ماذا قيل في السجع
المقدمة
السجع من المحسنات اللفظية وهو من مميزات البلاغة الفطرية ويمتاز بجماله وتأثيره في النفس وقد قسم الى عدة اقسام وكثر الكلام عنه واختلفت الآراء فيه بين ناه عنه ومجيز وهل هو منهي عنه مطلقا ام توهم من فرض ذلك وهل ما ورد من التنزيل هو من السجع ام لا؟ وقد قيل في السجع إنه كلؤلؤ ترصع به رسالتك فلا تكثر منه فتتكلف ولا تنقص منه فتتخلف .
وقال ابن الاثير هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى . ولأهمية الموضوع حاولنا البحث في هذه الاقوال بين كلام علماء النحو الذين كتبوا عن السجع واجابات بعض العلماء للبعض الاخر الذين اختلفوا معهم بالراي وذكر تقسيماته وفائدته وجماله وبلاغته
سائلين المولى عز وجل ان يوفقنا في طرح ما هو نافع .
السجـــع
تعريف السجع - :
لغــة / هو الكلام المقفى، ويعني ايضا استوى واستقام وشابه بعضه بعضا .
وهو من الفعل سجع يسجع سجعاً
اصطلاحاً / هو لون من ألوان البديع .ويعني توافق الفاصلتين في الحروف الاخيرة ويكون موطنه النثر وقد يأتي في الشعر وافضله ما تساوت فقره .
§ الفاصلة في النثر كالقافية فالشعر
الاقوال في السجع
السجع من المحسنات اللفظية واعلم ان السجع مأخوذ من قولهم (سجعت الحمامة ) ولا يكون محموداً ومقبولاً اذا كان غير متكلف وكان اللفظ فيه تابعاً للمعنى .
اما اذا كان متكلف او كان المعنى تابعا فيه للفظ فهو من السجع المذموم وقد ذمه النبي (صل الله عليه وآله) في قوله (أسجعاً كسجع الكهان)
ومثال السجع الممدوح ما جاء في الحديث الشريف (رحم الله عبداً قال خيراً فغنم او سكت فسلم)
وقد اختلفوا في وقوع السجع في القرآن الكريم فمنعه قوم منهم الرماني الباقلاني في- كتاب اعجاز القرآن - وقالوا ان ما جاء في صورة السجع في القرآن الكريم كقوله تعالى ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَـٰتِ عُرۡفࣰا ١ فَٱلۡعَـٰصِفَـٰتِ عَصۡفࣰا ٢ [المرسلات ]
وغيره من التنزيل كثير بانه لا يسمى سجعا وانما هو فواصل وقد اطال الباقلاني الكلام في ذلك.
واجازه قوم منهم ابن الاثير في - المثل السائر- ومما قال - السجع وحده ان يقال توطئ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد وقد ذمه اصحابنا من ارباب هذه الصناعة ولا ارى لذلك وجها سوى عجزهم ان يأتوا به والا ان كان مذموما ما ورد في القران الكريم فأنه قد اتى منه بالكثير حتى انه ليؤتى بسور جميعا مسجوعة مثل سورة الرحمن والقمر وغيرها ، وبالجملة لم تخل منه سورة من السور فمن ذلك قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا 64 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65} [الاحزاب]
وكقوله تعالى{ طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }[طه] وامثال ذلك كثير
وقد ورد على هذا الاسلوب في كلام النبي (صل الله عليه وآله) شيء كثيرا
فمن ذلك مارواه ابن مسعود قال ، قال رسول الله صل الله عليه وآله (استحيوا من الله حق الحياء) قلنا انا لنستحي .
قال ( ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله ان نحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلوى ومن اراد الاخرى ترك زينة الحياة الدنيا)
فأن قيل ان النبي (صل الله عليه وآله) قال لبعضهم منكراً عليه وقد كلمه كلام مسجوع (أسجعا كسجع الكهان) ولو ان السجع غير مكروه لما انكره النبي (صل الله عليه وآله)
نقول في الجواب عن ذلك انا نقول لو كره النبي (صل الله عليه وآله) السجع مطلقا لقال (أسجعا؟) ثم سكت وكان المعنى يدل ع انكار هذا الفعل لم كان فلما قال (أسجعا كسجع الكهان) صار المعنى متعلقا بأمر
فالسجع اذن ليس منهي عنه وانما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قوله الكاهن فقال النبي (صل الله عليه وآله) ، (أسجعا كسجع الكهان) اي - أحكما كحكم الكهان - فالسجع الذي جاء به الرجل لاباس به لانه قال- أدؤ من لاشرب ولا أكل ولا نطق ولا أستهل ومثل ذلك بطل .
