بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
ابن تيمية واضحوكة تحامله : قال في منهاجه (أن هبوط جبرئيل وميكائيل لحفظ واحد من الناس من أعظم المنكرات ، فإن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا ، وإنما روي هبوطهما يوم بدر للقتال ، ولو نزلا لحفظ واحد من الناس لنزلا لحفظ النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصديقه اللذين كان الأعداء يطلبونهما من كل وجه ...)1 . ويتوجه عليه (مضافاً إلى منع أن الكفار كانوا يطلبون أبا بكر من كل وجه ، وإنما كانوا يطلبون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلو ظفروا به تركوا أبا بكر من غير حاجة إليه ، حيث لم يكن عندهم صاحب دعاية ولا ذا بأس وقوة ) أن القرآن مصرّح بنزول السكينة على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) عند خروجه من الغار ومعه أبو بكر ، في قوله تعالى (إن لا تنصروه فقد نصره الله ، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ، إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه لا تحزن أن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيّده بجنود لم تروها )2 . فلم يستغن نبيه ( صلى الله عليه وآله ) عن هذا النحو من الحفظ ، فكيف يقول ابن تيمية أن نزول جبرئيل وميكائيل لحفظ واحد ، من المنكرات ؟ والحال أن الله تعالى مع قدرته التامة على حفظ رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أمره بالهرب عن المشركين ليلاً ، ثم انزل السكينة عليه ( صلى الله عليه وآله ) وأيده بالملائكة . وحمل التأييد بالجنود المغيّبة على واقعة بدر ، تأويل بعيد لا غاية فيه إلا إرجاع السكينة إلى أبي بكر ، لكن وحدة السياق تدل على أن صاحب السكينة والمنزّل عليه الجنود من الله تعالى هو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى أي حال لا وجه لإنكار ابن تيمية نزول الملائكة لحفظ شخص أو أشخاص من المؤمنين ، كيوم بدر في قوله تعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين )3 . وكيوم الأحزاب في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها )4 . وفي واقعة حنين في قوله تعالى (ثم وليتم مدبرين ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم تروها )5 . أفلا يخرج ابن تيمية إلى الأنصاف ويترك التحامل الواهي على علي ( عليه السلام ) وعلى الشيعة ؟ وأنك لو راجعت (المنهاج) 6 . رأيت ما فيه : أولا : من دعوى كذب الحديث في نزول الآية في علي ( عليه السلام ) وقد عرفت أن الحديث فوق التواتر لفظاً ومعنى . وثانياً : دعوى أن عليا ( عليه السلام ) لم يصبه أذى من قريش ، وكانت له الطمأنينة بوعد من النبي ( صلى الله عليه وآله ) وفيه : أن عدم ترتب الأذى أنما هو لحفظ من الله تعالى ، لا لعدم كونه في معرض التلف ، وقد عرفت أن لفظ الشراء يدل على كون الشاري نفسه في المعرض ، سواء نزلت الآية في علي ( عليه السلام ) أو في عموم من يبذل نفسه في سبيل الله ، وهذا نظير وقائع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بدر واُحُد وحُنين ، فانه ( صلى الله عليه وآله ) كان في معرض التلف ووقوع الأذى ، مع أن الله تعالى وعده بالنصر وظهور الأمر ، وقال (والله يعصمك من الناس )7 . قال الفخر الرازي في تفسيره ـ نقلاً عن أبي علي الجبائي ـ : أننا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول ...8 . وثالثا : قوله : كيف يقول الله تعالى للملكين : أيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ أن كان الله قد قضى بأن عمر أحدهما أطول من الآخر ، فهو على ما قضاه . فانه يتوجه عليه : بان الله عزّوجلّ قضى بأن يكون عمر أحدهما أطول لو لا الرضا من الآخر بالتساوي وإعطاء الزائد المقدّر . قوله (مع {أن}الإكراه بدفع الزائد يورث العداوة والبغضاء ) قلنا إذا كانت هناك مصلحة في الإعطاء ، فلا غضاضة ولا بغضاء ، إذ (لا يسبقونه بالقول ولا بأمره يعملون )9 . وأما توجيه السؤال إلى جبرئيل وميكائيل فالغرض منه ـ لعله ـ الامتحان ، كتوجيه السؤال من الملكين نجو داود ( عليه السلام ) اُذ تسوروا المحراب ، وذلك امتحاناً ليرونه انه يحكم بالحق . كذلك الحال في توجيه السؤال إلى الملكين المعظّمين اراءةً لعظم مقام علي ( عليه السلام ) واستعداده لبذل نفسه فداءا للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بأبلغ ذكر وأوفى بيان ورابعا : قوله : أن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا . ويتوجه عليه : أن هذا من الله أحد أسباب الحفظ وموجباته ، وقد عرفت نزول الملائكة لحفظ المؤمنين في الوقائع المهمة ، قال تعالى (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ، يضربون وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق )10 . وخامساً : دعواه أن فضيلة الهجرة لأبي بكر لم تحصل لغيره من الصحابة . ويتوجه على : انه أي حجة من الشرع على أرجحيّة هذه الفضيلة على فضائل اخرى ثابتة لبعض الاصحاب ؟ نحو جهاد عبيدة يوم بدر ، وجهاد حمزة سيد الشهداء يوم بدر واُحد ، وهجرة جعفر ( عليه السلام ) وجهاده يوم مؤته ، وكذلك ما ظهر من طلحة وسعد بن أبي وقاص ، ومصعب بن عمير ، وأبي دُجانة يوم اُحد من المدافعة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى جمع ( صلى الله عليه وآله ) لسعد بين أبويه ، ولم يُذكر لأبي بكر ولا لعمر في تلك الشدائد والمحن اسم ولا رسم ولا طعن . وسادسا : ادعاؤه ـ كغيره ـ أن آية الشراء مطلق ، ليس فيها تخصيص بعلي ( عليه السلام ) بل كل من باع نفسه ابتغاء مرضات الله فقد دخل فيها . ويتوجه عليه : أن هذه دعوى لا مخلص لابن تيمية عن محذورها ، فأنه يقال : عليه أن آية الهجرة والصحبة مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الغار أيضا ليس فيها تعيين وتخصيص بأبي بكر ، بل كل آية في القرآن يدعي ابن تيمية واصحابه أن المراد بها أبو بكر ، خاليه عن التعيين ، ولو لزمنا الرجوع إلى الحديث لتخصيص آية الشراء بعلي ( عليه السلام ) كان كلزوم رجوعكم اليه لتعيين أبي بكر ، إذ ليس في القرآن أزيد من قوله (...ثاني اثنين إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه لا تحزن ...)11 . من غير ذكر اسم أبي بكر ، وانما عُلم انه أبو بكر بالخبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 منهاج السنة النبوية 4/32 .
2 سورة البراءة /40 .
3 سورة الانفال /9 .
4 سورة الاحزاب /9 .
5 سورة البراءة /26 .
6 منهاج السنة النبوية 4/31 .
7 سورة المائدة /67 .
8 التفسير الكبير 16/68 .
9 سورة الانبياء /27 .
10 سورة الانفال /50 .
11 سورة البراءة /40 .
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
ابن تيمية واضحوكة تحامله : قال في منهاجه (أن هبوط جبرئيل وميكائيل لحفظ واحد من الناس من أعظم المنكرات ، فإن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا ، وإنما روي هبوطهما يوم بدر للقتال ، ولو نزلا لحفظ واحد من الناس لنزلا لحفظ النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصديقه اللذين كان الأعداء يطلبونهما من كل وجه ...)1 . ويتوجه عليه (مضافاً إلى منع أن الكفار كانوا يطلبون أبا بكر من كل وجه ، وإنما كانوا يطلبون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلو ظفروا به تركوا أبا بكر من غير حاجة إليه ، حيث لم يكن عندهم صاحب دعاية ولا ذا بأس وقوة ) أن القرآن مصرّح بنزول السكينة على نبيه ( صلى الله عليه وآله ) عند خروجه من الغار ومعه أبو بكر ، في قوله تعالى (إن لا تنصروه فقد نصره الله ، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ، إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه لا تحزن أن الله معنا ، فأنزل الله سكينته عليه ، وأيّده بجنود لم تروها )2 . فلم يستغن نبيه ( صلى الله عليه وآله ) عن هذا النحو من الحفظ ، فكيف يقول ابن تيمية أن نزول جبرئيل وميكائيل لحفظ واحد ، من المنكرات ؟ والحال أن الله تعالى مع قدرته التامة على حفظ رسوله ( صلى الله عليه وآله ) أمره بالهرب عن المشركين ليلاً ، ثم انزل السكينة عليه ( صلى الله عليه وآله ) وأيده بالملائكة . وحمل التأييد بالجنود المغيّبة على واقعة بدر ، تأويل بعيد لا غاية فيه إلا إرجاع السكينة إلى أبي بكر ، لكن وحدة السياق تدل على أن صاحب السكينة والمنزّل عليه الجنود من الله تعالى هو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى أي حال لا وجه لإنكار ابن تيمية نزول الملائكة لحفظ شخص أو أشخاص من المؤمنين ، كيوم بدر في قوله تعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين )3 . وكيوم الأحزاب في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها )4 . وفي واقعة حنين في قوله تعالى (ثم وليتم مدبرين ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنودا لم تروها )5 . أفلا يخرج ابن تيمية إلى الأنصاف ويترك التحامل الواهي على علي ( عليه السلام ) وعلى الشيعة ؟ وأنك لو راجعت (المنهاج) 6 . رأيت ما فيه : أولا : من دعوى كذب الحديث في نزول الآية في علي ( عليه السلام ) وقد عرفت أن الحديث فوق التواتر لفظاً ومعنى . وثانياً : دعوى أن عليا ( عليه السلام ) لم يصبه أذى من قريش ، وكانت له الطمأنينة بوعد من النبي ( صلى الله عليه وآله ) وفيه : أن عدم ترتب الأذى أنما هو لحفظ من الله تعالى ، لا لعدم كونه في معرض التلف ، وقد عرفت أن لفظ الشراء يدل على كون الشاري نفسه في المعرض ، سواء نزلت الآية في علي ( عليه السلام ) أو في عموم من يبذل نفسه في سبيل الله ، وهذا نظير وقائع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بدر واُحُد وحُنين ، فانه ( صلى الله عليه وآله ) كان في معرض التلف ووقوع الأذى ، مع أن الله تعالى وعده بالنصر وظهور الأمر ، وقال (والله يعصمك من الناس )7 . قال الفخر الرازي في تفسيره ـ نقلاً عن أبي علي الجبائي ـ : أننا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول ...8 . وثالثا : قوله : كيف يقول الله تعالى للملكين : أيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ أن كان الله قد قضى بأن عمر أحدهما أطول من الآخر ، فهو على ما قضاه . فانه يتوجه عليه : بان الله عزّوجلّ قضى بأن يكون عمر أحدهما أطول لو لا الرضا من الآخر بالتساوي وإعطاء الزائد المقدّر . قوله (مع {أن}الإكراه بدفع الزائد يورث العداوة والبغضاء ) قلنا إذا كانت هناك مصلحة في الإعطاء ، فلا غضاضة ولا بغضاء ، إذ (لا يسبقونه بالقول ولا بأمره يعملون )9 . وأما توجيه السؤال إلى جبرئيل وميكائيل فالغرض منه ـ لعله ـ الامتحان ، كتوجيه السؤال من الملكين نجو داود ( عليه السلام ) اُذ تسوروا المحراب ، وذلك امتحاناً ليرونه انه يحكم بالحق . كذلك الحال في توجيه السؤال إلى الملكين المعظّمين اراءةً لعظم مقام علي ( عليه السلام ) واستعداده لبذل نفسه فداءا للنبي ( صلى الله عليه وآله ) بأبلغ ذكر وأوفى بيان ورابعا : قوله : أن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا . ويتوجه عليه : أن هذا من الله أحد أسباب الحفظ وموجباته ، وقد عرفت نزول الملائكة لحفظ المؤمنين في الوقائع المهمة ، قال تعالى (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ، يضربون وجوههم وأدبارهم ، وذوقوا عذاب الحريق )10 . وخامساً : دعواه أن فضيلة الهجرة لأبي بكر لم تحصل لغيره من الصحابة . ويتوجه على : انه أي حجة من الشرع على أرجحيّة هذه الفضيلة على فضائل اخرى ثابتة لبعض الاصحاب ؟ نحو جهاد عبيدة يوم بدر ، وجهاد حمزة سيد الشهداء يوم بدر واُحد ، وهجرة جعفر ( عليه السلام ) وجهاده يوم مؤته ، وكذلك ما ظهر من طلحة وسعد بن أبي وقاص ، ومصعب بن عمير ، وأبي دُجانة يوم اُحد من المدافعة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى جمع ( صلى الله عليه وآله ) لسعد بين أبويه ، ولم يُذكر لأبي بكر ولا لعمر في تلك الشدائد والمحن اسم ولا رسم ولا طعن . وسادسا : ادعاؤه ـ كغيره ـ أن آية الشراء مطلق ، ليس فيها تخصيص بعلي ( عليه السلام ) بل كل من باع نفسه ابتغاء مرضات الله فقد دخل فيها . ويتوجه عليه : أن هذه دعوى لا مخلص لابن تيمية عن محذورها ، فأنه يقال : عليه أن آية الهجرة والصحبة مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في الغار أيضا ليس فيها تعيين وتخصيص بأبي بكر ، بل كل آية في القرآن يدعي ابن تيمية واصحابه أن المراد بها أبو بكر ، خاليه عن التعيين ، ولو لزمنا الرجوع إلى الحديث لتخصيص آية الشراء بعلي ( عليه السلام ) كان كلزوم رجوعكم اليه لتعيين أبي بكر ، إذ ليس في القرآن أزيد من قوله (...ثاني اثنين إذ هما في الغار ، إذ يقول لصاحبه لا تحزن ...)11 . من غير ذكر اسم أبي بكر ، وانما عُلم انه أبو بكر بالخبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 منهاج السنة النبوية 4/32 .
2 سورة البراءة /40 .
3 سورة الانفال /9 .
4 سورة الاحزاب /9 .
5 سورة البراءة /26 .
6 منهاج السنة النبوية 4/31 .
7 سورة المائدة /67 .
8 التفسير الكبير 16/68 .
9 سورة الانبياء /27 .
10 سورة الانفال /50 .
11 سورة البراءة /40 .
