إن دعوى تبني الشيعة الإماميّة لهذه الرواية وغيرها إنما هي من الدعاوى الباطلة والأكاذيب المحضة؛بل ويعد ظلامة من ظلامات الامام الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه إذ كلّ منصف بإمكانه الرجوع إلى مصنفات علماء الشيعة الإمامية - رحم الله الماضين منهم وأطال في أعمار الباقين – المتخصصة في علم الدراية والرواية ليطلع على الضابطة العامة في قبول الأخبار والروايات الواردة من جهة المعصومين عليهم السلام
وهي إنّ النصّ الوارد من قبل المعصوم إما أنْ يكون متواتراً أو آحاد, وإليك بيان كلّ واحد منهما:
المتواتر: هو الذي يرويه كثرة من الرواة تبلغ حدّ إحالة العادة اتفاقهم على الكذب.
بمثل هذا صاغه الشهيد الثاني في (الدراية) بقوله: (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً، أحالت العادة تواطؤهم - أي: اتفاقهم - على الكذب.
واستمر ذلك الوصف، في جميع الطبقات حيث يتعدد.، بأن يرويه قوم عن قوم، وهكذا إلى الأول.
فيكون أوله في هذا الوصف كآخره، ووسطه كطرفيه، ليحصل الوصف: وهو استحالة التواطي على الكذب، للكثرة في جميع الطبقات المتعددة)(١).
وعليه فالمتواتر هو من تصدى لنقله مجموعة كبيرة من الرواة من الصعب جداً الظن بأنهم جميعاً من الكاذبين, وحينها يكون ذلك طريقاً للعلم بصدور الخبر عن المعصوم عليه السلام, كالذين أخبرونا عن سبب نزول آية التطهير في أصحاب الكساء الخمسة عليهم السلام، وغيرها من الآيات والأحاديث التي لو أخذنا بذكرها لطال بنا المقام, وحينها يقال: إنّ هذا الخبر متواتر، والحكم حينئذ القطع بالمخبَر عنه، واليقين الذي لا يخالطه شك بأن الأمر هو كما أخبروا.
الآحاد: هو الذي لا يبلغ حد التواتر، سواء كان راويه واحداً أو أكثر من واحد(٢).
وعليه, فخبر الآحاد خبر لا يفيد العلم ولا الاطمئنان بالمخبَر به، بل غايته إفادة الظن بذلك, لكونه منقولاً بواسطة راوٍ واحدٍ أو أكثر ولم يـبلغ العدد الموجب للعلم والاطمئنان كما في المتواتر.
ولكي يكون خبر الواحد حجة ويصح الاستناد إليه، فلابد أن تتوفر فيه أصالات ثلاث، وهي:
١-أصالة الصدور.
٢-أصالة الظهور.
٣-أصالة الجهة.
فهلمّ معي إلى بيان كل واحدة من هذه الأصالات:
فأصالة الصدور: تعني إحراز صدور الرواية عن المعصوم عليه السلام, ومع عدمه لا يمكن الاستناد إليها بل لا يجوز نسبة ذلك إليه عليه السلام.
إذن, فالعمل بأي رواية على أساس صدورها عن المعصوم عليه السلام لا يمكن الاستناد إليها والعمل بها ما لم يتم إحراز صدورها عن المعصوم عليه السلام.
وقد سلك علماء الشيعة الإمامية في ذلك مسلكين:
مسلك الوثاقة: ويقصد بالوثاقة هنا أي وثاقة الراوي نفسه والذي يعدُّ المحور الأساس في حجّية وصحة الرواية.
وعليه, فلا بد من دراسة سند وطرق الروايات لإحراز الاطمئنان بصحتها بناءً على هذا المسلك, فإنْ وردت رواية من قبل المعصوم ولوحظ فيها وثاقة جميع رواتها فتكون الرواية حينها صحيحةً من جهة السند.
إذن, فالراوي على هذا المسلك هو الأساس الذي يحرز من خلاله صحة الرواية.
ولعل السيد الخوئي قدس سره ممن تبنى هذا المسلك كما هو الملاحظ من كلامه في المعجم، فقد ضعّف بعض من تسالم عليهم المشهور بكونهم ثقات؛ ولكن وفق مبنى الوثوق الذي يأتي بيانه.
