الشرح (للحديث الثالث):
قوله (فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا تلقانا به روح القدس) كما تلقى داود عليه السلام في رجل استعدى على رجل فقال : إن هذا أخذ مالي، فأوحى إليه أن هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله، فأمر داود بالمستعدي فقتل وأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه فعجب الناس . وكما
تلقاه في شيخ تعلق بشاب معه عنقود من عنب فقال الشيخ : يا نبي الله إن هذا الشاب دخل بستاني وخربه وأكل منه بغير إذني، فقال داود للشاب : ما تقول ؟ وأقر به، فأوحي إليه أن يا داود إن هذا الشيخ قد اقتحم على أبي هذا الغلام في بستانه فقتله وغصب بستانه وأخذ منه أربعين ألف درهم فدفنها في جانب بستانه فادفع إلى الشاب سيفا ومره أن يضرب عنق الشيخ وادفع إليه البستان ومره أن يحضر موضع كذا ويأخذ ماله.
الشرح (للحديث الخامس):
قوله (قال كمنزلة ذي القرنين) وجه التشبيه إما الوصية أو العلم والقرب والرفعة وليس الغرض منه إلحاق الناقص بالكامل لأنهم عليهم السلام أعلم وأقرب وشأنهم أرفع وأجل بل الغرض منه هو الإلحاق بالمعروفين بالعلم والقرب والرفعة في الصدر الأول، وبالجملة لا يجب أن يكون الوجه في المشبه به أقوى لجواز أن يكون مشهورا مسلم الثبوت له عند المخاطب، وقد مر توضيح ذلك في باب أن الأئمة عليهم السلام بمن يشبهون ممن مضى. قوله (بحكم الله وحكم آل داود وحكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم) لعل المراد بحكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحكم بظاهر الشريعة وبحكم الله أو حكم داود الحكم بباطنها وهو الحكم بالواقع وبما يلقي إليهم روح القدس وفيه دلالة على ما أشرنا إليه من أن القائم قد يحكم بحكم داود لا دائما كما أن داود قد كان يحكم به لا دائما، فليتأمل .انتهى كلام الشارح.
أين محل التشبيه به في هذه الروايات؟
هو عدم سؤال المتخاصمين البينة فان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكم بالحكم الظاهري حيث اثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم انما احكم بينكم بالايمان والبينات اما داود عليه السلام فكان يحكم في بعض الموارد بالحكم الواقعي لذلك نلاحظ ان الروايات التي شبّهت حكم الامام المهدي عليه السلام بحكم داود ذكرت محل الشبه فقالت ولا يسأل بيّنة أي بمعنى ان الامام عليه السلام يحكم في بعض الاحيان بدون ان يحتاج الى طلب البينة من المتخاصمين،
الكافي الكليني - (ج 1 / ص 588)
عن عمار الساباطي قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: بما تحكمون إذا حكمتم؟ قال: بحكم الله وحكم داود فإذا ورد علينا الشئ الذي ليس عندنا، تلقانا به روح القدس.
الكافي الكليني - (ج 3 / ص 604)
عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبوعبدالله A : دمان في الاسلام حلال من الله لا يقضى فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت فاذا بعث الله عزوجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه ومانع الزكاة يضرب عنقه.
قال الامام الصادق A لأبي عبيدة الحذاء كما ورد في كتاب :
الكافي / للكليني - (ج 1 / ص 588)
يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد Aحكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بينة .
وإذا قلنا كيف لا يحتاج إلى بينه أو كيف يحكم بحكم الله .. فيقول الامام الصادق بهذا الخصوص
روضة الواعظين - (ج 1 / ص 327)
وقال (الصادق )A : اذا قام قائم آل محمد nحكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بينة يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه ، ويخر كل قوم ما استبطنوه ويعرف وليه من عدوه بالتوسم .
