حديث الثقلين من المناكير
المناقشة: أوّلاً: المشهور على قطعيّة الحديث عند أهل السنّة، وأنّمصادرهم ممتلئة وطافحة بحديث الثقلين بشكل لا نظير له، مع إقرار كبار علمائهموحفّاظهم بصحّة صدوره، كيف يمكن نسبة هذا الحديث إلى المناكير. حيث صحّحه الألبانيفي الجامع الصغير، وعلّق عليه الهيثمي بقوله: «إسناده جيّد »(2)
[وقال الحاكم في مستدركه: «هذا حديث صحيح على شرطالشيخين»(3)]
ورواه ابن كثير في البداية والنهاية معلّقاً عليه بقوله: « قال شيخنا أبو عبد اللهالذهبي: وهذا حديث صحيح »(4)
ثانياً: إنّ هذا الكلام غريب جدّاً، إذ قد ثبت بحيث لا يشكّ المتتبّع فيه، أنّ أحمدقد روى هذا الحديث بطرق عديدة وأسانيد سديدة، وروايات متكثّرة في المسند عن زيد بنأرقم وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري.
فنسبة الجرح في هذا الحديث إلى أحمد بن حنبل غريبة جدّاً، ولا يمكن توجيهها أوتأويلها بنحو من الأنحاء، ورواية أحمد للحديث في المسند أكبر حجّة على بطلان هذهالشبهة، إذ لا يصحّ روايته إيّاه فيه مع إنكاره له، لأنّه يستلزم التدليس والتلبيس،مع العلم بأنّه يحتاط في رواياته ولاسيما في مسنده. فقد قال تاج الدينالسبكي بترجمة أحمد:
« قلت: وألّف مسنده، وهو أصل من أصول هذه الأمّة، قال الإمام الحافظ أبو موسى محمّدبن أبي بكر المديني : هذا الكتاب ـ يعني مسند الإمام أحمد بن محمّد بنحنبل الشيباني قدّس الله روحه ـ أصل كبير ومرجع دقيق لأصحاب الحديث، انتقي منأحاديث كثيرة ومسموعات وافرة، فجعل إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً »
وقد أخبر هو عن كتابه بقوله: «إنّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائةوخمسين ألفاً، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآلهوسلّم فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلاّ ليس بحجّة »(5)
وقال وليّ الله الدهلوي: «وجعل ـ أي أحمد ـ مسنده ميزاناً يُعرف به حديث رسول اللهصلّى الله عليه وآله. فما وجد فيه ولو بطريق واحد من طرقه فله أصل. وما لا، فلا أصلله » (6).
فإذا كان الكتاب بهذه المتانة من الوثوقوالاعتبار، كيف يعقل أن يتساهل مصنّفه ويخرج فيه حديثاً منكراً مع علمه بكونهكذلك.
وقال تقيّ الدِّين ابن الصلاح في علوم الحديث: «ثمّ إنّ الغريب ينقسم إلىصحيح كالأفراد المخرجة في الصحيح، وإلى غير صحيح وذلك هو الغالب على الغرائب، رويناعن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنّه قال غير مرّة: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائبفإنّها مناكير، وعامّتها من الضعفاء»( 7)
) فمن منع من كتابةالمناكير فضلاً عن العمل بها، وحذّر من نقلها فضلاً عن الاستناد إليها، لا ينقلحديثاً مع علمه بكونه منكراً، ولا يجوز أن يخرجه في المسند العظيم وكتاب مناقب أميرالمؤمنين، وإلاّ لتوجّه إليه الذمّ واللوم والتوبيخ،وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاتَفْعَلُونَ) (الصف: 2)
ممّا تقدّم يظهر عدم إمكان نسبة كون حديث الثقلين منالمناكير إلى الإمام أحمد بن حنبل كما ذكره البخاري.
------------
1-التاريخ الصغير، البخاري، تحقيق: إبراهيم محمود زايد، دار المعرفة، بيروت،الطبعة الأولى 1416هـ : ج1 ص302.
2- مجمع الزوائد للهيثمي، دار الفكر، بيروت، 1408 : ج9ص256.
3-المستدرك على الصحيحين، مصدر سابق: ج5 ص45.
4- البداية والنهاية،للإمام الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفى سنة 774 هـ : ج5 ص209.
5- نقلا عن نفحات الازهار في خلاصة عبقات الانوار ج2 ص10.
6- المصدر السابق ح2ص13 .
7-مقدّمة ابن الصلاح في علوم الحديث،عثمان بن عبد الرحمن، تعليق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمّد بن عويضة: ص163.
تعليق