كيف تكون عاملا وصانعا[1] ناجحاً في عملك
إنّ الله يحبّ الشابّ الذي يعمل ، ويكره من كان فارغاً لا شغل له ، فإنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لمّـا رأى شابّاً وأعجبه فسأل عن عمله فقالوا : لا شغل له . فقال : « سقط من عيني » ، وهذا يعني أنّ رسول الاسلام يحثّ المسلمين على العمل ، ولا بدّ من شغل شاغل ، فلا كسل ولا ضجر ، فإنّهما يضيّعان الحقّ ، فمن الإنسان الحركة ومن الله البركة ، وهذا أصل أصيل يقرّ به العقل النبي الباطني ، كما يحثّ عليه الدليل النقلي أي الرسول الظاهري ، فالحُجّتان الظاهرية والباطنية متعاضدتان ومتّفقتان على أنّ الإنسان لا بدّ له من شغل وعمل متواصل ، وأنّ الكاسب حبيب الله ، والساقط من لا عمل له ، ويقضي نهاره وساعاته عاطلا باطلا ، يذرع ويهندس الشوارع والطرق ، أو بين النوم والخلسة ، أو لقاء المقاهي والكازينوهات .
ثمّ الاعمال مختلفة ومتفاوتة ، ولمّـا كان المقصود بقاء النوع الإنساني ، وحكومة النظام والقانون البشري ، وإنّ الانسان مدني الطبع ، وكلّ واحد يحتاج إلى الآخر ، وأنّ المقاصد مختلفة ، والاحتياجات متعدّدة ، لتعدّد جوانب الحياة وتركّب الانسان من روح وجسد ، واختلاف مقتضياتهما ، وإنّ المجتمع يحتاج إلى طبيب كما يحتاج إلى عالم ديني ، ليكون الأوّل معالج الجسد في أمراضه وأسقامه ، والثاني معالج الروح في صفاتها الذميمة ورذائل الأخلاق وكلاهما يسعيان في سعادة الإنسان ، كما يحتاجان إلى البنّاء والقصّاب والبقّال وغيرهم ، وكذلك هم يحتاجون إليهما ، فكلّ واحد يفتقر إلى شغل الآخر ، وهذه سنّة الحياة وضرورة العيش التي لا يمكن إنكارها ، فإنّها من القضايا التي قياساتها معها ، كما هو واضح .
ثمّ الناس في حِرَفهم وأشغالهم وفنونهم بين مدير وعامل ، وتاجر وصانع ، وربّ عمل ومربوب ، واُستاذ وتلميذ ، وعالم ومتعلّم ، وطبيب ومريض ، فليس الكلّ سواسية ، بل اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الاختلاف في العقول والنفوس والاستعدادات والنشاطات والتقدّم والازدهار ، إلاّ أنّ الطريق مفتوح أمام الجميع على حدّ سواء .
( وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى )([2]) .
وهو الذي يقرّر مصيره بلا جبر ولا قسر ، بل بيده الاختيار ، وبيده مفتاح التوفيق في الحياة ، وإنّه هو الذي يسعد نفسه ، أو يجعلها من الأشقياء والتعساء .
( إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً )([3]) .
والتوفيق إنّما هو خير رفيق في حياة الانسان بشرط أن يكون هو من أهل التوفيق ، ويجلب لنفسه التوفيق ، ويفكّر ويدبّر ويعمل بكياسة وسياسة وحنكة وحزم وعزم وصبر حتّى يطوي مدارج التوفيق ، وحتّى يفوق أقرانه ويصعد القمّة بعد جُهد جهيد ، وعمل دؤوب ، ويكون سعيداً في حياته ، كما يُسعد به الآخرون .
هذا وهناك عوامل أساسيّة للتوفيق والتقدّم والسعادة ، وكأ نّها قوانين رياضيّة وحسابات جبريّة غير قابلة لتخلّف ، فإنّ الواحد زائد واحد يساوي إثنان ، وهذا لا يمكن تغيّره وتبدّله ، لأ نّه قانون رياضي حاكم على الكون كلّه ، وكذلك هناك عوامل في نجاح الانسان في حياته العلمية والعملية ، يفوز وينجح من طبّقها وعمل بها وجعلها نصب عينيه في حياته الفرديّة والاجتماعيّة .