هذا، ويحدثنا التاريخ ان امير المؤمنين عليه السلام كان يحكم في بعض الاحيان دون التماس البينة او يضيف اليها مجموعة من القرائن التي لا يلتفت اليها عادةً ويحكم بها ثم يعلق عليه السلام بعد ذلك بان ما حكم به لم يحكم به غيره سوى داود عليه السلام هذا من جهة, ومن جهة اخرى إتفقت كلمة أغلب العلماء من الفريقين على أن للقاضي أن يحكم بعلمه كما سياتي قريبا نقل اقوالهم الدالة على ذلك، فاذا كان للقاضي الذي يعلم ظاهر الاحكام, الحكم بعلمه فكيف لمن يكون علمه علم الكتاب ومعنى علم الكتاب ليس القرآن فقط بل يعلم واقع الاحكام الدينية كلها اذن فالمهدي عليه السلام يحكم بحكم داود وآل داود ولا يريد بينة وشاهد ما ذكرناه من الروايات ما رواه قطب الدين الراوندي في حديث اخذنا منه فقال لها عليه السلام: بيني وبينك من يحكم بحكم داود وآل داود ويعرف منطق الطير ولا يحتاج الى شهود..(13)
وفي حديث آخر رواه العاملي عن الصادق عليه السلام قال: (انه يحكم بحكم داود ولا يحتاج الى بينة يلهمه الله فيحكم بعلمه ويخبر كل قوم بما استنبطوه ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسم.(14)
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - (ج 52 / ص 382)
وأما ما روي من أنه عليه السلام يحكم بحكم آل داود لا يسأل عن بينة، فهذا أيضا غير مقطوع به وإن صح فتأويله أن يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم الامام أو الحاكم أمرا من الامور فعليه أن يحكم بعلمه، ولا يسأل عنه، وليس في هذا نسخ الشريعة.
إذن الإمام عليه السلام يحكم بحكم داود معنى انه لا يسأل بينة هذا اولاً .
وثانياً إن الله تعالى قال (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (15)وقال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَْسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً)(16) وغيرها مما تقدم من آيات. فبمقتضى الجمع بين هذه الآيات يتضح أن الموحى به أمر واحد نعم هناك فرق في المناهج والشرائع وعليه فحكم الإمام الذي يعلم الكتاب حكم لأحكام الدين الإسلامي ومحل التشبيه واضح جداً.
المحور السادس: أقوال علماء أبناء العامة في حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل والقاضي بعلمه.
ففي كشاف القناع للبهوتي (وله) صلى الله عليه وآله وسلم (أن يقضي) ويفتي (وهو غضبان، وأن يقضي بعلمه ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له صلى الله عليه وآله وسلم أو لولده . لحديث خزيمة ولأنه معصوم(17) وفي المغني لعبد الله بن قدامه.
بناءً على القاضي هل له أن يقضي بعلمه؟ على روايتين لأن قاضي دمشق أخبره به في عمله ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي ههنا.(18)
وفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد:
(إن العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه).(19)
وفي الاستذكار والسلف من الصحابة والتابعين مختلفون في قضاء القاضي بعلمه على حسب اختلاف فقهاء الأمصار من ذلك ومما احتج به من قال إن القاضي يقضي بعلمه فيما قضى به علمه مع ما قدمنا ذكره ما رويناه من طريق (غير واحد) عن عروة وعن مجاهد جميعا بمعنى واحد ان رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب انه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا فقال عمر اني لاعلم الناس بذلك وربما لعبت انا وأنت فيه ونحن غلمان فإذا قدمت مكة فاتني بابي سفيان فلما قدم مكة اتاه المخزومي بابي سفيان فقال له عمر: يا أبا سفيان (انهض بنا إلى موضع كذا فنهضوا ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان) خذ هذا الحجر من هنا فضعه ها هنا فقال والله لا افعل ذلك (فقال عمر والله لتفعلن فقال لا والله لا أفعل فقال) والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة وقال خذه ـ لا أم لك ـ وضعه ها هنا فإنك قديم الظلم فاخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر ثم إن عمر استقبل القبلة وقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت على أبا سفيان على راية فأذللته لي بالإسلام قال فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد الذي لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الاسلام ما ذللت به لعمر ففي هذا الخبر قضاء عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته).(20)
وفي مغني المحتاج: ولا يقضي بخلاف علمه يندرج فيه حكمه بخلاف عقيدته، قال البلقيني: وهذا يمكن أن يدعى فيه اتفاق العلماء، لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده (والأظهر أنه يقضي بعلمه) ولو علمه قبل ولايته أو في غير محل ولايته . وسواء أكان في الواقعة بينة أم لا، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان أو شاهد ويمين فبالعلم أولى . وعلى هذا يقضي بعلمه في المال قطعا، وكذا في القصاص وحده القذف في الأظهر.(21)
وفي المجموع على الصحيح أن القاضي يقضى بعلمه.(22)
وفي فتح العزيز (ولو كان القاضي عالما بالحال وقلنا إنه يقضى بعلمه فهو كما لو كانت له بينة).(23)
وهناك الكثير من الاقوال في هذا الباب تركت طلبا للاختصار.
