*معركة صِفِّين*
هي المعركة التي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي عليه السلام وجيشه من جهة وبين معاوية وجيشه الذي عُرف بـ القاسطين من جهة أخرى، وذلك في شهر صفر من السنة 37 للهجرة في منطقة صفين قرب مدينة الرقة السورية، ووصفت أنها من أعنف وأشرس المعارك في التاريخ الإسلامي حتى زاد عدد القتلى فيها على عشرات الآلاف وانتهت بعملية التحكيم في شهر رمضان سنة 38 للهجرة. وقد استشهد فيها عمار بن ياسر وخزيمة ذو الشهادتين، وهما من أنصار الإمام علي (ع).
*أسباب حدوث المعركة*
بدأت ملامح المعركة تلوح في الأفق بعد مقتل عثمان بن عفان ومبايعة أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة؛ حيث قرر الإمام عليه السلام عزل معاوية وتنصيب عبد الله بن عباس على ولاية الشام، وكتب في ذلك إلى معاوية قائلاً:
” إن الناس قد قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي وبايعوا لي عن مشورة منهم واجتماع فبايع وفد إليّ في أشراف أهل الشام.“
فرفض معاوية قرار أمير المؤمنين علي عليه السلام وطالب بتسليم قتلة عثمان لكي يقيم الحد عليهم.
*كتاب معاوية لأمير المؤمنين بالحرب*
قام معاوية بتأليب مستشاريه وأهل الشام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأنّه هو الذي قام بقتل عثمان بن عفان. وانتشر الخبر في الشام مثل النار في الهشيم، فحرّض الناس على قتال أمير المؤمنين علي عليه السلام وأخذ منهم البيعة على ذلك. فذهب معاوية إلى جرير بن عبد الله وأخبره بالعودة إلى الكوفة وإخبار أمير المؤمنين بالحرب. وكتب لأمير المؤمنين:
أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ولكنك أغريت بعثمان وخذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك عليّ كحجتك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك، ولا حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأنهم أطاعوك ولم يطعك أهل الشام. فأما شرفك في الإسلام وقرابتك من النبي (ص) وموضعك من قريش فلست أدفعه.
*أمير المؤمنين (ع) يستنفر الناس*
لما رجع جرير إلى علي عليه السلام حاملاً إليه كتاب معاوية بالحرب، ولما رأى أمير المؤمنين عليه السلام أن التحركات السياسية لم تمنع معاوية عن غيّه وأن الرجل لا تنفع معه إلا لغة القوة من جهة، وإصرار كبار الكوفيين على مواجهة معاوية من جهة أخرى، دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار وجمعهم وأخذ برأيهم في قتال عدوهم وعدو الإسلام، فصوبوا رأيه وناصروه على ذلك. وكذلك كتب أمير المؤمنين إلى عماله في بلاد المسلمين يستنفرهم للجهاد ضد العصاة الذين عطلوا الحدود وأماتوا الحق وأظهروا الفساد في الأرض.كذلك صعد أمير المؤمنين وولداه الحسن والحسين عليهم السلام على المنبر وخطبوا بالمسلمين ودعوهم إلى الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين الحق ضد الفئة الباغية. فقال أمير المؤمنين عليه السلام للناس:
«إن الله قد أكرمكم بدينه وخلقكم لعبادته فانصبوا أنفسكم في أداء حقه وتنجزوا موعوده واعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة وعراه وثيقة ثم جعل الطاعة حظ الأنفس برضا الرب وغنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة وقد حملت أمر أسودها وأحمرها. ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سَفِهَ نَفْسَهُ وتناول ما ليس له وما لا يدركه - معاوية وجنده الفئة الباغية الطاغية...».
فأجاب علياً عليه السلام إلى المسير جلّ الناس من المهاجرين والأنصار وأهل الكوفة، وخرج عليه السلام فعسكر بالنخيلة وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة، وقدم عليه عبد الله بن عباس فيمن معه من أهل البصرة.
*تجهيز معاوية جيشه*
وبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرواً فقال: "أما إذا سار علي فسر إليه بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك". فتجهز معاوية وتجهز الناس وحضهم عمرو وضعّف علياً وأصحابه. وكتب معاوية إلى أهل الشام وعقد لواء لعمرو ولواء لابنيه عبد الله ومحمد، ولواء لغلامه وردان، وعقد على لواء لغلامه قنبر.
