الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام) معجزة الإسلام الخالد
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
لا يمكن للباحث أو للكاتب مهما جد واجتهد أن يكون ملما وقادرا على الارتقاء إلى معاني ومعالم شخصية وذات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) , والتي لا يمكن حصرها أو التحليق في سمائها لتسجل على وجه صفحات مهما بلغت في الحجم والعدد والموضوعية معنى وبيانا ومصداقية .
وقد عجزت عن احتوائها الآلاف من أمهات الكتب والموسوعات العلمية والتاريخية والعقائدية , وكتب الحديث والسيرة والتفسير والأدب شعرا ونثرا , من أن تصل إلى معنى من معانيه أو فضل من فضائله أو كرامة من كراماته أو لمحة من بريق بهائه أوصورة من صور ذاته المشرقة والتي كلها إعجاز واصطفاء في سفره النير الخالد .
ففي هذا الكم الهائل من المطبوعات لم يدون من معاني ومعالم شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) إلا اليسير منه ومن منزلته الرفيعة ومقامه المحمود عند الله ورسوله فلو جعلت أورق الأشجار في الدنيا كلها أوراقا وأغصانها أقلاما , ومياه الأنهار والبحار والمحيطات كلها مدادا على أن تحصى فضائل وكرامات ومعاني أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لما كفت , وعجزت عن الوصول إلى معناه وذاته, ومعالم شخصيته وشمس أنواره .
والإمام علي ( عليه السلام ) هو معجزة الإسلام الخالد بكل معانيه وجوانب حياته وأنماط سلوكه وصفاء جوارحه وقدسية روحه ونفسه , وهو بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المقام والمنزلة عند الله تعالى وهو الإسلام كله والإيمان كله والهدي الرسالي كله والعدل والحق كله .
ولم يقصر الحديث أو الكتابة عنه على الشيعة فقط , بل هناك الكثير من أبناء الطوائف الإسلامية الأخرى ممن كتبوا وأبدعوا وانصفوا تاريخ الأمة الإسلامية بأنصع الصفحات المشرقة والواضحة ,كتبوها بنزاهة وصدق وعلى درجة عالية من الدقة في البحث والتحقيق فخلدوا بها معانيا تشرف وتكرم ذاتهم , فأصبحوا شعلا متوهجة في أعماق الأمة وضميرها .
ومن أبرز هؤلاء الباحث والكاتب الكبير المحقق الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود المصري بموسوعته الشهيرة والرائعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) والتي طبعت عدة مرات وبعدة أجزاء وآخرها بأربعة مجلدات , والتي لابد من اقتنائها والاطلاع عليها لما فيها من الحقائق التاريخية وبأمانة البحث .
وهناك من أبدع وحلق وأجاد وأحسن ومن غير المسلمين في أروع ملحمة عصماء سجل فيها انصع صور البيان وأجمل معاني الخلود تناول فيها جانب من سيرة وحياة الإمام علي ( عليه السلام ) وأبحر في شواطئه وغاص في أعماق أمواج سفره الخالد , ألا وهو الباحث والكاتب الكبير المبدع الأستاذ جورج جرداق وهو رجل مسيحي بموسوعته الخالدة التي أسماها ( الإمام علي صوت العدالة الإنسانية ) ليتألق في معنى من معاني الإمام علي ( عليه السلام ) ويحلق في معجز من معاجزه كعظيم أمة وفارس أمجادها وصرح عدالتها وحامي إنسانيتها وعزتها , فارتقى بها لا من منطلق ديني وإنما من منطلق إنساني ووجداني وتاريخي , سلط الضوء فيها على جانب من جوانب ذات الإمام علي ( عليه السلام ) ومعنى من معانيه الخالدة في العدل والإنسانية والحق ومن منطلق حضاري , متواصلا فيها للحديث عن عبقري من عباقرة البشرية والأمة والتاريخ وقائدا فذا ليس له مثيل , ورمزا يقتدى به وسيدا من سادتها وفارسها الأول , علما وتقوى وزهدا وشجاعة وشموخا وصلابة في الحق بإيمانه الراسخ المتين , حملها الأستاذ جورج جرداق وساما وشرفا خالدا لامعا يفخر به , وهل هناك أسمى من العدالة , فالعدالة تعني الإسلام وهي صوت القرآن بآياته المحكمات معانيا ومفاهيم .