وهذا كلام حسن من حيث السجع وليس بمنكر لنفسه وانما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن ان يدي الجنين بغرة عبد وأمة
وقد ناقش - ابي محمد عبدالله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي- في كتابه -سر الفصاحة- راي الرماني فقال
أما قول الرماني ان السجع عيب والفواصل بلاغة على الاطلاق ، فغلط لانه ان اراد بالسجع مايكون تابعا للمعنى وكأنه غير مقصود ، فيكون مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله وكما يعرف التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف كذلك يعرض على الفواصل عند طلب تقارب الحروف .
واظن ان الذين ادعوا من اصحابنا الى تسمية كل ما في القران الكريم فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن الكريم عن الوصف اللاحق يغني من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض من التسمية قريب .
وان الحقيقة انه لافرق بين مشاركة بعض القرآن الكريم لغيره من الكلام في كونه مسجوعة وبين مشاركة جميعه في كونه عرضا ، وصوتا ، وحروفا ، وكلاما ، وعربيا ، ومؤلفا ، وهذا مما لا يخفى فيحتاج الى زيادة في البيان ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع .
فأن قال قائل ان كان اذا كان عندكم السجع ممدوح فهلا ورد القرآن الكريم كله مسجوعا ، وما لوجه من ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع .
قيل ان القرآن الكريم نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعآ لما في ذلك من امارات التكلف والاستكراه والتصنع . لاسيما في مايطول بالكلام ؛فلم يرد مسجوعآ جريا به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ولم يخلو من السجع لانه يحسن في بعض الكلام في الصفة التي قدمناها وعليها ورد في فصيح كلامهم ؛فم يجز ان يكون عاليآ في الفصاحة وقد اخل فيه شرط من شروطها. ؛ فهذا هو السبب في ورود بعض القران الكريم مسجوعآ وغير مسجوع .
اقسام السجع
وله ثلاث اقسام :-
١- السجع المطرف : هو ما اختلفت فاصلتاه في الوزن واتفقتا في التقفية .
نحو قوله تعالى : {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} [نوح]
وقوله تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا} {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا}[النبأ]
٢- السجع المرصع : هو ما اتفقت فيه الفاظ احدى الفقرتين او اكثرها في الوزن والتقفية مثل قول الحريري ، هو يطبع الاسجاع بجواهر لفظه - ويقرع الاسماع بزواجر وعضه.
ومثل قول الهمداني: ان بعد الكدر صفوا ، و بعد المطر صحو.
٣- السجع المتوازي: هو ما اتفقت فيه الفقرتان في الوزن والتقفية نحو قوله تعالى
فِیهَا سُرُرࣱ مَّرۡفُوعَةࣱ ١٣ وَأَكۡوَابࣱ مَّوۡضُوعَةࣱ ١٤ [الغاشية ٨-١٦] لاختلاف سرر واكواب وزنا وتقفية .
تقسيمات اخرى للسجع
ومن السجع مايسمى تشطيرا : وهو جعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لاختها نحو قول ابن تمام
تدبير معتصم بالله منتقم - لله مرتغب في الله مرتقب=
ومن السجع كذلك التصريع :وهو جعل العروض مقفاة تقفية الضرب ومثاله قول امرىء القيس
افاطم مهلا بعض هذا التدلل - وان كنت قد ازمعت حرمي فأجملي=
وقسم السجع من حيث الطول والقصر على قسمين
١- القصير :وهو ماكان مؤلفا من القاظ قليلة كلما امعنت في القلة كان افضل ، واقل القصر ماكان من لفظتين كقوله تعالى : ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَـٰتِ عُرۡفࣰا ١ فَٱلۡعَـٰصِفَـٰتِ عَصۡفࣰا ٢ [المرسلات ]
والسجع القصير يدل ع قوة المنشىء وتمكنه في الصناعة لصعوبة ادراكه وعزة اتفاقه ووعورة مذهبه، وبعد تناوله .
