بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بيده مقاليد الامور وبالتوكل عليه الكفاية من كل محذور واصلي على رسوله الصادق الامين المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد المصطفى صل الله عليه واله المنتجبين وعترته المعصومين كهوف الانام ومصابيح الظلام الذي من اوى اليهم فقد امن وبلغ المرام ومن استشفع بهم الى الله عوفي من جميع اللعل والاسقام وانتصر على الطغاة اللئام
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا) . ( الأحزاب / 33 )
الإمام الحسن ( عليه السلام ) هو من جملة أهل الكساء الخمسة ، الذين نزلت فيهم هذه الآية الكريمه
شخصية الامام الحسن (ع)
عاش الإمام الحسن ( عليه السلام ) على امتداد خمسة عقود تقريبا غنية بالأحداث و التحولات ، هذه الحياة القصيرة نسبياً و اكب الإمام عبرها منعرجات حاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية تحكمت في مصيرها طوال قرون مديدة .
و بنظرة فاحصة يمكن أن نقسم حياة الحسن المجتبى إلى خمس مراحل :
ـ المرحلة الأولى : من الميلاد إلى وفاة الرسول ( صلّى الله عليه و آله ) .
ـ المرحلة الثانية : الإمام الحسن في ظل الخلفاء .
ـ المرحلة الثالثة : الإمام في ظل إمامة الامام علي ( عليه السلام ) .
ـ المرحلة الرابعة : من استشهاد علي ( عليه السلام ) إلى عقد الصلح .
ـ المرحلة الخامسة : من العودة إلى المدينة إلى استشهاده .
المرحلة الأولى : من الميلاد إلى وفاة الرسول
ولد الإمام الحسن ( عليه السلام ) في منتصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة ( 3 هـ ) .
أسماه رسول الله حسناً حيث لم يشأ الامام علي ( عليه السلام ) أن يسبق النبي في تسميته و كان أول من سمي بهذا الاسم . و الحسين اشتق من هذا الاسم أيضا و المروي أن رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) سمى حسناً و حسينا ( عليهما السلام) و اشتق اسم حسين من اسم حسن
لقد عاش الحسن طفولته في أعظم بيوتات التاريخ في ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ﴾ و بين أعظم و أطهر خلق الله ؛ رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) و علي ( عليه السلام ) و فاطمة ( عليها السلام ) ثم الحسين ( عليه السلام ) و في كنف أهل البيت ﴿ ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾
و للأسف فالتاريخ لا يحدثنا كثيراً عن الحسن المجتبى (عليه افضل التحايا والسلام) في هذه الفترة ربما لصغر سنه ، و لكن الروايات خلدت تلك الكلمات العظيمة التي رسخت حب الحسن في وجدان الأمة و عززت مكانته بين صفوفها :
« الحسن و الحسين ريحانتاي من الدنيا » .
« الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة » .
« الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا » .
لم تدم هذه الرعاية النبوية الحانية طويلا فلم يبق الحسن مع الرسول سوى سبع سنوات مرت كطيف نسيم لتعصف بقلب الصبي الطاهر أحزان عميقة تتوالى حلقاتها مع وفاة جده ، ثم أمه . . و تلك المظالم التي ستصب على أهل البيت ( عليهم السلام ) .
مات الرسول ولما يبلغ الحسن الثامنة ، مات رسول الله و هو يتوج حفيده بكلمات شامخة في حقه بأنه وريث هيبته و سؤدده « فقد أتت فاطمة ( عليها السلام ) بابنيها إلى رسول الله في شكواه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال : أما حسن فله هيبتي و سؤددي و أما حسين فله جرأتي و جودي » .
امتزج حزن الامام الحسن(عليه السلام) عن جده بحزن أمه الزهراء على أبيها فهي مازالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة .
المرحلة الثانية : الإمام الحسن زمن الخلفاء
امتدت هذه الفترة إلى سنة 35هـ تقريباً عام مقتل عثمان و مبايعة الإمام علي ( عليه السلام ) و لا يسعفنا التاريخ هنا أيضا بمعلومات كثيرة عن الحسن ( عليه السلام ) خاصة في بداية هذه المرحلة التي دامت ( 17 سنة ) تقريباً .
عاش الحسن في بداية هذه الحقبة مع أبويه أحزان رحيل الرسول ( صلّى الله عليه و آله ) و الانقلاب الخطير الذي أقصيَ بموجبه الإمام علي عن الحكم . كان الحسن ( عليه السلام ) شاهداً على تلك الأحداث يمزق قلبه حزن فراق جده ، و الحزن لما أصاب أمه و أباه من ويلات القوم و كأنهم يثأرون من وصي الرسول و بنته ( عليها السلام ) لأجدادهم المشركين و عشائرهم في الجاهلية .