ومحصَّل الكلام: فلو كان في سلسلة سند الرواية راوٍ ضعيف فلا يتم حينها إحراز صدورها من جهة المعصوم عليه السلام.
مسلك الوثوق: ويقصد به الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم عليه السلام، عن طريق قرائن تدل على صحتها وتوجب الركون إليها والأخذ بها, كموافقة هذه الرواية للقرآن، وأيضا موافقتها للسنة القطعية، والعقل ومسلمات التأريخ وهكذا.
والفرق بين المسلكين واضح فمن يقول بالوثاقة يرى العبرة بالراوي، والذي يقول بالوثوق يرى العبرة بالرواية وكونها صادرة بنحو ما بقرائن واحتمالات وقد تتراكم كما وكيفاً، وبالنتيجة يحصل الاطمئنان من خلالها بصحة صدور الرواية عن المعصوم عليه السلام.
ولا يخفى أن أصالة الصدور متحققة بالنسبة للخبر المتواتر، فلا معنى للكلام حول صحته أو ضعفه، فمجرد كون الخبر متواتراً يكفي في تحقق صدوره عن المعصوم عليه السلام.
وأما أصالة الظهور: فتعني ظهور ألفاظ المتن في: العموم، أو الإطلاق، أو الحقيقة... إلخ.
فلا يمكن العمل بأي نص يأتينا من قبل الشارع المقدس، سواء كان هذا النص آية أو رواية إلا بعد معرفة مقصده وفهم مراده من خلال الألفاظ الواردة في ذلك النص بأقرب المعاني إلى اللفظ لغةً.
فمعرفة مقصود الشارع المقدس من اللفظ الوارد في آية ما أو رواية ما يسمى ظهوراً؛ إذ هو المعنى المستفاد من ذلك اللفظ، فيكون هو المراد للمتكلم.
إذن فالظهور انسباق معنى اللفظ إلى ذهن السامع بمجرد سماعه له.
وأما أصالة الجهة: فتعني إحرز أن النص الشرعي قد صدر لبيان المراد، ولم يكن صدوره من باب اختبار السامع وامتحانه، أو من باب التقية، بل صدوره من المتكلم وهو قاصد لمعنى كل كلمة قالها في كلامه.
إنّ ما ذُكرَ من روايات في خصوص كثرة زواج الإمام الحسن عليه السلام وطلاقه كان من الآحاد، وقلنا في المقدِّمة أنّه لكي يكون خبر الآحاد حجّة ويصح الاستناد إليه، فلابدّ أن تتوافر فيه أصالات ثلاث، أصالة الصدور, وأصالة الظهور, وأصالة الجهة.
فالرواية بناء على مسلك الوثاقة فيها حميد بن زياد والحسن بن سماعة، وهما - كما لا يخفى - من الواقفة، ولا يمكن الأخذ بما يرويه هؤلاء وغيرهم من المخالفين إلا وفق شروط وضوابط معينة أشار إليها السيد الخوئي قدس سره في معجمه - وكذا غيره من أعلام الطائفة-ولهذا حكم المحقق الأردبيلي في إحدى الروايات الواقع في سندها حميد بن زياد والحسن بن محمد بن سماعة الواقفيان بعدم صحة سندها إليهما(٧).
وقال: إن حميد بن زياد واقفي، والحسن بن محمد بن سماعة أيضاً واقفي شديد العناد مع هذه الطائفة ومع أبي إبراهيم عليه السلام، فيمكن رد الرواية لهذا، وهو كافٍ(٨).
إذن فحميد بن زياد والحسن بن محمد بن سماعة من الواقفة، وتوثيقهما مردود فيما يتعلق بالعقائد المخالفة لنا, ولا يخفى أنّ من الأمور المجمع عليها نظرياً بين الفقهاء والعلماء هو أن أخبار الآحاد لا تصلح للاستشهاد والاستنباط العقائدي وما يتعلق به من مسائل حتى لو كان هذا الخبر صحيح السند, فتنبه.