ثم هو اجمل صورة واحلى موقعا، لقرب توارد الفاصلتين على السمع والاخفاء في تواليهما سرعة ازمنه متساوية كما يقول جوير يشعر اننا بانسجام حاضر دائما فتضل الاذن مهدهدة دون ان يفاجئها اي شيء غير منتظر .
ومنه مايكون مألفا من ثلاثة الفاظ او اربعة او خمسة الى ان ينتهي الى التسعة والعشرة
كقولة تعالى :{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (3) [النجم]
٢- الطويل وتتفاوت درجاته في الطول فمنه ما يتآلف من احدى عشر لفظة واكثره خمسة عشر لفظة كقوله تعالى :{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}[هود]
وقد ذكر الاستاذ الدكتور فضل حسن عباس في كتابة -البلاغة فنونها وافنانها-تنبيه قال فيه : واعلم ان للسجع سرا هو خلاصته المطلوب فاعرف فان عرى الكلام المسجوع منه فلا يعتد به ولم ينبه عليه غيري . وسابينه واقول فيه قولا مما تقدم وامثل له مثالا اذا اخذته امنت الطاعن والعائب وقيل في كلامك : يبلغ الشاهد الغائب .
والذي اقوله لك هو ان تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة ع معنى غير الذي اشتملت عليه اختها .فأن كان المعنى فيهما سواء فذلك التطويل بعينه لان التطويل انما هو الدلالة على المعنى بالالفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها واذا وردت سجعتان تدلان ع معنى واحد كانت احداهما كافية في الدلالة عليه . وجل كلام الناس المسجوع جار عليه .
فالكلام ، المسجوع اذاً يحتاج اربع شرائط
١-ااختيار مفردات الالفاظ على الوجه الذي اشرت اليه فيما تقدم .
٢- اختيار التركيب على الوجه الذي اشرت اليه ايضا فيمما تقدم
٣- ان يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعآ للمعنى لا المعنى تابع للفظ .
٤-ان تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه اختها .
فهذه الشرائط لابد منها
يتبع....
المقدمة
السجع من المحسنات اللفظية وهو من مميزات البلاغة الفطرية ويمتاز بجماله وتأثيره في النفس وقد قسم الى عدة اقسام وكثر الكلام عنه واختلفت الآراء فيه بين ناه عنه ومجيز وهل هو منهي عنه مطلقا ام توهم من فرض ذلك وهل ما ورد من التنزيل هو من السجع ام لا؟ وقد قيل في السجع إنه كلؤلؤ ترصع به رسالتك فلا تكثر منه فتتكلف ولا تنقص منه فتتخلف .
وقال ابن الاثير هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى . ولأهمية الموضوع حاولنا البحث في هذه الاقوال بين كلام علماء النحو الذين كتبوا عن السجع واجابات بعض العلماء للبعض الاخر الذين اختلفوا معهم بالراي وذكر تقسيماته وفائدته وجماله وبلاغته
سائلين المولى عز وجل ان يوفقنا في طرح ما هو نافع .
السجـــع
تعريف السجع - :
لغــة / هو الكلام المقفى، ويعني ايضا استوى واستقام وشابه بعضه بعضا .
وهو من الفعل سجع يسجع سجعاً
اصطلاحاً / هو لون من ألوان البديع .ويعني توافق الفاصلتين في الحروف الاخيرة ويكون موطنه النثر وقد يأتي في الشعر وافضله ما تساوت فقره .
§ الفاصلة في النثر كالقافية فالشعر
الاقوال في السجع
السجع من المحسنات اللفظية واعلم ان السجع مأخوذ من قولهم (سجعت الحمامة ) ولا يكون محموداً ومقبولاً اذا كان غير متكلف وكان اللفظ فيه تابعاً للمعنى .
اما اذا كان متكلف او كان المعنى تابعا فيه للفظ فهو من السجع المذموم وقد ذمه النبي (صل الله عليه وآله) في قوله (أسجعاً كسجع الكهان)
ومثال السجع الممدوح ما جاء في الحديث الشريف (رحم الله عبداً قال خيراً فغنم او سكت فسلم)
وقد اختلفوا في وقوع السجع في القرآن الكريم فمنعه قوم منهم الرماني الباقلاني في- كتاب اعجاز القرآن - وقالوا ان ما جاء في صورة السجع في القرآن الكريم كقوله تعالى ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَـٰتِ عُرۡفࣰا ١ فَٱلۡعَـٰصِفَـٰتِ عَصۡفࣰا ٢ [المرسلات ]
وغيره من التنزيل كثير بانه لا يسمى سجعا وانما هو فواصل وقد اطال الباقلاني الكلام في ذلك.
