بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
اللهم صل على محمد وال محمد
الحاسد، هو الذّي يرغبُ ويتمنّى ويحبُّ زوال ما أفاض الله تعالى، و أنعم به على غيره من الكمالات النفسية و غيرها، من قبيل: العلم والوجاهه و النفوذ و القوة، و الجمال، و المال، و الزجاجة، و الوْلِدِ، و غيرذلك، بل و حتّى المواهب. و قد يدعوه ذلك (الرغبة و التمني و الحبّة) الى السعي و ابتغاء شتى السبل المحظورة و المقبوحة شرعاً و عقلاً، من أجل إزالة ما أنعم الله به على غيره.
قال الصادق (ع) : (ثلاثة لم ينجُ منها نبيٌّ فمن دونه : التفكّر في الوسوسة في الخلق ، والطِّيرة ، والحسد ، إلا أنّ المؤمن لا يستعمل حسده) .
وعن أبي جعفر (ع) : (إِن الرَّجُلَ لَيَأْتى بِأي بادِرَةٍ فَيُكَفَّرُ، وَإنَّ الحَسَدَ لَيَأْكُلُ الإيمان كَمـا تَأْكُلُ النّار الحَطَبَ).
قال أبو عبدالله (ع) : (آفَةُ الدّينِ الحَسَد والعُجْبُ وَالفَخْرُ).
وقال أمير المؤمنين (ع) : ( ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، نَفَس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم ).
الحسد صفة موجودة في كل انسان وقيل : ما خلا جسد من حسد , ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه , ومن اهم اسباب الحسد عند البعض وكما اعتقد تعود إلى رؤية ذل النفس،والتدني في الخلق , فيتمنى زوال نعمة اخيه حتى يصبحوا مثله اي انه يرى المحسود افضل منه فنفسه اذل من الآخرين فلذلك يتمنى زوالها.
نسأل الله ان يطهر قلوبنا من الحسد ويكفينا شر الحاسدين .
فحقيقة الحسد، اذن هي: عدم الرضا بقسم الله تعالى والسخط على قضائه في الرزق المادي و المعنوي، قال تعالى < والله فضّل بعضكم على بعضٍ في الرزق[1]>
فالتفضيل، إنّما حصل بمقتضى حكمة الباري عزّوجلّ وعلمه بالمصالح، فِكرهُ الحاسد لنعمة الغير و تمنيه لزوالها هو في حقيقته كِرهٌ لحكمة الله تعالى وسخط وردٌّ لقضائه، فقد ورد في بعض الاحاديث القدسية: «ان الحاسد عدوٌ لنعمتي، متسخطٌ لقضائي، غير راضٍ بقسمتي التي قسمت بين عبادي»
أسباب الحسد و بواعثه كثيرة، ليس من السهل حصرها لتعدد مداخله واشتراك حقيقته مع الكثير من الرذائل، و أهم مايمكن إثباته في هذا الجانب منها:
1ـ الجهل وقلّة المعرفة في أمورالدين، الفقهية، و العقائدية، والاخلاقية.
وهذا من أهم الأسباب التي تقعد بالفرد والمجتمع عن السلوك في درجات الكمال والقرب من الله تعالى، ومن ثمّ الانحطاط والتسافل، والوقوع بارتكاب أنواع الرذائل و منها الحسد. قال أميرالمؤمنين عليه السلام : «الجهل أصلُ كلّ شر»[25]
وقال عليه السلام : «الجهل فسادُ كلِّ أمر»[26]
2ـ عدم الاهتمام بتزكية النفس وتربيتها وترويضها على الصبر على الطاعات وترك المحظورات، لان النفس مالم تزكَ وتتعاهد بالتربية والترويض، تجمح بصاحبها وتُوقعه بارتكاب القبائح من الأخلاق ومنها الحسد. قال تعالى <قد أفلح من زكّيها، وقد خاب مَنْ دَسَّيها[27]>
3ـ التربية العائلية الفاسدة، التي تعيش حالة عدم الاكتراث واللامبالاة تجاه التكاليف الشرعية، وكذلك المحيط الملوث، ورفقة السوء، كل ذلك عوامل وأسباب مؤثرة في الابتلاء بهذه الرذيلة.