ومن هنا يتبين سقم ما نقل عن الدكتور الغفاري من ذمٍ لشيخ الاسلام وثقته الكليني لعقيدته في هذا الباب حيث شنّع عليه بأن هذا العنصر عنصر يهودي، وخفي عليه ما مُلأت به الصحاح فضلاً عن غيرها من تراثٍ يهودي.
اذ تبيّن لك ان احاديث الكافي وغيره ناظرة الى ان حكمه عليه السلام بحكم داود لمكان التشبيه بعدم الاحتياج الى بيّنة، فكما ان داود كان يحكم ويدير شؤون ملكه بعلمه الذي آتاه الله اياه على حد تعبير الامام الصادق عليه السلام اذ قال (ان داود عليه السلام قال يا رب ارني الحق كما هو عندك حتى اقضي به...) وقد روت مصادر ابناء العامة قبلنا روايات تدبير داود بعلمه شؤون ملكه فقد روى الحاكم في مستدركه تحت الرقم 4135 (... فلم يزل داود يدبر بعلم الله ونوره، قاضياً بحلاله، ناهياً عن حرامه، حتى اذا ما اراد الله ان يقبضه اليه اوحى اليه ان استودع نور الله وحكمته ما ظهر منها وما بطن الى ابنك سليمان ففعل).
اذن فالنتيجة المستخلصة من الابحاث المتقدمة ان الامام عليه السلام انما حكمه بحكم داود من جهة عدم السؤال عن البينة وليس بذلك مما يشان به علينا كما هو بين.
(2) في فتح الباري الجزء الثامن ص203.
(3) للعيني الجزء الاول ص177.
(4) العيني في الجزء 16 ص36.
(5) في احكام القرآن الجزء الثاني ص552.
(6) الجزء الثاني ص56 من دقائق التفسير.
(7) ابن تيمية في الجزء الثاني ص52 في دقائق التفسير.
(8) في الجزء الثاني ص56 في دقائق التفسير.
(9) محمد بن الحسن الصفار/ ص 471.
(10) ن. م ص 472.
(11) الكافي للكليني/ ج1 ص 397 ـ 398.
(12)
(13) الخرائج والجرائح ج 1 ص 291 باب 6 في معجزات الإمام عليه السلام ح 24.
(14) الصراط المستقيم ج 2 ص 254.
(15) البقرة/ 136.
(16) النساء/ 163.
(17) ج 5 ص 37.
(18) ج 11 ص 478.
(19) ابن رشد الحفيد / ج2 ص 385.
(20) ابن عبد البر/ ج7 ص 94 ـ 95.
(21) محمد بن احمد الشربيني ج4 ص 398.
(22) محي الدين النووي/ ج12 ص 150.
(23) عبد الكريم الرافعي: ج5 ص 503.