*المسير إلى صفين*
فلما نزل علي عليه السلام النخيلة متوجهاً إلى الشام وبلغ معاوية خبره وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مخضباً بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله فخطبهم وحثهم على القتال، فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي عليه السلام.
وبعد ذلك بعث علي عليه السلام زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، وبعث مع شريح بن هانئ أربعة آلاف، وسار علي من النخيلة وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة، وولي علي عليه السلام على المدائن سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي، ووجه عليه السلام من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف. وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه الرقة. فلما وصل إلى الرقة قال لأهلها ليعملوا له جسراً يعبر عليه إلى الشام، فأبوا وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر وحذرهم من مغبة ما هم مقبلين عليه، فبعثوا إليه إنا ناصبون لكم جسراً فأقبلوا، وجاء علي عليه السلام فنصبوا له الجسر فعبر عليه بالأثقال والرجال. ثم أمر علي الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر ثم إنه عبر آخر الناس راجلاً.
فأكمل جيش أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى أن وصل إلى بلدة صفين والتقى بها مع جيش معاوية وأهل الشام.
*أحداث المعركة*
*بداية القتال*
التقى الجيشان في منطقة صفين التي تقع بالقرب من مدينة الرقة السورية فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام مالكاً الأشتر مؤكداً عليه أن لا يبدأهم بقتال، إلا أنّ الشاميين وبمجرد وصول الأشتر إلى المنطقة واجههوه بالحرب، واشتعلت المعركة بينهما مما اضطر الشاميين إلى التقهقر والتراجع أمامه.
قد يقال: كيف سمح أمير المؤمنين عليه السلام لنفسه مقاتلة المسلمين، وقد قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. فإذا قالوها حرمت دماؤهم وأعراضهم؟». هذا ما أجاب عنه عمار بن ياسر الذي كان من قادة المعركة وممن عرف حقيقة الأمور حيث قال لما سئل عن ذلك: «بلى ولكن والله ما أسلموا، ولكن استسلموا، وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا».
*القتال على الماء*
أخذت القوات المتحاربة مواقعها وبدأ الطرفان يفكران في اليوم التالي وكيفية إدارة المعركة. الشيء المهم والخطير الذي تمخض عن مشاورات معاوية مع أصحابه هو قرار منع ماء الفرات عن جيش أمير المؤمنين علي عليه السلام لكي يسهل على جيش الشام القضاء عليهم، وفعلاً قاموا بمنع الماء عن جيش علي وأصحابه، حتى كان العطش يفنى بالجيش، وأرسل أمير المؤمنين سريةً للبحث عن شريعة ماء أخرى ولكن لم يكن يوجد في الجوار شريعة ماء غير شريعة الفرات.
فلم يبقَ أي حلٍ لهذه الأزمة سوى القتال على شريعة الماء وفعلاً تم القتال على الماء وسيطر جيش الإمام على شريعة الفرات وأمر أصحابه بألا يمنعوا الماء عن جيش الشام كما فعل معاوية.
*وقف الحرب*
بعد أن نشبت الحرب ووقعت مواجهات متفرقة بين الفريقين، حلّ شهر محرم فقرروا وقف الحرب. واستمرت المفاوضات بين الجيشين، إلا أن معاوية أصرّ على تسليم من اتهمهم بقتل عثمان كعمار بن ياسر وعدي بن حاتم ومالك الأشتر.
*نشوب الحرب مرة أخرى*
ما إن أطل اليوم الأول من شهر صفر حتى نشبت الحرب بين الجيشين مجدداً، وكان يتقدم جيش أمير المؤمنين عليه السلام في كل يوم واحد من القادة فكانت قيادة الجيش في اليوم الأول لمالك الاشتر، وفي اليوم الثاني لهاشم بن عتبة، وفي اليوم الثالث لعمار بن ياسر، وفي الرابع لمحمد بن الحنفية، وفي الخامس لعبد الله بن عباس.
*رفع القرآن الكريم على رؤوس الرماح*
عندما رأى معاوية وعمرو بن العاص أن المعركة لا تجري لصالح الجيش الشامي وشعرا بأن الخطر يقترب من رقابهما، خصوصاً بعد استشهاد الصحابي الجليل عمار بن ياسر، وأنّ النصر في هذه المعركة بات مستحيلاً، قال معاوية لعمرو بن العاص: «ويحك! أين حيلك؟» فقال عمرو: «إن أحببت ذلك فأمر بالمصاحف أن ترفع على رؤوس الرماح ثم ادعهم إليها».
