بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. أما بعد:
قال تعالى {خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
إن قال قائل ما معنى: إن الانسان خلق من عجل؟؟
قلنا له:
قد ذكر المفسرون وجوه من التأويل لهذه الآية:
أولها:
أن يكون معنى القول: المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة وإنه شديد الاستعجال كأنه خلق من عجل وتشكلت أنسجته ووجوده منها!
وفي الواقع، فإن كثيراً من البشر العاديين هم على هذه الشاكلة، فهم عجولون في الخير وفي الشر، وحتى حين يقال لهم:
إذا ارتكبتم المعاصي وكفرتم سيأخذكم العذاب الإلهي، فإنّهم يقولون: فلماذا لا يأتي هذا العذاب أسرع؟!
ولهم عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم (ما خلقتَ الا من نوم) و ( ما خلق فلان الا من شر) إذا أرادوا كثرة وقوع الشر منه. والكلام وارد مورد التعجيب.
ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى في موضع آخر {وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا} [الإسراء : 11]
ويطابقه أيضاً قوله تعالى {فَلاتَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
لأنه وصفهم بكثرة العجلة وإن من شأنهم فعلها توبيخاً لهم وتقريعاً،
ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات.
وثانيها:
قال أبوعبيدة:
إن في الكلام قلباً والمعنى (خُلق العجلُ من الإنسان) واستشهد على ذلك بقوله تعالى {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ..} [القصص : 76] والمعنى ( إنَّ العصبةَ تنوء بها) وتقول العرب (عرضت الناقة على الحوض) وإنما هو عرضت الحوض على الناقة.
ولكن يبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له:
وما المعنى والفائدة في قوله تعالى {خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء : 37]
أتريدون بذلك إن الله تعالى خلق في الانسان العجلة؟
وهذا لا يجوز لأن العجلة فعل من أفعال الانسان فكيف يكون مخلوقة فيه لغيره!
ولو كان كذلك ما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاتَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
لأنه لا ينهاهم عما خلقه فيهم.
فإن قالوا:
لم يرد أنه تعالى خلقها لكنه أراد كثرة فعل الإنسان لها وأنه لا يزال يستعملها.
قيل لهم:
هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة الى القلب والتقديم والتأخير،
واذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا اليه.
وقد ذكرأبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقوّاه وسأل نفسه عليه فقال:
كيف جاز أن يقول { فَلاتَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37] وهو خلق العجلة فيهم؟
وأجاب:
بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم وكفها وقد يكون الانسان مطبوعاً عليها،
وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح وأمره في الكثير من الأوقات بالامتناع منه.
وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره وهو الطبع الداعي إليه والشهوة المتناولة له ويجب أيضاً أن يكون المراد بـ(من) هاهنا (في) لأن شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان وإنما تكون فيه
وهذا تجوّز على تجوّز وتوسّع على توسّع لأن القلب أولاً مَجاز،
ثم هو من بعيد المجاز، وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر واقامة (من) مقام (في) كذلك .
على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة { فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
أيّ معنى لتقديم قوله: إني خلقت شهوة العجلة فيهم أو الطبع الداعي إليها على ما عبر به البلخي وهذا إلى أن يكون عذراً لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم، وأيسر الأحوال ألاّ يكون عذراً ولا احتجاجاً فلا يكون لتقديمه معنى.
ثالثها:
من عجل أي من ضعف وهي النطفة المهينة الضعيفة وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل عبارة عن الضعف او معناه.
يتبع>>>>>
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. أما بعد:
قال تعالى {خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
إن قال قائل ما معنى: إن الانسان خلق من عجل؟؟
قلنا له:
قد ذكر المفسرون وجوه من التأويل لهذه الآية:
أولها:
أن يكون معنى القول: المبالغة في وصف الانسان بكثرة العجلة وإنه شديد الاستعجال كأنه خلق من عجل وتشكلت أنسجته ووجوده منها!
وفي الواقع، فإن كثيراً من البشر العاديين هم على هذه الشاكلة، فهم عجولون في الخير وفي الشر، وحتى حين يقال لهم:
إذا ارتكبتم المعاصي وكفرتم سيأخذكم العذاب الإلهي، فإنّهم يقولون: فلماذا لا يأتي هذا العذاب أسرع؟!
ولهم عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم (ما خلقتَ الا من نوم) و ( ما خلق فلان الا من شر) إذا أرادوا كثرة وقوع الشر منه. والكلام وارد مورد التعجيب.
ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى في موضع آخر {وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا} [الإسراء : 11]
ويطابقه أيضاً قوله تعالى {فَلاتَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
لأنه وصفهم بكثرة العجلة وإن من شأنهم فعلها توبيخاً لهم وتقريعاً،
ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات.
وثانيها:
قال أبوعبيدة:
إن في الكلام قلباً والمعنى (خُلق العجلُ من الإنسان) واستشهد على ذلك بقوله تعالى {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ..} [القصص : 76] والمعنى ( إنَّ العصبةَ تنوء بها) وتقول العرب (عرضت الناقة على الحوض) وإنما هو عرضت الحوض على الناقة.
ولكن يبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له:
وما المعنى والفائدة في قوله تعالى {خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء : 37]
أتريدون بذلك إن الله تعالى خلق في الانسان العجلة؟
وهذا لا يجوز لأن العجلة فعل من أفعال الانسان فكيف يكون مخلوقة فيه لغيره!
ولو كان كذلك ما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول {سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاتَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
لأنه لا ينهاهم عما خلقه فيهم.
فإن قالوا:
لم يرد أنه تعالى خلقها لكنه أراد كثرة فعل الإنسان لها وأنه لا يزال يستعملها.
قيل لهم:
هذا هو الجواب الذي قدمناه من غير حاجة الى القلب والتقديم والتأخير،
واذا كان هذا المعنى يتم وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا اليه.
وقد ذكرأبو القاسم البلخي هذا الجواب في تفسيره واختاره وقوّاه وسأل نفسه عليه فقال:
كيف جاز أن يقول { فَلاتَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37] وهو خلق العجلة فيهم؟
وأجاب:
بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم وكفها وقد يكون الانسان مطبوعاً عليها،
وهو مع ذلك مأمور بالتثبت قادر على أن يجانب العجلة وذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح وأمره في الكثير من الأوقات بالامتناع منه.
وهذا الذي ذكره البلخي تصريح بأن المراد بالعجل غيره وهو الطبع الداعي إليه والشهوة المتناولة له ويجب أيضاً أن يكون المراد بـ(من) هاهنا (في) لأن شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان وإنما تكون فيه
وهذا تجوّز على تجوّز وتوسّع على توسّع لأن القلب أولاً مَجاز،
ثم هو من بعيد المجاز، وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر واقامة (من) مقام (في) كذلك .
على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة { فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء : 37]
أيّ معنى لتقديم قوله: إني خلقت شهوة العجلة فيهم أو الطبع الداعي إليها على ما عبر به البلخي وهذا إلى أن يكون عذراً لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم، وأيسر الأحوال ألاّ يكون عذراً ولا احتجاجاً فلا يكون لتقديمه معنى.
ثالثها:
من عجل أي من ضعف وهي النطفة المهينة الضعيفة وهذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل عبارة عن الضعف او معناه.
يتبع>>>>>


تعليق