إنّ الرواية - بناءً على مسلك الوثوق – لا تتوافر فيها أصالة الجهة؛ لذلك ناقشها العلامة المجلسي قائلاً: (ولعلّ غرضه عليه السلام كان استعلام حالهم، ومراتب إيمانهم، لا الإنكار على ولده المعصوم المؤيد من الحي القيوم)(٣).فإن العلامة قدس سره مع قوله موثّق) ناقش النص لعدم توافر أصالة الجهة فيه، بمعنى ان النص لم يكن قد صدر لبيان المراد، بل من باب اختبار السامع وامتحانه، اي إن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن مطلاقاً ذواقاً كما ورد في كلام أبيه أمير المؤمنين عليه السلام_بحسب الرواية_ بل غاية مافي الأمر أن أمير المؤمنين عليه السلام كان بصدد اختبار وامتحان أهل الكوفة في مدى استجابتهم وانصياعهم لأمره ونهيه.
وبما أنّ العلاّمة المجلسي لا يرتضي ما ظاهره أنّ الإمام الحسن عليه السلام كثير الزواج والطلاق, حاول تأويل ذلك الظاهر على أنّ ذلك قد صدر من أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لأهل الكوفة على نحو الاختبار والامتحان.
ويَرِد على تأويل العلامة قدس سره المذكور إشكال يؤدي إلى سقوط الرواية من رأس, وإليك بيانه:
جاء في الرواية قول أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر مخاطباً أهل الكوفة: لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق... وهذا لا ينسجم مع توجيه العلامة المجلسي قدس سره في قوله: (ولعل غرضه عليه السلام كان استعلام حالهم، ومراتب إيمانهم، لا الإنكار على ولده المعصوم)؛ إذ يستلزم ذلك محذور كذب الإمام عليٍّ عليه السلام (حاشا أمير المؤمنين) في إخباره عن أمرٍ لا أساس له قد نسبه لولده الإمام الحسن عليه السلام, وأمير المؤمنين عليه السلام - كما لا يخفى على كل مسلم - لا يفعل ذلك مع أعدائه فضلاً عن أوليائه، فما بالك في ولده الإمام المعصوم الذي سيليه في إمامة الأمة من بعده!!
وكيف كان, فتأويل العلامة المجلسي لظاهر النص مع الإشكال الوارد عليه يؤديان إلى سقوط الرواية عن الاعتبار وعدم جواز الاعتماد عليها.
فإن قلت: وماذا تقول في عبارة المحقق البحراني في الحدائق الناظرة عن الخبر السابق بأنه موثق(٤) الذي لأجله نسب إليه أنه ممن يقول بأن الإمام الحسن عليه السلام كان كثير الزواج والطلاق؟
قلت: بعد أن ذكر المحقق البحراني عدة روايات تضمنت الإخبار بكون الإمام الحسن عليه السلام كان كثير الزواج والطلاق عقّبها بقوله الآتي: (وربما حمل بعضهم هذه الأخبار على ما تقدم في سابقها من سوء خلق في أولئك النساء أو نحوه مما يوجب أولوية الطلاق، ولا يخفى بُعدُه؛ لأنه لو كان كذلك لكان عذراً شرعياً، فكيف ينهى أمير المؤمنين عليه السلام عن تزويجه والحال كذلك.
وبالجملة فالمقام محل إشكال، ولا يحضرني الآن الجواب عنه، وحبس القلم عن ذلك أولى بالأدب)(٥).
ومنه تعرف أن المحقق يرى عدم توافر أصالة الجهة في هذه الرواية وأخواتها، فأخذ يناقش من قال - مبرراً كثرة زواج الإمام وطلاقه - إنه ما كان ذلك إلا لسوء خلق في تلك النساء... فاستبعد هذا التبرير ورأى أن المقام محل إشكال، وأوضح بأنه لا يحضره الجواب.
إذن فالمحقق البحراني يرى أن جهة الصدور غير متوفرة في هذه الرواية، وبه يتضح كذب نسبة تبنيه القول بكثرة زواج الإمام عليه السلام وطلاقه.