__________________
قوله (فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا تلقانا به روح القدس) كما تلقى داود عليه السلام في رجل استعدى على رجل فقال : إن هذا أخذ مالي، فأوحى إليه أن هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله، فأمر داود بالمستعدي فقتل وأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه فعجب الناس . وكما
تلقاه في شيخ تعلق بشاب معه عنقود من عنب فقال الشيخ : يا نبي الله إن هذا الشاب دخل بستاني وخربه وأكل منه بغير إذني، فقال داود للشاب : ما تقول ؟ وأقر به، فأوحي إليه أن يا داود إن هذا الشيخ قد اقتحم على أبي هذا الغلام في بستانه فقتله وغصب بستانه وأخذ منه أربعين ألف درهم فدفنها في جانب بستانه فادفع إلى الشاب سيفا ومره أن يضرب عنق الشيخ وادفع إليه البستان ومره أن يحضر موضع كذا ويأخذ ماله.
الشرح (للحديث الخامس):
قوله (قال كمنزلة ذي القرنين) وجه التشبيه إما الوصية أو العلم والقرب والرفعة وليس الغرض منه إلحاق الناقص بالكامل لأنهم عليهم السلام أعلم وأقرب وشأنهم أرفع وأجل بل الغرض منه هو الإلحاق بالمعروفين بالعلم والقرب والرفعة في الصدر الأول، وبالجملة لا يجب أن يكون الوجه في المشبه به أقوى لجواز أن يكون مشهورا مسلم الثبوت له عند المخاطب، وقد مر توضيح ذلك في باب أن الأئمة عليهم السلام بمن يشبهون ممن مضى. قوله (بحكم الله وحكم آل داود وحكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم) لعل المراد بحكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحكم بظاهر الشريعة وبحكم الله أو حكم داود الحكم بباطنها وهو الحكم بالواقع وبما يلقي إليهم روح القدس وفيه دلالة على ما أشرنا إليه من أن القائم قد يحكم بحكم داود لا دائما كما أن داود قد كان يحكم به لا دائما، فليتأمل .انتهى كلام الشارح.
أين محل التشبيه به في هذه الروايات؟
هو عدم سؤال المتخاصمين البينة فان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكم بالحكم الظاهري حيث اثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم انما احكم بينكم بالايمان والبينات اما داود عليه السلام فكان يحكم في بعض الموارد بالحكم الواقعي لذلك نلاحظ ان الروايات التي شبّهت حكم الامام المهدي عليه السلام بحكم داود ذكرت محل الشبه فقالت ولا يسأل بيّنة أي بمعنى ان الامام عليه السلام يحكم في بعض الاحيان بدون ان يحتاج الى طلب البينة من المتخاصمين،
الكافي الكليني - (ج 1 / ص 588)
عن عمار الساباطي قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: بما تحكمون إذا حكمتم؟ قال: بحكم الله وحكم داود فإذا ورد علينا الشئ الذي ليس عندنا، تلقانا به روح القدس.
الكافي الكليني - (ج 3 / ص 604)
عن أبان بن تغلب قال: قال لي أبوعبدالله A : دمان في الاسلام حلال من الله لا يقضى فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت فاذا بعث الله عزوجل قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه ومانع الزكاة يضرب عنقه.
قال الامام الصادق A لأبي عبيدة الحذاء كما ورد في كتاب :
الكافي / للكليني - (ج 1 / ص 588)
يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد Aحكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بينة .
وإذا قلنا كيف لا يحتاج إلى بينه أو كيف يحكم بحكم الله .. فيقول الامام الصادق بهذا الخصوص
روضة الواعظين - (ج 1 / ص 327)
وقال (الصادق )A : اذا قام قائم آل محمد nحكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بينة يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه ، ويخر كل قوم ما استبطنوه ويعرف وليه من عدوه بالتوسم .