شهد الحسن الهجوم على بيت والديه ، و التنكيل بعلي ( عليه السلام ) و غصب إرث الزهراء . . عاش أجواء المحاصرة لأهل البيت و أنصارهم ، و شهد انقلاب القوم على أعقابهم ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا ... ﴾ .
لمرحلة الثالثة : الإمام الحسن في ظل حكم علي ( عليه السلام )
لم يكن الحسن على خلاف مع أبيه ، بل كان مع الامام علي (عليه السلام)في كل صغيرة و كبيرة لا يعصى له أمر ، كيف لا و هو الأدرى بإمامته و مكانته و أن « علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيث دار » .
ولم يتوقف دوره على القتال بل اعتمد عليه أمير المؤمنين في مهمات أخرى مثل المهمة التي أوكله إياها الإمام علي باستنفار أهل الكوفة للقتال معه في حرب البصرة فسار الحسن ( عليه السلام ) مع عمار بن ياسر و زيد بن حومان و قيس بن سعد و خطب الحسن في الناس و استنفرهم للخروج و كان أبو موسى يثبّط عزائم الناس و يدعو هم لعدم الخروج مدعيا انه سمع رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) يقول : ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم و النائم خير من القاعد فرد عليه عمار بن ياسر و قال : إذا صح! أنك سمعت رسول الله يقول ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك أما أنا فاشهد الله أن رسول الله قد أمر علياً بقتال الناكثين و سمي لي منهم جماعة و أمره بقتال القاسطين و إن شئت لأقيمن لك شهوداً أن رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) قد نهاك وحدك و حذرك من دخول الفتنة
عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال أوصى أمير المؤمنين إلى الحسن و أشهد على وصيته الحسين و محمدا و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته ثم دفع إليه الكتب و السلاح ثم قال لابنه الحسن :
« يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي كما أوصى إلي رسول الله و دفع إليّ كتبه و سلاحه و آمرني أن أمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين . .
ثم أقبل على ابنه الحسن فقال : يا بني أنت وليّ الأمر و وليّ الدم فإن عفوت فلك و إن قتلت فضربة مكان ضربة و لا تأثم »
المرحلة الرابعة : من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح
اجتمع الناس في مسجد الكوفة ينتظرون تأبين الفقيد الغالي الامام علي ( عليه السلام ) ، فقام الامام الحسن ( عليه السلام ) خطيباً : « قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) فيسبقه بنفسه و لقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه و لقد توفي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم و التي توفي فيها يوشع بن نون و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ثم خنقته العبرة فبكى و بكى الناس معه قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد ( صلّى الله عليه و آله ) أنا ابن البشير النذير أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه و السراج المنير أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و الذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول : ﴿ ... وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ... ﴾ فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت »
ثم قام عبيد الله بن العباس بحذاء المنبر في المسجد الجامع و قال بصوته المدوي : « معاشر الناس هذا ابن نبيكم و وصي إمامكم فبايعوه يهدي به الله من اتبع الرضوان سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه و يهديهم إلى صراط مستقيم » .بايعت لكوفة ثم البصرة و المدائن و سائر العراق وبايعه الحجاز و اليمن و فارس ولم يتخلف عن البيعة سوى معاوية و من والاه .
و شرع الحسن في تنظيم أمور الدولة و اتخذ جملة من الإجراءات أهمها : تعيين الولاة و بادر إلى زيادة أفراد الجيش في عطائهم إدراكا منه لما أصاب هذا الجيش من جراحات بعد الحروب العديدة التي خاضها مع الناكثين و المارقين و القاسطين .
المرحلة الخامسة : من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد
لم يبق الحسن ( عليه السلام ) طويلاً في الكوفة بعد عقد الصلح و غادر نحو المدينة مع الحسين و أهل بيته . و جعل الناس يبكون و يسألونه ما حملك على ما فعلت ؟ فيقول : « كرهت الدنيا و رأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غلب ، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي و لا هوى ، مختلفين لا نية لهم في خير و لا شر لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعدي »
و استقرّ الإمام الحسن بالمدينة و دامت هذه الفترة من سنة ( 41 هـ ) عام الصلح إلى سنة ( 51 هـ ) سنة استشهاده .
