بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبن الطاهرين وعجل فرجهم يا كريم. اما بعد:
ان هذه القاعدة هي من القواعد التي لم تذكر في كلمات المتقدمين وان كانت مذكورة فهي لم تذكر بهذا الشكل الصريح وانما تداول استعمالها لدى المتأخرين وهي من القواعد الظريفة التي يستعين بها الفقيه وتورث له طمأنينة النفس بصحة الاستنباط.
وسنتحدث عنها في مطلبين:
المطلب الاول: مجالات استعمال القاعدة:
ان مجالات استعمال القاعدة المذكورة متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- ان يفترض وجود دليل لفظي ظاهر في معنى معين ولكن ترفع اليد عن هذا الظهور ويحمل على معنى اخر تمسكا بهذه القاعدة وذلك من قبل قوله تعالى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] فان ظاهر قوله تعالى (فاستعذ) هو وجوب الاستعاذة (لان صيغة الامر ظاهرة في الوجوب) عند قراءة القران الكريم
ولكن هل يفتي الفقيه على طبق الظهور المذكور؟
الجواب: كلا.
ولماذا؟
ذلك ان الفقيه انما يرفع يده عن هذا الظهور في الوجوب ويحمله على الاستحباب من جهة ان الاستعاذة لو كانت واجبة لاشتهر امرها بين الفقهاء والمتشرعة اذ الفقهاء يلزمهم الإفتاء بذلك كما ان المتشرعة يلزمهم الالتزام بهذه الفتوى فان القضية المذكورة قضية ابتلائية يواجهها المؤمنون صباحا ومساءا عند قراءتهم للقران الكريم ويلزم ان يكثر السؤال بلحاظها ويشتهر الإفتاء في امرها والحال اننا لم نجد أحدا من الفقهاء يفتي بذلك كما ان سيرة المتشرعة ليست على هذا النحو من الالتزام بالاستعاذة عند قراءة القران الكريم.
فالوجوب المستفاد من ظاهر الآية الكريمة لو كان ثابتا حقا لاشتهر وبان وعدم اشتهاره دليل على نفيه فلا يلتزم الفقيه آنذاك بالظهور المذكور ويحمل الحكم فيه على الاستحباب للنكتة المذكورة.
ونظير هذا قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] فان ظاهر الآية الكريمة هو الوجوب أي وجوب الاستماع والانصات عند قراءة القران الكريم مع ملاحظة ان المراد من الاستماع والانصات في المقام ليس هو السكوت او عدم التكلم فحسب بل هو توجيه الذهن والنفس الى القران عند قراءته.
وهذا المعنى (أي وجوب الاستماع والانصات) لم يلتزم به فقيه او متشرع اذ لا يوجد متشرع يحتمل انه لو قرء القران يلزمه (إضافة الى السكوت) ان يبقي ذهنه متوجها الى القران بكله انه شيء غير محتمل جزما وليست عليه سيرة المتشرعة بل ولا فتوى الفقهاء.فالوجوب المذكور لو كان ثابتا حقا لاشتهر وبان فعدم اشتهاره يكشف عن عدمه.
2- ومن تلك المجالات التي تستعمل فيها القاعدة المذكورة امضاء السيرة العقلائية فانه توجد سيرة لدى العقلاء على التمسك بالظهور فيقال في اثبات حجية هذه السيرة:
ان الشارع لو لم يرتض بهذه السيرة لكانت له سيرة او طريقة أخرى مغايرة في مقام التفهيم والتفهم والمحاورة ويلزم من ذلك اشتهار الطريقة المذكورة لان المسالة ابتلائية وعدم اشتهار طريقة أخرى مغايرة لما عليه العقلاء يكشف عن رضا الشارع بهذه السيرة العقلائية وامضائها.
3- إذا فرض ان مسالة ما قد اشتهر في حقها حكم معين ولكن لا يوجد نص لفظي ينفي ذلك الحكم او يثبته فانه يمكن التمسك بهذه القاعدة لإثبات الحكم المذكور في هذه المسالة وهذا المعنى يمكن التمثيل له بمسالة الاجارة هل هي لازمة او لا فانه لو فرض اننا لم نستفد من أي دليل لفظي كونها لازمة وقلنا ان قوله تعالى {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] لا يمكن التمسك به او انه يمكن ذلك ولكن أردنا ان نضيف اليه دليلا آخر فبالإمكان ان نستدل على ذلك ونقول:
ان المعروف بين الفقهاء والمتشرعة لزوم الاجارة وبما ان هذه المسالة –أي مسالة الاجارة-قضية ابتلائية فهي يلزم ان يكون حكمها من حيث اللزوم والجواز واضحا وحيث ان الجواز ليس هو الحكم الواضح بين الفقهاء والمتشرعة فهذا المعنى يكشف عن كون الحكم الشرعي هو اللزوم والا-أي لو كان الحكم هو الجواز-لاشتهر ذلك وبان بين الفقهاء والمتشرعة وكان شيئا معلوما وبما انه ليس كذلك فيكون الحكم هو اللزوم.
يتبع>>>>


تعليق