هذا، ويحدثنا التاريخ ان امير المؤمنين عليه السلام كان يحكم في بعض الاحيان دون التماس البينة او يضيف اليها مجموعة من القرائن التي لا يلتفت اليها عادةً ويحكم بها ثم يعلق عليه السلام بعد ذلك بان ما حكم به لم يحكم به غيره سوى داود عليه السلام هذا من جهة, ومن جهة اخرى إتفقت كلمة أغلب العلماء من الفريقين على أن للقاضي أن يحكم بعلمه كما سياتي قريبا نقل اقوالهم الدالة على ذلك، فاذا كان للقاضي الذي يعلم ظاهر الاحكام, الحكم بعلمه فكيف لمن يكون علمه علم الكتاب ومعنى علم الكتاب ليس القرآن فقط بل يعلم واقع الاحكام الدينية كلها اذن فالمهدي عليه السلام يحكم بحكم داود وآل داود ولا يريد بينة وشاهد ما ذكرناه من الروايات ما رواه قطب الدين الراوندي في حديث اخذنا منه فقال لها عليه السلام: بيني وبينك من يحكم بحكم داود وآل داود ويعرف منطق الطير ولا يحتاج الى شهود..(13)
وفي حديث آخر رواه العاملي عن الصادق عليه السلام قال: (انه يحكم بحكم داود ولا يحتاج الى بينة يلهمه الله فيحكم بعلمه ويخبر كل قوم بما استنبطوه ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسم.(14)
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - (ج 52 / ص 382)
وأما ما روي من أنه عليه السلام يحكم بحكم آل داود لا يسأل عن بينة، فهذا أيضا غير مقطوع به وإن صح فتأويله أن يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم الامام أو الحاكم أمرا من الامور فعليه أن يحكم بعلمه، ولا يسأل عنه، وليس في هذا نسخ الشريعة.
إذن الإمام عليه السلام يحكم بحكم داود معنى انه لا يسأل بينة هذا اولاً .
وثانياً إن الله تعالى قال (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (15)وقال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَْسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً)(16) وغيرها مما تقدم من آيات. فبمقتضى الجمع بين هذه الآيات يتضح أن الموحى به أمر واحد نعم هناك فرق في المناهج والشرائع وعليه فحكم الإمام الذي يعلم الكتاب حكم لأحكام الدين الإسلامي ومحل التشبيه واضح جداً.
المحور السادس: أقوال علماء أبناء العامة في حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل والقاضي بعلمه.
ففي كشاف القناع للبهوتي (وله) صلى الله عليه وآله وسلم (أن يقضي) ويفتي (وهو غضبان، وأن يقضي بعلمه ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له صلى الله عليه وآله وسلم أو لولده . لحديث خزيمة ولأنه معصوم(17) وفي المغني لعبد الله بن قدامه.
بناءً على القاضي هل له أن يقضي بعلمه؟ على روايتين لأن قاضي دمشق أخبره به في عمله ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي ههنا.(18)
وفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد:
(إن العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي بعلمه).(19)
وفي الاستذكار والسلف من الصحابة والتابعين مختلفون في قضاء القاضي بعلمه على حسب اختلاف فقهاء الأمصار من ذلك ومما احتج به من قال إن القاضي يقضي بعلمه فيما قضى به علمه مع ما قدمنا ذكره ما رويناه من طريق (غير واحد) عن عروة وعن مجاهد جميعا بمعنى واحد ان رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب انه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا فقال عمر اني لاعلم الناس بذلك وربما لعبت انا وأنت فيه ونحن غلمان فإذا قدمت مكة فاتني بابي سفيان فلما قدم مكة اتاه المخزومي بابي سفيان فقال له عمر: يا أبا سفيان (انهض بنا إلى موضع كذا فنهضوا ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان) خذ هذا الحجر من هنا فضعه ها هنا فقال والله لا افعل ذلك (فقال عمر والله لتفعلن فقال لا والله لا أفعل فقال) والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة وقال خذه ـ لا أم لك ـ وضعه ها هنا فإنك قديم الظلم فاخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر ثم إن عمر استقبل القبلة وقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت على أبا سفيان على راية فأذللته لي بالإسلام قال فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد الذي لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الاسلام ما ذللت به لعمر ففي هذا الخبر قضاء عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته).(20)
وفي مغني المحتاج: ولا يقضي بخلاف علمه يندرج فيه حكمه بخلاف عقيدته، قال البلقيني: وهذا يمكن أن يدعى فيه اتفاق العلماء، لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده (والأظهر أنه يقضي بعلمه) ولو علمه قبل ولايته أو في غير محل ولايته . وسواء أكان في الواقعة بينة أم لا، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان أو شاهد ويمين فبالعلم أولى . وعلى هذا يقضي بعلمه في المال قطعا، وكذا في القصاص وحده القذف في الأظهر.(21)
وفي المجموع على الصحيح أن القاضي يقضى بعلمه.(22)
وفي فتح العزيز (ولو كان القاضي عالما بالحال وقلنا إنه يقضى بعلمه فهو كما لو كانت له بينة).(23)
وهناك الكثير من الاقوال في هذا الباب تركت طلبا للاختصار.