فأمر معاوية بالمصاحف فرفعت على رؤوس الرماح، و صاح أهل الشام: «يا علي! يا علي! اتق الله اتق الله! أنت وأصحابك في هذه البقية، هذا كتاب الله بيننا و بينكم». قال: ثم أتوا بالمصاحف و نادوا: يا أهل العراق! هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فاللّه الله في البقية والحرم والذرية الصغار! من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟.
*نتيجة الحرب*
ما أن رفع الشاميون المصاحف حتى سرت الفتنة في جيش أمير المؤمنين عليه السلام، وانطلت عليهم الخدعة، فانقسوا إلى فريقين. فجاءه عليه السلام زهاء عشرين ألفاً فنادوه عليه السلام باسمه لا بإمرة المؤمنين، يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه - و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال لهم:
«ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله، فلا أقبله إنّي إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون».
وبهذا انتهت المعركة إلى القبول بالتحكيم. في شهر رمضان من سنة ثمان وثلاثين للهجرة.
فحرب صفين كانت على مستوى أهل النخبة أهون على أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل ؛ لأنّ الباطل فيه صرحٌ بيّن لأنّه طليق ولا من المهاجرين ، فمعاوية بن أبي سفيان رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن .
وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.
لكن ما حصل في هذه المعركة لم يكن سهلاً أن يسقط رجل كبير كهاشم المرقال شهيداً ، ليس سهلاً أن يستشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ليس سهلاً أن يسقط رجل كبير وقد نزل فيه القرآن وعمره أكثر من تسعين سنة وهو عمّار بن ياسر ، فالحرب أكلت النخبة ، فمن بقي في معسكر أمير المؤمنين عليه السلام ، فرفع اسم مالك الأشتر وجارية بن قدامة وثلّة من أصحابه الأوفياء الذين جزاءهم الله عنّا وعن جميع المسلمين خيراً. فمن بقي في معسكره : الأشعث بن قيس الكندي ، وشبث بن ربعي وهؤلاء المتردية والنطيحة وما أكل السبع.
فمشكلة صفين هي أنّها استهلكت النخبة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ودائماً عندما يخوض المؤمنون حرباً ولو كانت دفاعية فأكثر ما يخشى على المجتمع أن تؤدّي الحرب بالنخبة برهبان الليل ، وأسود النهار ، ويبقى في المدن المتردية والنطيحة والانتهازيّون والوصوليّون والذين يركبون على دماء الشهداء للوصول.
إنّ قضيّة التحكيم في معركة صفّين تُعدّ واحدة من أكثر الوقائع الباعثة على الأسف والأسى في عهد حكومة الإمام عليّ عليه السلام ؛ حيث جاءت هذه الحادثة المريرة في وقت شارَفَ فيه جيش الإمام علي عليه السلام إحراز النصر النهائي ، فحالَ قبول التحكيم دون تحقيق ذلك الانتصار الساحق وليس هذا فحسب بل إنّه أفضى أيضاً إلى وقوع خلافات في جيشه عليه السلام وانهماكه في صراعات مع كوكبة واسعة من خيرة مقاتليه.
أنّ معاوية لما رأى آثار الظفر والنصرة قد لاحت وظهرت على أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين نصب المصاحف على الرماح ، وطلب من أصحاب الإمام التحاكم إلى القرآن بزعمه حفظاً لدماء العرب ، فهجم أصحاب الإمام على خيمته عليه السلام والجأوه إلى قبول المحاكمة ، فأبى عليهم ، ولكنّه اضطرّ إلى ذلك ، لأنّهم هدّدوه بالقتل .
وهؤلاء الذين أكرهوا الإمام على التحكيم هم خرجوا عليه وحاربوه لقبوله التحكيم في النهروان وهم الخوارج.
وهذه صورة إجماليّة مختصرة ملخصة من قضيّة التحكيم.
لقد لعبت سياسة المكر والخداع التي مارسها عمرو بن العاص أدوارها الشائنة في تحريض معاوية على الوقوف بوجه الإمام عليه السلام، فتمخضت عن ذلك صرف الأمة عن مسار الرسالة الإسلامية الذي كان يمثله الإمام عليه السلام.
هي المعركة التي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي عليه السلام وجيشه من جهة وبين معاوية وجيشه الذي عُرف بـ القاسطين من جهة أخرى، وذلك في شهر صفر من السنة 37 للهجرة في منطقة صفين قرب مدينة الرقة السورية، ووصفت أنها من أعنف وأشرس المعارك في التاريخ الإسلامي حتى زاد عدد القتلى فيها على عشرات الآلاف وانتهت بعملية التحكيم في شهر رمضان سنة 38 للهجرة. وقد استشهد فيها عمار بن ياسر وخزيمة ذو الشهادتين، وهما من أنصار الإمام علي (ع).