ذهب الشيخ الإيرواني دام ظله إلى أن الكتب الأربعة وغيرها فيها أحاديث قد لا يمكن التصديق بصدورها, من قبيل ما نقله الكليني في الكافي في كتاب الطلاق من أن أمير المؤمنين عليه السلام ارتقى المنبر وقال: لا تزوجوا ولدي الحسن عليه السلام فإنه مطلاق.
وقال: إننا لا نرضى بتقديس كتاب الكافي ولا غيره بثمن باهض يحط فيه من كرامة إمامنا الحسن عليه السلام.
وإذا قيل بأن أمثال هذه الروايات لا بدَّ من رفع اليد عن ظاهرها وتأويلها بشكل من الأشكال، من قبيل تأويل الرواية التي تضمنت ارتقاء أمير المؤمنين عليه السلام وقوله: لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق، بأن بعض العوائل الكوفية كانت تحاول تزويج الإمام الحسن عليه السلام من بعض بناتها، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحذر على ولده من تلك البنات؛ لذا ارتقى المنبر وقال: لا تزوجوا ولدي الحسن فإنه مطلاق حذراً منه على ولده.
أجبنا: ما الفائدة في الحفاظ على الصدور وإلغاء الظهور؟!! إن تقديس أهل البيت عليهم السلام وأخبارهم يلزم أن يدعونا للحفاظ عليها صدوراً وظهوراً، أما التسليم بصدورها مع عدم العمل بظهورها فهو رفع بالتالي لليد عن أخبار أهل البيت عليهم السلام ويعني عدم عملنا بها(٦).
الهوامش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الرعاية في علم الدراية – الشهيد الثاني – ص٥٢.
(٢) وممن عرف خبر الواحد بهذا الشهيد الثاني في (الدراية)، والشيخ المامقاني في(المقباس ١ / ١٢٥)، والشيخ المظفر في ( أصول الفقه ٢ /٦٩ )، والسيد معروف في (الدراسات ٤٠)، وغيرهم.
(٣) مرآة العقول – للعلامة المجلسي – ٢١: ٩٦.
(٤) الحدائق الناظرة – للمحقق البحراني – ٢٥: ١٤٨.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) ينظر: دروس تمهيدية في القواعد الرجالية – الشيخ الإيرواني – ص٢٢٢, بتصرف يسير.
(٧) ينظر: مجمع الفائدة والبرهان – المحقق الأردبيلي – ١٠: ٢٦٢.
(٨) ينظر: المصدر نفسه, ١٠: ٤
وهي إنّ النصّ الوارد من قبل المعصوم إما أنْ يكون متواتراً أو آحاد, وإليك بيان كلّ واحد منهما:
المتواتر: هو الذي يرويه كثرة من الرواة تبلغ حدّ إحالة العادة اتفاقهم على الكذب.
بمثل هذا صاغه الشهيد الثاني في (الدراية) بقوله: (هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغاً، أحالت العادة تواطؤهم - أي: اتفاقهم - على الكذب.
واستمر ذلك الوصف، في جميع الطبقات حيث يتعدد.، بأن يرويه قوم عن قوم، وهكذا إلى الأول.
فيكون أوله في هذا الوصف كآخره، ووسطه كطرفيه، ليحصل الوصف: وهو استحالة التواطي على الكذب، للكثرة في جميع الطبقات المتعددة)(١).
وعليه فالمتواتر هو من تصدى لنقله مجموعة كبيرة من الرواة من الصعب جداً الظن بأنهم جميعاً من الكاذبين, وحينها يكون ذلك طريقاً للعلم بصدور الخبر عن المعصوم عليه السلام, كالذين أخبرونا عن سبب نزول آية التطهير في أصحاب الكساء الخمسة عليهم السلام، وغيرها من الآيات والأحاديث التي لو أخذنا بذكرها لطال بنا المقام, وحينها يقال: إنّ هذا الخبر متواتر، والحكم حينئذ القطع بالمخبَر عنه، واليقين الذي لا يخالطه شك بأن الأمر هو كما أخبروا.
الآحاد: هو الذي لا يبلغ حد التواتر، سواء كان راويه واحداً أو أكثر من واحد(٢).
وعليه, فخبر الآحاد خبر لا يفيد العلم ولا الاطمئنان بالمخبَر به، بل غايته إفادة الظن بذلك, لكونه منقولاً بواسطة راوٍ واحدٍ أو أكثر ولم يـبلغ العدد الموجب للعلم والاطمئنان كما في المتواتر.