ومقصودنا من هذه المقالة القصيرة أن نذكر أهمّ العوامل التي توجب تقدّم العامل الصانع في عمل ما أو معمل أو دكان في حرفة أو مهنة ، بل في أيّ مجال من مجالات الحياة العمّـاليّة ، كصانع التاجر أو صانع النجّار أو بائع الأحذية أو الذي يشتغل في طبع الكتب أو الصحافة أو ما شابه ذلك ، فإنّ من لم يوفّق في إكمال دراسته أو أراد أن يتّجه إلى عمل من الأعمال لضرورة الحياة وصعوبتها ومشاكلها التي ربما تمنع طالب المدرسة أن يكمل دراسته ، فتسوقه المشاكل وصعوبة العيش إلى أن يدخل في حرفة أو يختار مهنة ، ليزاول صنعة وفنّ وعمل ، فعليه أوّلا أن لا يضجر ولا يكسل ولا ييأس ، بل بإمكانه أن يعوّض دراسته بمهنته الجديدة بعد أن يتفوّق بها ، ويتقدّم وتزدهر حياته العمليّة والصناعية أو التجارية أو ما شابه ذلك ، ولا بدّ لمن أراد النجاح في مهنة وصنعة أن يكون صانعاً أوّلا حتّى يكسب الخبرة والتجربة في تلك الصنعة وفي ذلك العمل ، وهذا أمر طبيعي يعترف به الوجدان ، وكفى به دليلا وشاهداً .
وإذا أراد العــامل أن يسعــد في عمـله ويتقـدّم ويتفــوّق ويتوفّــق
فعليه أن يراعي هذه الاصول الأولية والعوامل الأساسية
وهي عبارة عن النقاط التالية :
1 ـ الاخلاص في العمل ( أخلص تنل ـ قالها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ) وهذا من أهمّ الاُصول في نجاح الإنسان ، فإنّه إنّما ينال ويصل ويحلّق في آفاق الفلاح والصلاح والنجاح بالإخلاص ، من دون أن يسرق من العمل أو ربّ العمل ، ويستعمل الحيلة والمكر والخديعة والغشّ ويتصوّر ذلك أ نّه من الشطارة والكياسة ، فإنّه بهذا يحفر قبره بنفسه ليسقط فيه ، وإنّ الموت أولى له من الحياة ، وبطن الأرض خير له من ظهرها .
2 ـ غنى الطبع ، فالعامل الناجح لا بدّ أن يكون غنيّاً في طبعه ، فلا ينظر إلى يد اُستاذه ، ويركض وراء لقمته ، ويطمع في ماله ، فإنّ الطمّـاع لا قيمة له في الحياة ، وهو مهان في المجتمع ، حتّى عند من يشتغل عنده ، والمدير أو صاحب المعمل أو التاجر يمتحن ويختبر العامل ، فإن وجده غنيّ الطبع عزيز النفس ، أمين ، صائن النفس عن الهوى ، فإنّه يكبر بعينه ، ويرتاح إليه ، ويصل الأمر به إلى أن يقلّده مقادير الاُمور ومفاتيح العمل .
3 ـ الابداع في العمل ، فالعامل الموفّق من يفكّر بإخلاص وغنىً أن يبدع في عمله ويطوّره ، ويفكّر في خدمة اُستاذه ومديره وتقدّمه ونجاحه ، ويرى أنّ نجاحه في نجاح اُستاذه ومن يشتغل عنده .
4 ـ نسيان النفس ، بعد أن يختار العامل الاُستاذ الجيّد والنظيف والموفّق في عمله وتجارته وصنعته ومعمله ومهنته ، فبعد أن يرى ربّ العمل الصالح والناجح ، فعلى الصانع والعامل أن ينسى نفسه أمامه ، ولا يرى لنفسه وجوداً أمام وجود اُستاذه ، بل كأ نّه يفنى في الاُستاذ ويكون كالعاشق والمعشوق ، يتّحدان روحاً ، ويختلفان جسداً .