*أسباب حدوث المعركة*
بدأت ملامح المعركة تلوح في الأفق بعد مقتل عثمان بن عفان ومبايعة أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة؛ حيث قرر الإمام عليه السلام عزل معاوية وتنصيب عبد الله بن عباس على ولاية الشام، وكتب في ذلك إلى معاوية قائلاً:
” إن الناس قد قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي وبايعوا لي عن مشورة منهم واجتماع فبايع وفد إليّ في أشراف أهل الشام.“
فرفض معاوية قرار أمير المؤمنين علي عليه السلام وطالب بتسليم قتلة عثمان لكي يقيم الحد عليهم.
*كتاب معاوية لأمير المؤمنين بالحرب*
قام معاوية بتأليب مستشاريه وأهل الشام على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأنّه هو الذي قام بقتل عثمان بن عفان. وانتشر الخبر في الشام مثل النار في الهشيم، فحرّض الناس على قتال أمير المؤمنين علي عليه السلام وأخذ منهم البيعة على ذلك. فذهب معاوية إلى جرير بن عبد الله وأخبره بالعودة إلى الكوفة وإخبار أمير المؤمنين بالحرب. وكتب لأمير المؤمنين:
أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ولكنك أغريت بعثمان وخذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبي أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك عليّ كحجتك على طلحة والزبير لأنهما بايعاك ولم أبايعك، ولا حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأنهم أطاعوك ولم يطعك أهل الشام. فأما شرفك في الإسلام وقرابتك من النبي (ص) وموضعك من قريش فلست أدفعه.
*أمير المؤمنين (ع) يستنفر الناس*
لما رجع جرير إلى علي عليه السلام حاملاً إليه كتاب معاوية بالحرب، ولما رأى أمير المؤمنين عليه السلام أن التحركات السياسية لم تمنع معاوية عن غيّه وأن الرجل لا تنفع معه إلا لغة القوة من جهة، وإصرار كبار الكوفيين على مواجهة معاوية من جهة أخرى، دعا من كان معه من المهاجرين والأنصار وجمعهم وأخذ برأيهم في قتال عدوهم وعدو الإسلام، فصوبوا رأيه وناصروه على ذلك. وكذلك كتب أمير المؤمنين إلى عماله في بلاد المسلمين يستنفرهم للجهاد ضد العصاة الذين عطلوا الحدود وأماتوا الحق وأظهروا الفساد في الأرض.كذلك صعد أمير المؤمنين وولداه الحسن والحسين عليهم السلام على المنبر وخطبوا بالمسلمين ودعوهم إلى الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين الحق ضد الفئة الباغية. فقال أمير المؤمنين عليه السلام للناس:
«إن الله قد أكرمكم بدينه وخلقكم لعبادته فانصبوا أنفسكم في أداء حقه وتنجزوا موعوده واعلموا أن الله جعل أمراس الإسلام متينة وعراه وثيقة ثم جعل الطاعة حظ الأنفس برضا الرب وغنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة وقد حملت أمر أسودها وأحمرها. ونحن سائرون إن شاء الله إلى من سَفِهَ نَفْسَهُ وتناول ما ليس له وما لا يدركه - معاوية وجنده الفئة الباغية الطاغية...».
فأجاب علياً عليه السلام إلى المسير جلّ الناس من المهاجرين والأنصار وأهل الكوفة، وخرج عليه السلام فعسكر بالنخيلة وتخلف عنه نفر من أهل الكوفة، وقدم عليه عبد الله بن عباس فيمن معه من أهل البصرة.
*تجهيز معاوية جيشه*
وبلغ ذلك معاوية فاستشار عمرواً فقال: "أما إذا سار علي فسر إليه بنفسك ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك". فتجهز معاوية وتجهز الناس وحضهم عمرو وضعّف علياً وأصحابه. وكتب معاوية إلى أهل الشام وعقد لواء لعمرو ولواء لابنيه عبد الله ومحمد، ولواء لغلامه وردان، وعقد على لواء لغلامه قنبر.