واجازه قوم منهم ابن الاثير في - المثل السائر- ومما قال - السجع وحده ان يقال توطئ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد وقد ذمه اصحابنا من ارباب هذه الصناعة ولا ارى لذلك وجها سوى عجزهم ان يأتوا به والا ان كان مذموما ما ورد في القران الكريم فأنه قد اتى منه بالكثير حتى انه ليؤتى بسور جميعا مسجوعة مثل سورة الرحمن والقمر وغيرها ، وبالجملة لم تخل منه سورة من السور فمن ذلك قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا 64 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 65} [الاحزاب]
وكقوله تعالى{ طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى }[طه] وامثال ذلك كثير
وقد ورد على هذا الاسلوب في كلام النبي (صل الله عليه وآله) شيء كثيرا
فمن ذلك مارواه ابن مسعود قال ، قال رسول الله صل الله عليه وآله (استحيوا من الله حق الحياء) قلنا انا لنستحي .
قال ( ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله ان نحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلوى ومن اراد الاخرى ترك زينة الحياة الدنيا)
فأن قيل ان النبي (صل الله عليه وآله) قال لبعضهم منكراً عليه وقد كلمه كلام مسجوع (أسجعا كسجع الكهان) ولو ان السجع غير مكروه لما انكره النبي (صل الله عليه وآله)
نقول في الجواب عن ذلك انا نقول لو كره النبي (صل الله عليه وآله) السجع مطلقا لقال (أسجعا؟) ثم سكت وكان المعنى يدل ع انكار هذا الفعل لم كان فلما قال (أسجعا كسجع الكهان) صار المعنى متعلقا بأمر
فالسجع اذن ليس منهي عنه وانما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قوله الكاهن فقال النبي (صل الله عليه وآله) ، (أسجعا كسجع الكهان) اي - أحكما كحكم الكهان - فالسجع الذي جاء به الرجل لاباس به لانه قال- أدؤ من لاشرب ولا أكل ولا نطق ولا أستهل ومثل ذلك بطل .
وهذا كلام حسن من حيث السجع وليس بمنكر لنفسه وانما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن ان يدي الجنين بغرة عبد وأمة
وقد ناقش - ابي محمد عبدالله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي- في كتابه -سر الفصاحة- راي الرماني فقال
أما قول الرماني ان السجع عيب والفواصل بلاغة على الاطلاق ، فغلط لانه ان اراد بالسجع مايكون تابعا للمعنى وكأنه غير مقصود ، فيكون مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله وكما يعرف التكلف في السجع عند طلب تماثل الحروف كذلك يعرض على الفواصل عند طلب تقارب الحروف .
واظن ان الذين ادعوا من اصحابنا الى تسمية كل ما في القران الكريم فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن الكريم عن الوصف اللاحق يغني من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض من التسمية قريب .
وان الحقيقة انه لافرق بين مشاركة بعض القرآن الكريم لغيره من الكلام في كونه مسجوعة وبين مشاركة جميعه في كونه عرضا ، وصوتا ، وحروفا ، وكلاما ، وعربيا ، ومؤلفا ، وهذا مما لا يخفى فيحتاج الى زيادة في البيان ولا فرق بين الفواصل التي تتماثل حروفها في المقاطع وبين السجع .
فأن قال قائل ان كان اذا كان عندكم السجع ممدوح فهلا ورد القرآن الكريم كله مسجوعا ، وما لوجه من ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع .
قيل ان القرآن الكريم نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح من كلامهم لا يكون كله مسجوعآ لما في ذلك من امارات التكلف والاستكراه والتصنع . لاسيما في مايطول بالكلام ؛فلم يرد مسجوعآ جريا به على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ولم يخلو من السجع لانه يحسن في بعض الكلام في الصفة التي قدمناها وعليها ورد في فصيح كلامهم ؛فم يجز ان يكون عاليآ في الفصاحة وقد اخل فيه شرط من شروطها. ؛ فهذا هو السبب في ورود بعض القران الكريم مسجوعآ وغير مسجوع .