5 ـ الأخلاق الطيّبة في العمل ، وهذا أيضاً من أهمّ العوامل التي توجب الرضا والنجاح في الحياة العلميّة والعمليّة ، فإنّ العامل ذو الأخلاق الطيّبة يجلب الزبائن إلى حانوت اُستاذه وربّ عمله .
6 ـ شعور الاُستاذ بوجود الصانع ، أي لا يكون وجود الصانع وعدمه بالنسبة إلى اُستاذه واحداً ، فإنّ من كان كذلك فلا خير فيه ، بل لا بدّ للصانع والعامل أن يثبت وجوده وضرورة العمل إليه ، كأن يكون مفتاح العمل بيده ، ولولاه لاختلّت الأعمال ، وتوقّفت ولو برهة من الزمن ، ومن كان يومه أفضل من أمسه فهو الناجح ، ومن ساوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان أمسه أفضل من يومه ، فهو ملعون بعيد عن رحمة ربّه ، والموت خير له من الحياة .
7 ـ بناء الشخصيّة قبل المال ، يعني على من يريد أن يوفّق في حياته أن يبني شخصيّته أوّلا قبل أن يفكّر بالثروة وجلب المال ، فمن كان له شخصيّة إجتماعية كلّ حسب شأنه ومقامه وظروفه ، فإنّه سيخلص في عمله ، ولا يطمع في مال مديره وربّ عمله ، كما أ نّه يبدع في العمل ، ويحسّس الاُستاذ بوجوده ، ويفوح منه نسيم الأخلاق الطيّبة ، والسجايا الحميدة ، فيأنس به من يجاوره ، ويشمّ عطره وطيبه .
8 ـ التخطيط في العمل ليلا ليطبّق ذلك في نهار عمله ، فلا تكون تصرّفاته وحركاته وسكناته عفويّة وخلق الساعة ، بل لا بدّ له من الحذاقة واللباقة والتأمّل والتدبّر والتخطيط في الليل على أ نّه كيف يبدع ؟ وكيف يعمل ؟ وكيف يتحدّث ؟ وكيف يتعامل مع فلان وفلان ؟ وهكذا ، وكلّما كبر العمل زاد التخطيط ، وزادت ساعاته كما هو واضح .
9 ـ الصبر الجميل مع الاُستاذ الناجح ، فإنّ الصانع بعد اختياره ربّ العمل والاُستاذ الناجح ، لا بدّ أن يصبر معه صبراً جميلا ، ويتحمّل ذلّ التعلّم ومسكنة العمّـاليّة ، فلا يتبطّر ولا يغترّ ، فإنّ التبطّر والعجب والغرور من العوامل المهدّمة في تقدّم الإنسان ، بل عليه أن يصبر ولو لسنين وسنين ، حتّى يتعلّم كلّ أطراف العمل وجوانبه وخفاياه وأسراره ، ويتسلّط على الصنعة والمهنة والحرفة كاملا ، ولا يفوته شيء ولو كان صغيراً ، فربّ مسمار صغير يوقف ماكنة جبّارة وكبيرة عن العمل .
10 ـ لا ينسى فضل اُستاذه بل يبجّله ويعظّمه ويرجع إليه دائماً ، ويقدّره ويحترمه ، فإنّ بركة العلم في تعظيم الاستاذ .
و ( لئن شكرتم لأزيدنّكم )([4]) .
ومن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق([5]) .
والحمد لله ربّ العالمين .
[1]المراد من الصانع هنا أي العامل الذي يعمل في حانوت أو معمل أو ما شابه ذلك ، فالصانع على اللهجة العراقية ، وقد طبع هذا الموضوع في صحيفة ( صوت الكاظمين ) ، العدد ؟؟؟ ، سنة 1419 هـ .
[2]النجم : 39 .
[3]الإنسان : 3 .
[4]إبراهيم : 7 .
[5]حديث نبويّ شريف .
المصدر
كتاب : النبوغ وسر النجاح في الحياة
المؤلف : السيد عادل العلوي
كتاب : النبوغ وسر النجاح في الحياة
المؤلف : السيد عادل العلوي
تعليق