*المسير إلى صفين*
فلما نزل علي عليه السلام النخيلة متوجهاً إلى الشام وبلغ معاوية خبره وهو يومئذ بدمشق قد ألبس منبر دمشق قميص عثمان مخضباً بالدم وحول المنبر سبعون ألف شيخ يبكون حوله فخطبهم وحثهم على القتال، فأعطوه الطاعة وانقادوا له وجمع إليه أطرافه واستعد للقاء علي عليه السلام.
وبعد ذلك بعث علي عليه السلام زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، وبعث مع شريح بن هانئ أربعة آلاف، وسار علي من النخيلة وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة، وولي علي عليه السلام على المدائن سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي، ووجه عليه السلام من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف. وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه الرقة. فلما وصل إلى الرقة قال لأهلها ليعملوا له جسراً يعبر عليه إلى الشام، فأبوا وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر وحذرهم من مغبة ما هم مقبلين عليه، فبعثوا إليه إنا ناصبون لكم جسراً فأقبلوا، وجاء علي عليه السلام فنصبوا له الجسر فعبر عليه بالأثقال والرجال. ثم أمر علي الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس حتى لم يبق من الناس أحد إلا عبر ثم إنه عبر آخر الناس راجلاً.
فأكمل جيش أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى أن وصل إلى بلدة صفين والتقى بها مع جيش معاوية وأهل الشام.
*أحداث المعركة*
*بداية القتال*
التقى الجيشان في منطقة صفين التي تقع بالقرب من مدينة الرقة السورية فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام مالكاً الأشتر مؤكداً عليه أن لا يبدأهم بقتال، إلا أنّ الشاميين وبمجرد وصول الأشتر إلى المنطقة واجههوه بالحرب، واشتعلت المعركة بينهما مما اضطر الشاميين إلى التقهقر والتراجع أمامه.
قد يقال: كيف سمح أمير المؤمنين عليه السلام لنفسه مقاتلة المسلمين، وقد قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. فإذا قالوها حرمت دماؤهم وأعراضهم؟». هذا ما أجاب عنه عمار بن ياسر الذي كان من قادة المعركة وممن عرف حقيقة الأمور حيث قال لما سئل عن ذلك: «بلى ولكن والله ما أسلموا، ولكن استسلموا، وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا».
*القتال على الماء*
أخذت القوات المتحاربة مواقعها وبدأ الطرفان يفكران في اليوم التالي وكيفية إدارة المعركة. الشيء المهم والخطير الذي تمخض عن مشاورات معاوية مع أصحابه هو قرار منع ماء الفرات عن جيش أمير المؤمنين علي عليه السلام لكي يسهل على جيش الشام القضاء عليهم، وفعلاً قاموا بمنع الماء عن جيش علي وأصحابه، حتى كان العطش يفنى بالجيش، وأرسل أمير المؤمنين سريةً للبحث عن شريعة ماء أخرى ولكن لم يكن يوجد في الجوار شريعة ماء غير شريعة الفرات.
فلم يبقَ أي حلٍ لهذه الأزمة سوى القتال على شريعة الماء وفعلاً تم القتال على الماء وسيطر جيش الإمام على شريعة الفرات وأمر أصحابه بألا يمنعوا الماء عن جيش الشام كما فعل معاوية.
*وقف الحرب*
بعد أن نشبت الحرب ووقعت مواجهات متفرقة بين الفريقين، حلّ شهر محرم فقرروا وقف الحرب. واستمرت المفاوضات بين الجيشين، إلا أن معاوية أصرّ على تسليم من اتهمهم بقتل عثمان كعمار بن ياسر وعدي بن حاتم ومالك الأشتر.
*نشوب الحرب مرة أخرى*
ما إن أطل اليوم الأول من شهر صفر حتى نشبت الحرب بين الجيشين مجدداً، وكان يتقدم جيش أمير المؤمنين عليه السلام في كل يوم واحد من القادة فكانت قيادة الجيش في اليوم الأول لمالك الاشتر، وفي اليوم الثاني لهاشم بن عتبة، وفي اليوم الثالث لعمار بن ياسر، وفي الرابع لمحمد بن الحنفية، وفي الخامس لعبد الله بن عباس.
*رفع القرآن الكريم على رؤوس الرماح*
عندما رأى معاوية وعمرو بن العاص أن المعركة لا تجري لصالح الجيش الشامي وشعرا بأن الخطر يقترب من رقابهما، خصوصاً بعد استشهاد الصحابي الجليل عمار بن ياسر، وأنّ النصر في هذه المعركة بات مستحيلاً، قال معاوية لعمرو بن العاص: «ويحك! أين حيلك؟» فقال عمرو: «إن أحببت ذلك فأمر بالمصاحف أن ترفع على رؤوس الرماح ثم ادعهم إليها».