ومن هنا يتبين سقم ما نقل عن الدكتور الغفاري من ذمٍ لشيخ الاسلام وثقته الكليني لعقيدته في هذا الباب حيث شنّع عليه بأن هذا العنصر عنصر يهودي، وخفي عليه ما مُلأت به الصحاح فضلاً عن غيرها من تراثٍ يهودي.
اذ تبيّن لك ان احاديث الكافي وغيره ناظرة الى ان حكمه عليه السلام بحكم داود لمكان التشبيه بعدم الاحتياج الى بيّنة، فكما ان داود كان يحكم ويدير شؤون ملكه بعلمه الذي آتاه الله اياه على حد تعبير الامام الصادق عليه السلام اذ قال (ان داود عليه السلام قال يا رب ارني الحق كما هو عندك حتى اقضي به...) وقد روت مصادر ابناء العامة قبلنا روايات تدبير داود بعلمه شؤون ملكه فقد روى الحاكم في مستدركه تحت الرقم 4135 (... فلم يزل داود يدبر بعلم الله ونوره، قاضياً بحلاله، ناهياً عن حرامه، حتى اذا ما اراد الله ان يقبضه اليه اوحى اليه ان استودع نور الله وحكمته ما ظهر منها وما بطن الى ابنك سليمان ففعل).
اذن فالنتيجة المستخلصة من الابحاث المتقدمة ان الامام عليه السلام انما حكمه بحكم داود من جهة عدم السؤال عن البينة وليس بذلك مما يشان به علينا كما هو بين.
(2) في فتح الباري الجزء الثامن ص203.
(3) للعيني الجزء الاول ص177.
(4) العيني في الجزء 16 ص36.
(5) في احكام القرآن الجزء الثاني ص552.
(6) الجزء الثاني ص56 من دقائق التفسير.
(7) ابن تيمية في الجزء الثاني ص52 في دقائق التفسير.
(8) في الجزء الثاني ص56 في دقائق التفسير.
(9) محمد بن الحسن الصفار/ ص 471.
(10) ن. م ص 472.
(11) الكافي للكليني/ ج1 ص 397 ـ 398.
(12)
(13) الخرائج والجرائح ج 1 ص 291 باب 6 في معجزات الإمام عليه السلام ح 24.
(14) الصراط المستقيم ج 2 ص 254.
(15) البقرة/ 136.
(16) النساء/ 163.
(17) ج 5 ص 37.
(18) ج 11 ص 478.
(19) ابن رشد الحفيد / ج2 ص 385.
(20) ابن عبد البر/ ج7 ص 94 ـ 95.
(21) محمد بن احمد الشربيني ج4 ص 398.
(22) محي الدين النووي/ ج12 ص 150.
(23) عبد الكريم الرافعي: ج5 ص 503.
__________________