4ـ تمكُّن الخبثُ من النفس، بحيث تصبح مأنوسة بممارسة الرذائل، صعبة الانقياد للعقل، فيشذ الطبع عند ذلك على الخبث واللؤم، فيكون صاحب هكذا نفس يحزن لافراح الناس وبهجتهم ويفرح بشقائهم ومآسيهم، لذا فهود وما يتمنّى زوال النِعَم عن غيره لانه يرى في ذلك سعادة وسروره.
5ـ التنافس المذموم، الذي يحدو بصاحبه الى تمنّي زوال ما أنعم الله به على منافسه، وشواهد كثيرة، أوضحها مايكون بين أفراد الصنف الواحد، من الأعمال و غيرها كالتجّار والعلماء و الزعماء و الأمراء و الأبناء و غيرهم.
6ـ العداوة والبغضاء، التي غالباً ماتنشأ بسبب الاختلافات والتخاصم، و هذا من البواعث القوية التي تدفع باطرافها الى حسد و مكايرة الطرف الآخر.
7ـ استحكام حب الأنا في النفس، الذي يصطلح عليه بالأَنانية، والتي يشتدُّ عند صاحبها الحرص على مصلحته الخاصة دون غيره، فيدفعه ذلك الى تمنّي زوال ماأنعم الله به على غيره من النِعم التي يرغب بان تكون له.
8ـ الشعور بالنقص والضِعَة. فصاحب هذا الشعور يتمنّى زوال نعمة الغير التي يرى أنَّه يفوقه بها، حتّى لا يشعر بالنّقص والدناءَةِ أمامه.
9ـ التكبر، فالمتلبّس بهذه الرذيلة يسعى دائماً لان يكون هو صاحب المزايا المنفردة، لذا فهو يحسد غيره اذا حصل على نعمة تكون في تصوره مفسدةً لتكبره على ذلك الغير.
علامات الحاسد وصفاته
يمكن التعرّف على الحاسدِ، لاتقاء شرِّه بجملة من العلامات أهمها:
1ـ الغيبة، فالحاسد لايتورع عن اغتياب محسوده لانه يرى في ذلك حطاً له لما أنعم الله عليه من جاهٍ أوعِلم أو دينٍ، أو قد يُفوت بذلك عليه فرصة الحصول على مكسب مادي أو معنوي، وهذا مما يحقق مأربه في محسوده لذا فهو يعتبر الغيبة احدى وسائله للوصول الى هدفه في محسوده.
2ـ التملّق وإظهار الودّ في الاقوال، وإضمار البغض والكُره في الافعال، وانّما يكون ذلك منه حتى يخفي ما يعتلجه من غليان الحسد في باطنه، وحتّى يتسنى له من خلال ذلك الوصول الى جملة من الاهداف، منها تمرير مخططاته ضد من يَحْسُدُه. قال أميرالمؤمنين عليه السلام : « الحاسدُ يُظهِرُ وَدّهُ في أقواله، و يخفي بُغْضَهُ في أفعاله، فَلَهُ اسم الصديق وَصِفَةُ العَدُوِّ»[28]
3ـ اظهار الشماته، وهي بيان الفرح والارتياح لما يصيب محسوده من المصيبة والبلاء. وهذه العلامات الثلاثة يجمعها الحديث الشريف المروي عن الامام الصادق عليه السلام حيث قال: «قال لقمان لابنه: للحاسد ثلاث علامات: يغتاب اذاغاب، ويتملّق اذا شَهِدَ، ويشْمَتُ بالمصيبة»[29]
4ـ التشاؤم بالشر، وابتغاء وقوعه، لان ذلك من دواعي سروره ، فتراه دائماً يعيش حالة التشاؤم، ولايحب ان يرى الناس في نعمةٍ وخيرٍ وسعادةٍ.
قال أميرالمؤمنين عليه السلام : «من ولع بالحسد وَلِعَ به الشؤم»
5ـ عدم الاخلاص والصدق في النصيحة عند استنصاحه، وكذا لايبتدأ أحداً بالنصيحة، قال الإمام الصادق عليه السلام : «النصيحة من الحاسد محال»[30]
6ـ اظهار الفرح والابتشار لما يصيب الناس من الشرور، والاكتئاب والغمِّ عند أَفراحهم ومسراتهم ومايراه من سعادتهم، قال الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام : «الحاسد يفرح بالشّرور ويغتمُّ بالسرور»
وقانا الله و اياكم شرّ الابتلاء بهذه الرذيلة و أخذ بأيدينا حيث الهداية و الصلاح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جامع السعادات
اصول الكافي
الأخلاق و الآداب الإسلامية،
تعليق