ولكي يكون خبر الواحد حجة ويصح الاستناد إليه، فلابد أن تتوفر فيه أصالات ثلاث، وهي:
١-أصالة الصدور.
٢-أصالة الظهور.
٣-أصالة الجهة.
فهلمّ معي إلى بيان كل واحدة من هذه الأصالات:
فأصالة الصدور: تعني إحراز صدور الرواية عن المعصوم عليه السلام, ومع عدمه لا يمكن الاستناد إليها بل لا يجوز نسبة ذلك إليه عليه السلام.
إذن, فالعمل بأي رواية على أساس صدورها عن المعصوم عليه السلام لا يمكن الاستناد إليها والعمل بها ما لم يتم إحراز صدورها عن المعصوم عليه السلام.
وقد سلك علماء الشيعة الإمامية في ذلك مسلكين:
مسلك الوثاقة: ويقصد بالوثاقة هنا أي وثاقة الراوي نفسه والذي يعدُّ المحور الأساس في حجّية وصحة الرواية.
وعليه, فلا بد من دراسة سند وطرق الروايات لإحراز الاطمئنان بصحتها بناءً على هذا المسلك, فإنْ وردت رواية من قبل المعصوم ولوحظ فيها وثاقة جميع رواتها فتكون الرواية حينها صحيحةً من جهة السند.
إذن, فالراوي على هذا المسلك هو الأساس الذي يحرز من خلاله صحة الرواية.
ولعل السيد الخوئي قدس سره ممن تبنى هذا المسلك كما هو الملاحظ من كلامه في المعجم، فقد ضعّف بعض من تسالم عليهم المشهور بكونهم ثقات؛ ولكن وفق مبنى الوثوق الذي يأتي بيانه.
ومحصَّل الكلام: فلو كان في سلسلة سند الرواية راوٍ ضعيف فلا يتم حينها إحراز صدورها من جهة المعصوم عليه السلام.
مسلك الوثوق: ويقصد به الوثوق بصدور الرواية عن المعصوم عليه السلام، عن طريق قرائن تدل على صحتها وتوجب الركون إليها والأخذ بها, كموافقة هذه الرواية للقرآن، وأيضا موافقتها للسنة القطعية، والعقل ومسلمات التأريخ وهكذا.
والفرق بين المسلكين واضح فمن يقول بالوثاقة يرى العبرة بالراوي، والذي يقول بالوثوق يرى العبرة بالرواية وكونها صادرة بنحو ما بقرائن واحتمالات وقد تتراكم كما وكيفاً، وبالنتيجة يحصل الاطمئنان من خلالها بصحة صدور الرواية عن المعصوم عليه السلام.
ولا يخفى أن أصالة الصدور متحققة بالنسبة للخبر المتواتر، فلا معنى للكلام حول صحته أو ضعفه، فمجرد كون الخبر متواتراً يكفي في تحقق صدوره عن المعصوم عليه السلام.
وأما أصالة الظهور: فتعني ظهور ألفاظ المتن في: العموم، أو الإطلاق، أو الحقيقة... إلخ.
فلا يمكن العمل بأي نص يأتينا من قبل الشارع المقدس، سواء كان هذا النص آية أو رواية إلا بعد معرفة مقصده وفهم مراده من خلال الألفاظ الواردة في ذلك النص بأقرب المعاني إلى اللفظ لغةً.
فمعرفة مقصود الشارع المقدس من اللفظ الوارد في آية ما أو رواية ما يسمى ظهوراً؛ إذ هو المعنى المستفاد من ذلك اللفظ، فيكون هو المراد للمتكلم.
إذن فالظهور انسباق معنى اللفظ إلى ذهن السامع بمجرد سماعه له.
وأما أصالة الجهة: فتعني إحرز أن النص الشرعي قد صدر لبيان المراد، ولم يكن صدوره من باب اختبار السامع وامتحانه، أو من باب التقية، بل صدوره من المتكلم وهو قاصد لمعنى كل كلمة قالها في كلامه.
