بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم أجعل صلواتك وصلوات ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك على محمدٍ وأهل بيته عليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته
النقد القرآني البناء بين التقييم والتقويم ــ الجزء ــ 9 ــ
إن النصر لايتحقق إلآ بالاتحاد وطاعة القائد ، وعدم الانسياق وراء مغريات الحياة، وهذه العوامل الثلاثة وما ينطلق منها من مواقف وممارسات عملية في هذا الاتجاه تجعل النصر الإلهي قريباً، كما هو وارد طبقاً للسنن الإلهية الحاكمة على الكون والحياة والإنسان، وقد تحقق النصر في بداية معركة أحد، وقد كان رسول الله ( صلى عليه وآله وسلم ) قد أمر خمسين رجلاً من الرماة وعلى رأسهم عبدالله بن جبير بقوله : (( انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا، فأثبت مكانك؛ لانُؤتينَّ من قبَلك )) ( السيرة النبوية 3 : لابن هشام، مطبعة مصطفى البابي، القاهرة، 1355 هجرية ) .
واكن الرماة ـ بعد أن تحقق النصر ـ اختلفوا فيما بينهم، فثبت بعضهم، وترك الآخرون مواقعهم طلباً للغنيمة، فاستثمر المشركون الفرصة وعادوا من جديد فكانت النتائجفي صالحهم، وانهزم حينئذٍ المسلمون .
قال تعالى : { ولقد صَدَقَكمْ اللهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ بإذْنه حتَّى إذا فَشلْتُمْ وتنازعْتُمْ في الأَمرِ وَعَصيْتُمْ متْ بَعْد مَا أَراكمْ مَا تحبونَ منكمْ مَنْ يُريدُ الدنيَا ومنكم من يُريدُ الأخرةَ ثُمَّ صرَفَكُمْ عنهمْ ليبليكُمْ ولقدْ عفَا عنكمْ واللهُ ذُو فضلٍ على المؤمنينَ } ( سورة لآل عمران : 152 ).
وقد بين الله تعالى أسباب الهزيمة من أ جل تربية الأمة على الإخلاص والتجرد له وحده، وطاعة الرسول ( صلى الله عليه ولآله وسلم ) ، وتوحيد الصفوف وعدم الوهن ، فلما شعرت الأمة بالأخطاء الفادحة وتجاوزتها عفا الله عنها .
ه ــ استشعار الفشل والضعف
إن القرآن الكريم يوجه نقده لأمة المسلمين من اجل أن يستشعروا الرقابة الإلهية، ويستشعروا الرعاية الإلهية التي لا تتأتى جزافاً، وإنما تنطوي على أسس ومقومات ، فاستشعار الفشل والضعف يؤدي إلى عدم تحقيق النصر، واستشعار القوة والرعاية الإلهية المترتبة على الإيمان بولاية وحاكمية الله هي التي تحقق النصر بعد التوجه إلى الله وإيكال الأمر إليه وهو العلة الوحيدة للنصر .
قال الله تعالى : { إذهَمتْ طائِفَتَانِ منكُمْ أَنْ تَفْشلاَ والله وَلِيٌّهُمَا وعلى الله فَلسَتَوكلْ المؤْمنونَ } ( سورة آل عمران : 122 ) .
في هذه الآية المباركة كشف الله تعالى عن المخبوء في هاتين الطائفين، ولم يتستر عليهما، بل أراد أن يربيهما على استشعار الرقابة الإلهية، وعلى استشعار القوة الغيبية الساندة لهم والناصرة لهم وهي دعوة للتوكل على الله تعالى وطلب العون والتسديد منه وحده .
فالنقد هنامنصب على كشف المخبوء لما في ذلك الكثف من مصلحة لهاتين الطائفتين ولمطاق المسلمين ، فالنقد هنا دعوة للحركة والعمل، وليس لتثبيط المعنويات، وقد أصبح درساً وعبرة لتجاوز ظاهر الفشل في المستقبل.
وفي نهاية هذه الآية تأتي الآية اللاحقة خيث تنتقل من محور الفشل المخبوء الى التذكير بالنصر والظفر في معركة بدر .
قال تعالى : { ولقد نصرَكُم الله ببدرٍ وأنتمْ أَذلةٌ فاتقُوا اللهَ لعلكُمْ تَشْكُرون } (سورة لآل عمران 123 ) .
في هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى المسلمين ببدر فهم على قلة عددهم وعدتهم ، وعلى ضعفهم فأنه نصرهم .
ومن خلال الآيتين الكريمتين يوجه الله تعالى عقول وقلوب المسلمين الى أسباب النصر هو تقوى الله وشكره، لانه الذي يملك النصر ويملك القوة والسلطان والهيمنة .
و ــ الغرور والعجب
قال تعالى : { لقد نَصَركم اللهُ في مَوَطنَ كثيرة ويومْ حُنين إذ أعجبتكُمْ كَثْرتُكُمْ فَلمْ تُغْنِ عَنْكمْ شيْئاً وضاقتْ عليْكُمْ اللأرْضُ بما رَحُبَتْ ثم وَليتمْ مُدبِرِنَ * ثم أنزلَ اللهُ سَكينتهُ عَلى رَسُوِلِه وعلى المُؤْمنينَ وأَنزَلَ جٌنُوداً لم تَروها وعَذَّبَ الذينَ كَفرُوا وذلك جَزَاءُ الكَافرينَ } ( سورة التوبة : 25 ،26 ) .
أوكل الله تعالى أمر النصر إليه وهذه سنة إلهية فالنصر لا يعتمد على الكثرة والعدة بمفردها إن لم يكن هنالك إخلاصاً وتجرداً لله تعالى والاعتقاد بأنه الناصر والمعين .
وفي معركة حنين أعجب المسلمين كثرتهم وأصابهم الغرور بالاعتماد على قوة غير قوة الله تعالى ، فبين الله لهم أن الكثرة العددية ليست بشيء، وأنها لا تحسم المعركة لصالحهم، إنما القلة القليلة العارفة ، المتصلة بالله تعالى هي التي تحقق النصر برعايته تعالى، فالكثرة لم تنفع في تحقق النصر، وإنما الذي حقق النصر هو القلة التي ثبتت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث أنزل الله سكينته عليهم، وأنزل عليهم جنوداً لم يروها فتحقق النصر، ثبتت القلوب وهدأت الانفعالات الناجمة عن العجب والغرور بعد شعورها بأن النصر من الله تعالى .

تعليق