و تفرغ الإمام في هذه المرحلة لنشر الإسلام و خدمة دين الله و تعليم أحكامه و تعاليمه
الحمد لله الذي بيده مقاليد الامور وبالتوكل عليه الكفاية من كل محذور واصلي على رسوله الصادق الامين المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد المصطفى صل الله عليه واله المنتجبين وعترته المعصومين كهوف الانام ومصابيح الظلام الذي من اوى اليهم فقد امن وبلغ المرام ومن استشفع بهم الى الله عوفي من جميع اللعل والاسقام وانتصر على الطغاة اللئام
قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا) . ( الأحزاب / 33 )
الإمام الحسن ( عليه السلام ) هو من جملة أهل الكساء الخمسة ، الذين نزلت فيهم هذه الآية الكريمه
شخصية الامام الحسن (ع)
عاش الإمام الحسن ( عليه السلام ) على امتداد خمسة عقود تقريبا غنية بالأحداث و التحولات ، هذه الحياة القصيرة نسبياً و اكب الإمام عبرها منعرجات حاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية تحكمت في مصيرها طوال قرون مديدة .
و بنظرة فاحصة يمكن أن نقسم حياة الحسن المجتبى إلى خمس مراحل :
ـ المرحلة الأولى : من الميلاد إلى وفاة الرسول ( صلّى الله عليه و آله ) .
ـ المرحلة الثانية : الإمام الحسن في ظل الخلفاء .
ـ المرحلة الثالثة : الإمام في ظل إمامة الامام علي ( عليه السلام ) .
ـ المرحلة الرابعة : من استشهاد علي ( عليه السلام ) إلى عقد الصلح .
ـ المرحلة الخامسة : من العودة إلى المدينة إلى استشهاده .
المرحلة الأولى : من الميلاد إلى وفاة الرسول
ولد الإمام الحسن ( عليه السلام ) في منتصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة ( 3 هـ ) .
أسماه رسول الله حسناً حيث لم يشأ الامام علي ( عليه السلام ) أن يسبق النبي في تسميته و كان أول من سمي بهذا الاسم . و الحسين اشتق من هذا الاسم أيضا و المروي أن رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) سمى حسناً و حسينا ( عليهما السلام) و اشتق اسم حسين من اسم حسن
لقد عاش الحسن طفولته في أعظم بيوتات التاريخ في ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ﴾ و بين أعظم و أطهر خلق الله ؛ رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) و علي ( عليه السلام ) و فاطمة ( عليها السلام ) ثم الحسين ( عليه السلام ) و في كنف أهل البيت ﴿ ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾
و للأسف فالتاريخ لا يحدثنا كثيراً عن الحسن المجتبى (عليه افضل التحايا والسلام) في هذه الفترة ربما لصغر سنه ، و لكن الروايات خلدت تلك الكلمات العظيمة التي رسخت حب الحسن في وجدان الأمة و عززت مكانته بين صفوفها :
« الحسن و الحسين ريحانتاي من الدنيا » .
« الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة » .
« الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا » .
لم تدم هذه الرعاية النبوية الحانية طويلا فلم يبق الحسن مع الرسول سوى سبع سنوات مرت كطيف نسيم لتعصف بقلب الصبي الطاهر أحزان عميقة تتوالى حلقاتها مع وفاة جده ، ثم أمه . . و تلك المظالم التي ستصب على أهل البيت ( عليهم السلام ) .
مات الرسول ولما يبلغ الحسن الثامنة ، مات رسول الله و هو يتوج حفيده بكلمات شامخة في حقه بأنه وريث هيبته و سؤدده « فقد أتت فاطمة ( عليها السلام ) بابنيها إلى رسول الله في شكواه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال : أما حسن فله هيبتي و سؤددي و أما حسين فله جرأتي و جودي » .
امتزج حزن الامام الحسن(عليه السلام) عن جده بحزن أمه الزهراء على أبيها فهي مازالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة .
المرحلة الثانية : الإمام الحسن زمن الخلفاء
امتدت هذه الفترة إلى سنة 35هـ تقريباً عام مقتل عثمان و مبايعة الإمام علي ( عليه السلام ) و لا يسعفنا التاريخ هنا أيضا بمعلومات كثيرة عن الحسن ( عليه السلام ) خاصة في بداية هذه المرحلة التي دامت ( 17 سنة ) تقريباً .
عاش الحسن في بداية هذه الحقبة مع أبويه أحزان رحيل الرسول ( صلّى الله عليه و آله ) و الانقلاب الخطير الذي أقصيَ بموجبه الإمام علي عن الحكم . كان الحسن ( عليه السلام ) شاهداً على تلك الأحداث يمزق قلبه حزن فراق جده ، و الحزن لما أصاب أمه و أباه من ويلات القوم و كأنهم يثأرون من وصي الرسول و بنته ( عليها السلام ) لأجدادهم المشركين و عشائرهم في الجاهلية .