إنّ ما ذُكرَ من روايات في خصوص كثرة زواج الإمام الحسن عليه السلام وطلاقه كان من الآحاد، وقلنا في المقدِّمة أنّه لكي يكون خبر الآحاد حجّة ويصح الاستناد إليه، فلابدّ أن تتوافر فيه أصالات ثلاث، أصالة الصدور, وأصالة الظهور, وأصالة الجهة.
فالرواية بناء على مسلك الوثاقة فيها حميد بن زياد والحسن بن سماعة، وهما - كما لا يخفى - من الواقفة، ولا يمكن الأخذ بما يرويه هؤلاء وغيرهم من المخالفين إلا وفق شروط وضوابط معينة أشار إليها السيد الخوئي قدس سره في معجمه - وكذا غيره من أعلام الطائفة-ولهذا حكم المحقق الأردبيلي في إحدى الروايات الواقع في سندها حميد بن زياد والحسن بن محمد بن سماعة الواقفيان بعدم صحة سندها إليهما(٧).
وقال: إن حميد بن زياد واقفي، والحسن بن محمد بن سماعة أيضاً واقفي شديد العناد مع هذه الطائفة ومع أبي إبراهيم عليه السلام، فيمكن رد الرواية لهذا، وهو كافٍ(٨).
إذن فحميد بن زياد والحسن بن محمد بن سماعة من الواقفة، وتوثيقهما مردود فيما يتعلق بالعقائد المخالفة لنا, ولا يخفى أنّ من الأمور المجمع عليها نظرياً بين الفقهاء والعلماء هو أن أخبار الآحاد لا تصلح للاستشهاد والاستنباط العقائدي وما يتعلق به من مسائل حتى لو كان هذا الخبر صحيح السند, فتنبه.
إنّ الرواية - بناءً على مسلك الوثوق – لا تتوافر فيها أصالة الجهة؛ لذلك ناقشها العلامة المجلسي قائلاً: (ولعلّ غرضه عليه السلام كان استعلام حالهم، ومراتب إيمانهم، لا الإنكار على ولده المعصوم المؤيد من الحي القيوم)(٣).فإن العلامة قدس سره مع قوله موثّق) ناقش النص لعدم توافر أصالة الجهة فيه، بمعنى ان النص لم يكن قد صدر لبيان المراد، بل من باب اختبار السامع وامتحانه، اي إن الإمام الحسن عليه السلام لم يكن مطلاقاً ذواقاً كما ورد في كلام أبيه أمير المؤمنين عليه السلام_بحسب الرواية_ بل غاية مافي الأمر أن أمير المؤمنين عليه السلام كان بصدد اختبار وامتحان أهل الكوفة في مدى استجابتهم وانصياعهم لأمره ونهيه.
وبما أنّ العلاّمة المجلسي لا يرتضي ما ظاهره أنّ الإمام الحسن عليه السلام كثير الزواج والطلاق, حاول تأويل ذلك الظاهر على أنّ ذلك قد صدر من أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لأهل الكوفة على نحو الاختبار والامتحان.
ويَرِد على تأويل العلامة قدس سره المذكور إشكال يؤدي إلى سقوط الرواية من رأس, وإليك بيانه:
جاء في الرواية قول أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر مخاطباً أهل الكوفة: لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق... وهذا لا ينسجم مع توجيه العلامة المجلسي قدس سره في قوله: (ولعل غرضه عليه السلام كان استعلام حالهم، ومراتب إيمانهم، لا الإنكار على ولده المعصوم)؛ إذ يستلزم ذلك محذور كذب الإمام عليٍّ عليه السلام (حاشا أمير المؤمنين) في إخباره عن أمرٍ لا أساس له قد نسبه لولده الإمام الحسن عليه السلام, وأمير المؤمنين عليه السلام - كما لا يخفى على كل مسلم - لا يفعل ذلك مع أعدائه فضلاً عن أوليائه، فما بالك في ولده الإمام المعصوم الذي سيليه في إمامة الأمة من بعده!!
وكيف كان, فتأويل العلامة المجلسي لظاهر النص مع الإشكال الوارد عليه يؤديان إلى سقوط الرواية عن الاعتبار وعدم جواز الاعتماد عليها.