فأمر معاوية بالمصاحف فرفعت على رؤوس الرماح، و صاح أهل الشام: «يا علي! يا علي! اتق الله اتق الله! أنت وأصحابك في هذه البقية، هذا كتاب الله بيننا و بينكم». قال: ثم أتوا بالمصاحف و نادوا: يا أهل العراق! هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فاللّه الله في البقية والحرم والذرية الصغار! من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟.
*نتيجة الحرب*
ما أن رفع الشاميون المصاحف حتى سرت الفتنة في جيش أمير المؤمنين عليه السلام، وانطلت عليهم الخدعة، فانقسوا إلى فريقين. فجاءه عليه السلام زهاء عشرين ألفاً فنادوه عليه السلام باسمه لا بإمرة المؤمنين، يا علي أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه - و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال لهم:
«ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله وأول من أجاب إليه، وليس يحل لي ولا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله، فلا أقبله إنّي إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم، وأنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون».
وبهذا انتهت المعركة إلى القبول بالتحكيم. في شهر رمضان من سنة ثمان وثلاثين للهجرة.
فحرب صفين كانت على مستوى أهل النخبة أهون على أمير المؤمنين عليه السلام من حرب الجمل ؛ لأنّ الباطل فيه صرحٌ بيّن لأنّه طليق ولا من المهاجرين ، فمعاوية بن أبي سفيان رجل رحب البلعوم ، مندحق البطن .
وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.
لكن ما حصل في هذه المعركة لم يكن سهلاً أن يسقط رجل كبير كهاشم المرقال شهيداً ، ليس سهلاً أن يستشهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ليس سهلاً أن يسقط رجل كبير وقد نزل فيه القرآن وعمره أكثر من تسعين سنة وهو عمّار بن ياسر ، فالحرب أكلت النخبة ، فمن بقي في معسكر أمير المؤمنين عليه السلام ، فرفع اسم مالك الأشتر وجارية بن قدامة وثلّة من أصحابه الأوفياء الذين جزاءهم الله عنّا وعن جميع المسلمين خيراً. فمن بقي في معسكره : الأشعث بن قيس الكندي ، وشبث بن ربعي وهؤلاء المتردية والنطيحة وما أكل السبع.
فمشكلة صفين هي أنّها استهلكت النخبة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، ودائماً عندما يخوض المؤمنون حرباً ولو كانت دفاعية فأكثر ما يخشى على المجتمع أن تؤدّي الحرب بالنخبة برهبان الليل ، وأسود النهار ، ويبقى في المدن المتردية والنطيحة والانتهازيّون والوصوليّون والذين يركبون على دماء الشهداء للوصول.
إنّ قضيّة التحكيم في معركة صفّين تُعدّ واحدة من أكثر الوقائع الباعثة على الأسف والأسى في عهد حكومة الإمام عليّ عليه السلام ؛ حيث جاءت هذه الحادثة المريرة في وقت شارَفَ فيه جيش الإمام علي عليه السلام إحراز النصر النهائي ، فحالَ قبول التحكيم دون تحقيق ذلك الانتصار الساحق وليس هذا فحسب بل إنّه أفضى أيضاً إلى وقوع خلافات في جيشه عليه السلام وانهماكه في صراعات مع كوكبة واسعة من خيرة مقاتليه.
أنّ معاوية لما رأى آثار الظفر والنصرة قد لاحت وظهرت على أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين نصب المصاحف على الرماح ، وطلب من أصحاب الإمام التحاكم إلى القرآن بزعمه حفظاً لدماء العرب ، فهجم أصحاب الإمام على خيمته عليه السلام والجأوه إلى قبول المحاكمة ، فأبى عليهم ، ولكنّه اضطرّ إلى ذلك ، لأنّهم هدّدوه بالقتل .
وهؤلاء الذين أكرهوا الإمام على التحكيم هم خرجوا عليه وحاربوه لقبوله التحكيم في النهروان وهم الخوارج.
وهذه صورة إجماليّة مختصرة ملخصة من قضيّة التحكيم.
لقد لعبت سياسة المكر والخداع التي مارسها عمرو بن العاص أدوارها الشائنة في تحريض معاوية على الوقوف بوجه الإمام عليه السلام، فتمخضت عن ذلك صرف الأمة عن مسار الرسالة الإسلامية الذي كان يمثله الإمام عليه السلام.
تعليق