شهد الحسن الهجوم على بيت والديه ، و التنكيل بعلي ( عليه السلام ) و غصب إرث الزهراء . . عاش أجواء المحاصرة لأهل البيت و أنصارهم ، و شهد انقلاب القوم على أعقابهم ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا ... ﴾ .
لمرحلة الثالثة : الإمام الحسن في ظل حكم علي ( عليه السلام )
لم يكن الحسن على خلاف مع أبيه ، بل كان مع الامام علي (عليه السلام)في كل صغيرة و كبيرة لا يعصى له أمر ، كيف لا و هو الأدرى بإمامته و مكانته و أن « علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيث دار » .
ولم يتوقف دوره على القتال بل اعتمد عليه أمير المؤمنين في مهمات أخرى مثل المهمة التي أوكله إياها الإمام علي باستنفار أهل الكوفة للقتال معه في حرب البصرة فسار الحسن ( عليه السلام ) مع عمار بن ياسر و زيد بن حومان و قيس بن سعد و خطب الحسن في الناس و استنفرهم للخروج و كان أبو موسى يثبّط عزائم الناس و يدعو هم لعدم الخروج مدعيا انه سمع رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) يقول : ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم و النائم خير من القاعد فرد عليه عمار بن ياسر و قال : إذا صح! أنك سمعت رسول الله يقول ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك أما أنا فاشهد الله أن رسول الله قد أمر علياً بقتال الناكثين و سمي لي منهم جماعة و أمره بقتال القاسطين و إن شئت لأقيمن لك شهوداً أن رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) قد نهاك وحدك و حذرك من دخول الفتنة
عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال أوصى أمير المؤمنين إلى الحسن و أشهد على وصيته الحسين و محمدا و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته ثم دفع إليه الكتب و السلاح ثم قال لابنه الحسن :
« يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي كما أوصى إلي رسول الله و دفع إليّ كتبه و سلاحه و آمرني أن أمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين . .
ثم أقبل على ابنه الحسن فقال : يا بني أنت وليّ الأمر و وليّ الدم فإن عفوت فلك و إن قتلت فضربة مكان ضربة و لا تأثم »
المرحلة الرابعة : من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح
اجتمع الناس في مسجد الكوفة ينتظرون تأبين الفقيد الغالي الامام علي ( عليه السلام ) ، فقام الامام الحسن ( عليه السلام ) خطيباً : « قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله ( صلّى الله عليه و آله ) فيسبقه بنفسه و لقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه و لقد توفي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم و التي توفي فيها يوشع بن نون و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ثم خنقته العبرة فبكى و بكى الناس معه قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد ( صلّى الله عليه و آله ) أنا ابن البشير النذير أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه و السراج المنير أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و الذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول : ﴿ ... وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ... ﴾ فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت »
ثم قام عبيد الله بن العباس بحذاء المنبر في المسجد الجامع و قال بصوته المدوي : « معاشر الناس هذا ابن نبيكم و وصي إمامكم فبايعوه يهدي به الله من اتبع الرضوان سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه و يهديهم إلى صراط مستقيم » .بايعت لكوفة ثم البصرة و المدائن و سائر العراق وبايعه الحجاز و اليمن و فارس ولم يتخلف عن البيعة سوى معاوية و من والاه .
و شرع الحسن في تنظيم أمور الدولة و اتخذ جملة من الإجراءات أهمها : تعيين الولاة و بادر إلى زيادة أفراد الجيش في عطائهم إدراكا منه لما أصاب هذا الجيش من جراحات بعد الحروب العديدة التي خاضها مع الناكثين و المارقين و القاسطين .
المرحلة الخامسة : من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد
لم يبق الحسن ( عليه السلام ) طويلاً في الكوفة بعد عقد الصلح و غادر نحو المدينة مع الحسين و أهل بيته . و جعل الناس يبكون و يسألونه ما حملك على ما فعلت ؟ فيقول : « كرهت الدنيا و رأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غلب ، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي و لا هوى ، مختلفين لا نية لهم في خير و لا شر لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعدي »
و استقرّ الإمام الحسن بالمدينة و دامت هذه الفترة من سنة ( 41 هـ ) عام الصلح إلى سنة ( 51 هـ ) سنة استشهاده .
و تفرغ الإمام في هذه المرحلة لنشر الإسلام و خدمة دين الله و تعليم أحكامه و تعاليمه
تعليق