلاصة القول إنّ جميع خشب الأشجار إذا حُكّ ببعضه بشكل متواصل فإنّه سيطلق شرر النار وحتّى (خشب الشجر الأخضر) .
لهذا السبب تقع في بعض الأحيان حرائق هائلة في بعض الغابات المليئة بالأشجار ، لا يعرف لها سبب من قبل الإنسان ، إلاّ أنّ هبوب الريح الشديدة التي تضرب أغصان الأشجار ببعضها بشدّة ممّا يؤدّي إلى إنقداح شرر منها يؤدّي إلى إشتعال النار فيها ، وتساعد الريح الشديدة على سرعة إنتشارها ، فالعامل الأصلي كان تلك الشرارة الناتجة عن الإحتكاك .
-هذا التّفسير الأوسع ، هو الذي يوضّح عملية جمع الأضداد في الخلق . ويبسط مفهوم وجود (البقاء) في (الفناء) وبالعكس .
-لكن ثمّة تفسير ثالث يعتبر أعمق بكثير من التّفسيرين السابقين . والذي ظهر إلى الواقع نتيجة جهود العلماء في عصرنا الحاضر وقد اخترنا أن نطلق عليه تسمية «إنبعاث الطاقة» .
وتوضيح ذلك كما يلي :
إنّ من أهمّ الوظائف التي تقوم بها النباتات هي عملية «التركيب الضوئي» والتي تعتمد أساساً على أخذ غاز «ثاني اُوكسيد الكربون» من الهواء ، والإفادة منه بواسطة «المادّة الخضراء» أو ما يسمّى «بالكلورفيل» لصنع الغذاء بمساعدة الماء وضوء الشمس . ذلك الغذاء الذي يؤدّي إلى تكوّن حلقات السليلوز في النباتات من ذوات الفلقتين ، ويكون ناتج عملية التركيب الضوئي الأوكسجين الذي يطلق في الهواء مرّة اُخرى .
ولو نظرنا إلى العملية بطريقة اُخرى فإنّ النباتات تأخذ الغاز (ثاني أوكسيد الكاربون) وتجزّئه أثناء عملها لتحتفظ بالكاربون مركّباً مع غيره من الماء لتكوّن الخشب وتطلق الأوكسجين .
والمهمّ هنا أنّ العلماء يقولون :
بأنّ أيّة عملية تركيب كيمياوي تحتاج إلى طاقة ما لكي يتمّ ذلك التفاعل الكيمياوي ، أو أنّ ذلك التفاعل يؤدّي إلى إطلاق طاقة كناتج عنه . وبناءً عليه فإنّ التفاعل الذي يتمّ نتيجة التركيب الضوئي إنّما يستفيد من الشمس كمصدر للطاقة لإتمام التفاعل .
وعليه فالشجرة إنّما تقوم بإدّخار هذه الطاقة في الخشب الذي يتكوّن نتيجة لهذه العملية . وعندما نقوم نحن بحرق هذا الخشب فإنّنا إنّما نقوم بإطلاق عقال هذه الطاقة المدّخرة . وبذا فإنّنا نقوم بإعادة تركيب (الكاربون) مع (الأوكسجين) لينتج (ثاني أوكسيد الكاربون) الذي ينطلق في الهواء مرّة اُخرى ، بالإضافة إلى بخار الماء .
ولو تحدّثنا بلغة اُخرى لقلنا : إنّ تلك الحرارة الناجمة عن إشتعال الحطب في المواقد البيتية القروية أو مواقد الفحم التي نستعملها في بيوتنا أحياناً للتدفئة في فصل الشتاء ، هي في الحقيقة حرارة ونور الشمس التي ادّخرت في خشب هذه الأشجار لسنوات ، وما جمعته الشجرة على مدى عمرها من الشمس تعيده دفعةً واحدة بدون نقص .
ويقال إنّ كلّ الطاقات في الكرة الأرضية تعود إلى الشمس أساساً ، وواحد من مظاهره ما ذكرنا .
وهنا وحيث بلغنا «إنبعاث الطاقات» نلاحظ أنّ النور والحرارة المبعثرة في الجو والتي تقوم الأشجار بجمعها في أخشابها لتنمو فإنّها لا تفنى أبداً . بل إنّها تتبدّل شكلا . وتختفي بعيداً عن أعيننا في كلّ ذرّة من ذرّات الخشب ، وعندما نقوم بإيقاد النار بقطعة من الحطب ، فإنّ إنبعاثها يبدأ ، وجميع ما كان في ذرّات الخشب من النور والحرارة وطاقة الشمس ، في تلك اللحظة ـ لحظة الحشر والنشر ـ تظهر من جديد . بدون أن ينقص منه حتّى بمقدار إضاءة شمعة واحدة (تأمّل بدقّة) .
لا شكّ أنّ هذا المعنى كان خافياً على عوام الناس حين نزول الآية ، ولكن ـ كما قلنا ـ فإنّ هذا الموضوع لا يشكّل أدنى مشكلة ، لأنّ آيات القرآن لها معان متعدّدة وعلى مستويات مختلفة ، لإستعدادات متفاوتة ، ففي يوم يفهم من الآية معنى ، واليوم يفهم منها معنى أوسع ، ويمكن أنّ الأجيال القادمة تفهم منها معنى أوسع وأعمق ، وفي نفس الوقت فكلّ هذه المعاني صحيحة ومقبولة بشكل كامل ومجموعة كلّها في معنى الآية .
تعليق