اقسام السجع
وله ثلاث اقسام :-
١- السجع المطرف : هو ما اختلفت فاصلتاه في الوزن واتفقتا في التقفية .
نحو قوله تعالى : {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)} [نوح]
وقوله تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا} {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا}[النبأ]
٢- السجع المرصع : هو ما اتفقت فيه الفاظ احدى الفقرتين او اكثرها في الوزن والتقفية مثل قول الحريري ، هو يطبع الاسجاع بجواهر لفظه - ويقرع الاسماع بزواجر وعضه.
ومثل قول الهمداني: ان بعد الكدر صفوا ، و بعد المطر صحو.
٣- السجع المتوازي: هو ما اتفقت فيه الفقرتان في الوزن والتقفية نحو قوله تعالى
فِیهَا سُرُرࣱ مَّرۡفُوعَةࣱ ١٣ وَأَكۡوَابࣱ مَّوۡضُوعَةࣱ ١٤ [الغاشية ٨-١٦] لاختلاف سرر واكواب وزنا وتقفية .
تقسيمات اخرى للسجع
ومن السجع مايسمى تشطيرا : وهو جعل كل من شطري البيت سجعة مخالفة لاختها نحو قول ابن تمام
تدبير معتصم بالله منتقم - لله مرتغب في الله مرتقب=
ومن السجع كذلك التصريع :وهو جعل العروض مقفاة تقفية الضرب ومثاله قول امرىء القيس
افاطم مهلا بعض هذا التدلل - وان كنت قد ازمعت حرمي فأجملي=
وقسم السجع من حيث الطول والقصر على قسمين
١- القصير :وهو ماكان مؤلفا من القاظ قليلة كلما امعنت في القلة كان افضل ، واقل القصر ماكان من لفظتين كقوله تعالى : ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَـٰتِ عُرۡفࣰا ١ فَٱلۡعَـٰصِفَـٰتِ عَصۡفࣰا ٢ [المرسلات ]
والسجع القصير يدل ع قوة المنشىء وتمكنه في الصناعة لصعوبة ادراكه وعزة اتفاقه ووعورة مذهبه، وبعد تناوله .
ثم هو اجمل صورة واحلى موقعا، لقرب توارد الفاصلتين على السمع والاخفاء في تواليهما سرعة ازمنه متساوية كما يقول جوير يشعر اننا بانسجام حاضر دائما فتضل الاذن مهدهدة دون ان يفاجئها اي شيء غير منتظر .
ومنه مايكون مألفا من ثلاثة الفاظ او اربعة او خمسة الى ان ينتهي الى التسعة والعشرة
كقولة تعالى :{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (3) [النجم]
٢- الطويل وتتفاوت درجاته في الطول فمنه ما يتآلف من احدى عشر لفظة واكثره خمسة عشر لفظة كقوله تعالى :{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}[هود]
وقد ذكر الاستاذ الدكتور فضل حسن عباس في كتابة -البلاغة فنونها وافنانها-تنبيه قال فيه : واعلم ان للسجع سرا هو خلاصته المطلوب فاعرف فان عرى الكلام المسجوع منه فلا يعتد به ولم ينبه عليه غيري . وسابينه واقول فيه قولا مما تقدم وامثل له مثالا اذا اخذته امنت الطاعن والعائب وقيل في كلامك : يبلغ الشاهد الغائب .
والذي اقوله لك هو ان تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملة ع معنى غير الذي اشتملت عليه اختها .فأن كان المعنى فيهما سواء فذلك التطويل بعينه لان التطويل انما هو الدلالة على المعنى بالالفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها واذا وردت سجعتان تدلان ع معنى واحد كانت احداهما كافية في الدلالة عليه . وجل كلام الناس المسجوع جار عليه .
فالكلام ، المسجوع اذاً يحتاج اربع شرائط
١-ااختيار مفردات الالفاظ على الوجه الذي اشرت اليه فيما تقدم .
٢- اختيار التركيب على الوجه الذي اشرت اليه ايضا فيمما تقدم
٣- ان يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعآ للمعنى لا المعنى تابع للفظ .
٤-ان تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير المعنى الذي دلت عليه اختها .
فهذه الشرائط لابد منها
يتبع....