بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد واله الطاهرين, والحمد لله رب العالمين
الاشكال الاول : اشكال الرازي.
قال الرازي في تفسيره : ......واما حمل الاية على الائمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه :
احدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم ، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا ، وظاهر قوله : { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ } يقتضي الاطلاق ، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال ، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة ، وهو قوله : { وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ } واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.
الجواب:
نقول : نعم طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، لكن أيّ مانع منع الأُمّة من معرفتهم والوصول إليهم، حتّى تكون طاعتهم قبل معرفتهم تكليف ما لا يطاق؟!
وهل كان المنع أو المانع من الأئمّة المعصومين أنفسهم أو من غيرهم؟!
ومتى أرادت الأُمّة الوصول إليهم فلم يمكنهم ذلك؟!
هذا بالنسبة إلى سائر الأئمّة المعصومين... أمّا بالنسبة إلى خصوص أمير المؤمنين... فقد عرّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منذ يوم الدار... وحتّى يوم الغدير، وعرفه القوم، حتّى بايعوه كلّهم عن رغبة في ذلك اليوم!!
إنّ هذه التكلّفات ـ في الآية ونحوها ـ لا تنفع إمام الأشاعرة، عند الحساب في الآخرة هذه التمحّلات لا تخلّص أحداً من الأكابر ولا الأصاغر، (يوم تبلى السرائر * فما له من قوّة ولا ناصر)(10)، واللّه يحكم بيننا وبينهم بالعدل وهو خير الحاكمين.
************************************************** **************
جواب اخر:
والذي يرد على الفخر الرازي في استفادته وجوب اطاعة أهل الاجماع وانهم هم المراد من كلمة أولي الأمر لا الأئمة بناؤه هذه الاستفادة على اعتبار معرفة متعلق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط لتعذر معرفة الأئمة والوصول اليهم ينتفي المشروط.
وهذا النوع من الاستفادة غريب في بابه، اذ لازمه ان تتحول جميع القضايا المطلقة الى قضايا، مشروطة لأنه ما من قضية الا ويتوقف امتثالها على معرفة متعلقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلق شرطا فيها لزمت ان تكون مشروطة.
والظاهر ان الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدمة الوجوب وما كان من سنخ مقدمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلق انما هو من النوع الثاني أي من نوع ما يتوقف عليه امتثال التكليف لا أصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد فيما نعلم بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه، اذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولد منه وجوب لمقدماته وبعد وجودها لا معنى لتولد الوجوب منه بالنسبة اليها
مروم تحصيل الحاصل.
وعلى هذا فوجوب معرفة المتعلق للتكليف، لايمكن أخذه شرطا فيها بما هو متعلق لها لتأخره رتبة عنها، ويستحيل أخذ المتأخر في المتقدم للزوم الخلف أو الدور.
على ان هذا الاشكال وارد عليه نقضا، لأن اجماع أهل الحل والعقد هو نفسه مما يحتاج الى معرفة، وربما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد لاحتياجها الى استيعاب جميع المجتهدين وليس من، السهل استقراؤهم جميعا والاطلاع على آرائهم، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الاطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط والاشكال نفس الاشكال.
والغريب في دعواه بعد ذلك ادعاء العجز عن الوصول الى الأئمة ومعرفة آرائهم!! مع توفر أدلة معرفتهم وامكان الوصول الى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين.
* ثم ان استفادة الاجماع من كلمة (أولي الأمر) مبنية على ارادة العموم المجموعي منها وحملها على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهر من هذا النوع من العمومات هو العموم الاستغراقي المنحل في واقعه الى أحكام متعددة بتعدد أفراده، ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية، يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبيا، فلو قال الشارع:
اعطوا زكواتكم لأولي الفقر والمسكنة مثلا فهل معنى ذلك لزوم اعطائها لهم مجتمعين واعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل (أولو الأمر) في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة وما ذكره من القرينة لاتصلح لذلك مادام أهل الاجماع أنفسهم مما يحتاجون الى المعرفة كالائمة،
ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين كما قلنا وبخاصة بعد توفر وسائل معرفتهم وأخذ الأحكام عنهم.
وقد اتضحت الاجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من اشكالات.
أما الاشكال الأول فهو بالاضافة الى وروده نقضا عليه لأن اطاعة الله والرسول وأهل الحل والعقد كلها مما تتوقف على المعرفة؛ ان المعرفة لا يمكن أخذها قيدا في أصل التكليف لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على اطاعة الله والرسول كلها مقيدة بها فلا يزلم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول. (السنة في الشريعة الاسلامية .... محمد تقي الحكيم)
