بم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين :
وبعد :
اذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجدنا
الكثير من الذنوب والمعاصي فكانت كثيرا ما تتآمر مع حفصة على النبي حتى اضطرته
إلى تحريم ما أحل الله له كما جاء ذلك في البخاري ومسلم وتظاهرتا عليه أيضا كما
أثبت ذلك كل الصحاح وكتب التفسير وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز .
كما كانت الغيرة تسيطر على قلبها وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرفا بغير
احترام ولا أدب ، فمرة قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما ذكر عندها
خديجة : مالي ولخديجة إنها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيرا منها ، فغضب لذلك
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى اهتز شعره([1] ) ومرة أخرى بعث إحدى
أمهات المؤمنين للنبي ( وكان في بيتها ) بصحفة فيها طعام كان النبي صلى الله عليه
وآله وسلم يشتهيه ، فكسرت الصحفة أمامه بطعامها[2] وقالت للنبي مرة أخرى : أنت
الذي تزعم أنك نبي الله ([3])
ومرة غضبت عنده فقالت له : اعدل وكان أبوها حاضرا
فضربها حتى سال دمها ( [4])
وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت
النعمان لما زفت عروسا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت لها : أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله
منك ، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق المرأة البريئة الساذجة والتي طلقها النبي بسبب
هذه المقالة كما جاء في الطبقات الكبرى لإبن سعد .
وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،
أنه كان يصلي وهي باسطة رجليها في قبلته فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها وإذا قام
أعادت بسطتها في قبلته .
وتآمرت هي وحفصة مرة أخرى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى اعتزل
نساءه بسببها لمدة شهر كامل ينام على حصير .
ولما نزل قول الله تعالى : ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء قالت للنبي في غير حياء : ما أرى ربك إلا يسارع
في هواك ([5])
وكانت عائشة إذا غضبت ( وكثيرا ما كانت تغضب ) تهجر اسم النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فلا تذكر اسم محمد وإنما تقول ورب إبراهيم .
وقد أساءت عائشة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا وجرعته
الغصص ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤوف رحيم ، وأخلاقه عالية وصبره عميق ،
فكان كثيرا ما يقول لها : ألبسك شيطانك يا عائشة وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله
لها ولحفصة بنت عمر ، وكم من مرة ينزل القرآن بسببها
فقد قال تعالى لها ولحفصة : وإن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، أي أنها زاغت
وانحرفت عن الحق .
وقوله : إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح
المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا هو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي
كانت كثيرا ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها .
وقال الله لهما : عسى ربه إن طلقكن أن
يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة
عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري .
فدلت هذه الآية لوحدها على وجود نساءمؤمنات في المسلمين خير من عائشة .
ومرة بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد أن يخطب لنفسه
شراف أخت دحية الكلبي ، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ولما رجعت كانت الغيرة قد
أكلت قلبها فسألها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رأيت يا عائشة ؟ فقالت :
ما رأيت طائلا ! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد رأيت طائلا ،
لقد رأيت خالا تجدها اقشعرت منه ذوائبك . فقالت : يا رسول الله ما دونك سر ، ومن
يستطيع أن يكتمك . ذكر ذلك في طبقات ابن سعد وكنز العمال !!
وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مؤامرات كانت
في أغلب الأحيان تجر معها حفصة بنت عمر والغريب أننا نجد تفاهما وانسجاما تاما
بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر غير أنه في
النساء كانت عائشة دائما هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي كانت تجر
حفصة بنت عمر وراءها في كل شئ . بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفا أمام عمر الذي كان
هو الجرئ والقوي وصاحب المبادرة في كل شئ ولقد رأينا في ما مر من الأبحاث أنه
حتى في خلافته كان ابن الخطاب هو الحاكم الفعلي - وقد حدث بعض
المؤرخين أن عائشة لما همت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي فيما سمي
بحرب الجمل أرسلت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين تسألهن
الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلا حفصة بنت عمر التي تجهزت وهمت بالخروج معها
لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطت رحلها ([6])
- ومن أجل ذلك
كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معا في قوله : ((وإن تظاهرا عليه فإن الله هو
مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا))
وكذلك قوله
( إن تتوبا إلىالله فقد صغت قلوبكما )) ولقد ضرب الله لهما مثلا خطيرا في سورة التحريم ليعلمهما

وبقية المسلمين الذين يعتقدون بأن أم المؤمنين تدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب
لأنها زوجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كلا ، فقد أعلم الله عباده ذكورا
وإناثا بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتى ولو كان الزوج رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم وإنما الذي ينفع ويضر عند الله هو فقط أعمال الإنسان . قال تعالى :
((ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا
صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل أدخلا النار مع الداخلين))
[ التحريم : 10 ] .
((وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت : رب ابن لي عندك بيتا في
الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين . ومريم ابنة عمران التي
أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين))
[ التحريم : 11 - 12 ] .
وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا
أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلا إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة ، وإلا فإن العذاب
يكون مضاعفا . لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذب البعيد الذي لم يسمع الوحي
كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم
يعرف الحق .
وبهذا يتبين ان صاحبة الجمل هي أيضاً رأساً للفتنه كأبيها ، فتأمل !!
[1] - صحيح البخاري ج4ص234باب تزويج النبي وكذلك جاء في صحيح مسلم
[2] - صحيح البخاري ج6ص157 باب الغيرة
[3] - أحياء علوم الدين للامام الغزالي ج2ص29 كتاب أدب النكاح
[4] - كنز العمال ج6 ص116
[5] - صحيح البخاري ج6 ص24 و128 باب هل المرأة ان تهب لنفسها لأحد
[6] - ابن ابي الحديد شرح نهج البلاغة ج2 ص80
تعليق