بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب محنة أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة الرسول (ص)
((السابعة))
((وأما السابعة)) يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان عهد إلي أن أقاتل في آخر أيامي قوما " من أصحابي يصومون النهار ويقومون الليل ويتلون كتاب الله، يمرقون من الدين بخلافهم لي ومحاربتهم إياي مروق السهم من الرمية (1)، فيهم ذو الثدية، يختم لي بقتلهم بالسعادة، فلما انصرفت إلى موضعي هذا - يعني بعد الحكمين - أقبل بعض القوم على بعض باللائمة فيما صاروا إليه من تحيكم الحكمين ولم يجدوا لأنفسهم من ذلك مخرجا إلا أن قالوا: كان ينبغي لأميرنا ألا يبايع من أخطأ منا وأن يمضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه (2) وقتل منخالفه منا، فقد كفر بمتابعته إيانا وطاعته في الخطأ لنا وأحل لنا بذلك قتله وسفك دمه فتجمعوا على ذلك من حالهم وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلا لله، ثم تفرقوا فرقا " فرقا "، فرقة " بالنخيلة وفرقة بحروراء وأخرى راكبة رأسها تخبط الأرض شرقا حتى عبرت دجلة فلم تمر بمسلم إلا امتحنته فمن بايعها استحيت ومن خالفها قتلت، فخرجت إلى الأوليين واحدة بعد أخرى، أدعوهم إلى طاعة الله ومتابعة الحق والرجوع إليه، فأبيا إلا السيف لا يقنعهما غيره، فلما أعيت الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عز وجل، فقتل الله هذه وهذه، وكانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا ركنا " لي قويا " وسدا منيعا "، فأبى الله إلا ما صاروا إليه، ثم كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجهت رسلي تترى وكانوا من أجلة أصحابي وأهل التعبد منهم والزهد في الدنيا. فأبت إلا اتباع أختيها والاحتذاء على مثالهما وأسرعت في قتل من خالفها من المسلمين وتتابعت إلي الأخبار بفعلها - فخرجت حتى قطعت إليهم دجلة وأوجه السفراء النصحاء وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرة وبهذا مرة - وأومأ بيده إلى الأشتر والأحنف بن قيس أو سعيد بن قيس الكندي - فلما أبوا إلا تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم وهم أربعة آلاف ويزيدون حتى لم يفلتني منهم مخبر فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من يرى، له ثدي كثدي المرأة.
ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
قال: قد وفيتك سبعا " وسبعا " يا أخا اليهود وبقيت الأخرى وأوشك بها وكان قد قربت، قال: فبكى أصحاب علي صلوات الله عليه وبكى رأس اليهود وقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا بالأخرى، فقال: الأخرى أن تخضب هذه - وأومأ بيده إلى لحيته - من هذه - وأومأ إلى هامته - قال: فارتفعت أصوات الناس في المسجد الجامع بضجة البكاء حتى لم يبق بالكوفة دار إلا خرج أهلها فزعا " وأسلم رأس اليهود على يدي أمير المؤمنين عليه السلام من ساعته ولم يزل مقيما " حتى قتل أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فلما قتل وأخذ ابن ملجم لعنه الله أقبل رأس اليهود حتى وقف على الحسن عليه السلام والناس حوله وابن ملجم بين يديه وقال: يا أبا محمد اقتله قتله الله، فإني قرأت في الكتب التي أنزلت على موسى بن عمران أن هذا أعظم عند الله جرما " من ابن آدم قاتل أخيه ومن قدار عاقر ناقة ثمود.
- تم الخبر -
(1) أي يمرقون بسبب خلافهم لي ومحاربتهم إياي من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وذو الثدية كسمية - لقب حرقوص بن زهير وهو رئيس الخوارج كما في القاموس.
(2) في الخصال " أو أن يفضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه ".
((الاختصاص - الشيخ المفيد - الصفحة ١٧٩)).

تعليق