بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وآل محمد
النقد القرآني البناء
بين التقييم والتقويم ـ الجز ـ 4 ـ
حفل القرآن الكريم بكثير من الآيات الكريمة التي تتبع الممارسات والمواقف المتنوعة للرسل والانبياء ولأتباعهم ، مشيرة إلى مواطن الضعف والخلل المقصودة، وغير المقصودة، وهي لا تتبعها لمجرد العرض والإخبار والرواية ، ولكنها تتبع دخائل النفوس وخوالج القلوب ، لتتخذ من الممارسات والمواقف مادة تنبيه وتنوير وتوجيه، وهي لا تعرض الحوادث عرضاً تاريخياً مسلسلاً يقصد الإخبار، ونما تعرضها للعبرة والتربية واستخلاص المفاهيم والقيم وراء الحوادث .
فقد كان النقد البناء التربوي وسيلة للإصلاح، ولذا فليأخذ القادة دروسهم منه دون الاعتذار بأن َ نقد الأخطاء ينبغي التخلي عنه، لوجود الأعداء الذين يتابعون المسيرة ويثيروا الاضطراب حينما نعترف بالأخطاء، فالله تعالى وجه نقده والأمة الإسلامية تحاط بأعداء يتحينون الفرص للنيل من العقيدة ومن الشريعة ومن الأمة ، فلا يمنع وجودهم من ممارسة النقد البناء .
وتجلى النقد الإلهي في متابعة الأمور الاجتماعية والسياسية أكثر من متابعة الأمور الفردية والسخصية، وقد تمثل في المحاور والجوانب التالية:
الاول : نقد القيادة
من الحقائق الثابتة هي أن الله تعالى هو المصدرالوحيد لتربية القادة وهم الأنبياء عليهم السلام ، فهم و إن كانوا أرقى نماذج الشخصية الإنسانية لعصمتهم إلا أنهم بحاجة إلى توجيه ولإرشاد وتنبيه من قبل الله تعالى، فهم الفقراء إليه في جميع أمورهم وأحوالهم وقراراتهم وممارساتهم ، ومن الأولى أن يكون القادة ـ من غيرهم ـ أشد فقراً وأكثر حاجة إلى التربية .
وقد حفل القرآن الكريم بالآيات الكريمة التي توجه النقد للقادة؛ ليكونوا في قمة السمو والتكامل ، والملاحظ في هذه الآيات أنها تتحرك في المجالات الاجتماعية والسياسية والحركية الواقعية بالفعل ن او المحتملة الوقوع، ومن أهمها :ـ
أ ـ اليأس
إن طريق الدعوة إلى الله تعالى حافل بالعقبات والثبطات؛ لأنه يواجه أصنافاً من الناس يختلفون في قبولهم للمفاهيم والقيم الإلهيه، ويختلفون في إمكاناتهم المادية والإعلامية والعسكرية، فلا غرابة أ، يصيب الأنبياء عليهم السلام اليأس من الإصلاح والتغير الذي هو نصر لهم في حركتهم الدؤوبة .
وهذا اليأس أمر طبيعي ، فهو يأس غريزي بشري وخصوصاً أنه في مقام التوجه بان الله تعالى هو مصدر النصر حينما تتحقق شروطه، ولذا نجد القرآن الكريم يوجه نقده لتربية قادة الأمة على الصبر والصمود في شعورها بطول الطريق وقلة الناصر وضعف المعين، فهو توجيه للأمة بالأولوية.
قال تعالى :{ حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبُوا جاءهم نصرنا} ( سورة الرعد : 110 ) .