فإن قلت: وماذا تقول في عبارة المحقق البحراني في الحدائق الناظرة عن الخبر السابق بأنه موثق(٤) الذي لأجله نسب إليه أنه ممن يقول بأن الإمام الحسن عليه السلام كان كثير الزواج والطلاق؟
قلت: بعد أن ذكر المحقق البحراني عدة روايات تضمنت الإخبار بكون الإمام الحسن عليه السلام كان كثير الزواج والطلاق عقّبها بقوله الآتي: (وربما حمل بعضهم هذه الأخبار على ما تقدم في سابقها من سوء خلق في أولئك النساء أو نحوه مما يوجب أولوية الطلاق، ولا يخفى بُعدُه؛ لأنه لو كان كذلك لكان عذراً شرعياً، فكيف ينهى أمير المؤمنين عليه السلام عن تزويجه والحال كذلك.
وبالجملة فالمقام محل إشكال، ولا يحضرني الآن الجواب عنه، وحبس القلم عن ذلك أولى بالأدب)(٥).
ومنه تعرف أن المحقق يرى عدم توافر أصالة الجهة في هذه الرواية وأخواتها، فأخذ يناقش من قال - مبرراً كثرة زواج الإمام وطلاقه - إنه ما كان ذلك إلا لسوء خلق في تلك النساء... فاستبعد هذا التبرير ورأى أن المقام محل إشكال، وأوضح بأنه لا يحضره الجواب.
إذن فالمحقق البحراني يرى أن جهة الصدور غير متوفرة في هذه الرواية، وبه يتضح كذب نسبة تبنيه القول بكثرة زواج الإمام عليه السلام وطلاقه.
ذهب الشيخ الإيرواني دام ظله إلى أن الكتب الأربعة وغيرها فيها أحاديث قد لا يمكن التصديق بصدورها, من قبيل ما نقله الكليني في الكافي في كتاب الطلاق من أن أمير المؤمنين عليه السلام ارتقى المنبر وقال: لا تزوجوا ولدي الحسن عليه السلام فإنه مطلاق.
وقال: إننا لا نرضى بتقديس كتاب الكافي ولا غيره بثمن باهض يحط فيه من كرامة إمامنا الحسن عليه السلام.
وإذا قيل بأن أمثال هذه الروايات لا بدَّ من رفع اليد عن ظاهرها وتأويلها بشكل من الأشكال، من قبيل تأويل الرواية التي تضمنت ارتقاء أمير المؤمنين عليه السلام وقوله: لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق، بأن بعض العوائل الكوفية كانت تحاول تزويج الإمام الحسن عليه السلام من بعض بناتها، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحذر على ولده من تلك البنات؛ لذا ارتقى المنبر وقال: لا تزوجوا ولدي الحسن فإنه مطلاق حذراً منه على ولده.
أجبنا: ما الفائدة في الحفاظ على الصدور وإلغاء الظهور؟!! إن تقديس أهل البيت عليهم السلام وأخبارهم يلزم أن يدعونا للحفاظ عليها صدوراً وظهوراً، أما التسليم بصدورها مع عدم العمل بظهورها فهو رفع بالتالي لليد عن أخبار أهل البيت عليهم السلام ويعني عدم عملنا بها(٦).
الهوامش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الرعاية في علم الدراية – الشهيد الثاني – ص٥٢.
(٢) وممن عرف خبر الواحد بهذا الشهيد الثاني في (الدراية)، والشيخ المامقاني في(المقباس ١ / ١٢٥)، والشيخ المظفر في ( أصول الفقه ٢ /٦٩ )، والسيد معروف في (الدراسات ٤٠)، وغيرهم.
(٣) مرآة العقول – للعلامة المجلسي – ٢١: ٩٦.
(٤) الحدائق الناظرة – للمحقق البحراني – ٢٥: ١٤٨.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) ينظر: دروس تمهيدية في القواعد الرجالية – الشيخ الإيرواني – ص٢٢٢, بتصرف يسير.
(٧) ينظر: مجمع الفائدة والبرهان – المحقق الأردبيلي – ١٠: ٢٦٢.
(٨) ينظر: المصدر نفسه, ١٠: ٤
تعليق