بورك جهدا رفيعا خالدا وطاب نفسا بما سجله وسطره من معاني لإمام الحق أمير المومنين علي ( عليه السلام ) .
فمن عرف عليا ( عليه السلام ) عرف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعرف الحق وعرف الله تعالى . وآمن برسوله وصدقه والتزم نهج وصيه ووالاه , فبأي جانب من جوانب حياته وسيرته المشرقة يمكن للإنسان أن يرتقي ويتألق وهو ( عليه السلام ) كله معاجز وبهاء , لا يرقى إليه الطير ولا ينحدر عنه السيل , وهو الكتاب الناطق والدليل الساطع والبرهان القاطع , وهو يأتي بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منزلة عند الله ودونه كل خلق الله , ليس له مثيل لافي معنى ولا تصوير , وهو الفاروق والوصي والأمير والوزير عجزت المعاجز كلها في أن تحفل بعليائه وأن تتجسد بمعناه وروحه وذاته , ومن أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحق علي قوله : ( من أراد أن ينظر إلى أدم في علمه , والى نوح في فهمه , والى إبراهيم في حلمه , والى موسى في هيبته , والى عيسى في زهده , فلينظر إلى علي بن أبي طالب ) المستدرك ( 3124 ) , ينابيع المودة ( 88) . وهذا معنى إعجازي صور فيه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شموس الأنبياء وأنوار الرسل بشخص علي ( عليه السلام ) , وبهذه الأنماط السلوكية والإعجاز الوصفي بمعانيه لعظماء البشر من خلق الله وأصفيائه وحملة وحيه من الرسل والأنبياء ( على نبينا وعليهم الصلاة والسلام ) والتي جعلها في أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) تجسيدا ومعنى إلهيا دليل قاطع على قمة الإعجاز السلوكي والإيماني والمعنوي , وبه ترقى وتهتدي أمة الإسلام إلى سبيل الرشاد معنى شيده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله : ( أنا المنذر وعلي الهادي وبك ياعلي يهتدي المهتدون من بعدي ) تفسير الرازي ( 19 14 ) ولسان الميزان ( 299) وكفاية الطالب ( 233) وشواهد التنزيل ( 1293 303 ) وفرائد السمطين ( 1 148 ) , وهذا المعنى يشير أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يريد أن يعرف الأمة ويبين لها بكل جلاء وتأكيد هذا المقام السامي في قيادة الأمة وهداها هو من حق الإمام علي (عليه السلام) وهو أولى وأحق وأوجب بالطاعة بعد رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي قال فيه أيضا ( من أراد أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب ( عليه والسلام ) فإنه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة ) .
( كنز العمال (11/611 ). وهذا المعنى يؤكد فيه الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اكتمال إيمان المسلم المؤمن وإتمامه وصلاحه وبدون هذه الموالات ينقص الإيمان ويضعف , ومما يؤكد هذا المعنى أيضا قول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( أنا وهذا – يعني عليا – حجة على أمتي يوم القيامة ) مناقب ابن المغازلي ( 45و 179 ) وتاريخ بغداد ( 288) ذخائر العقبى ( 77) كنز العمال ( 11 620 ) . وعلي ( عليه السلام ) إمام مفروض الطاعة وهو امتداد لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ أوضح هذا المعنى بقوله يا عمار : ( إن طاعة علي من طاعتي وطاعتي من طاعة الله تعالى ) . أسد الغابة ( 5287 ) وينابيع المودة ( 128 ) . فقد قرن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طاعته بطاعة علي ( عليه السلام ) وأنها من طاعة الله وهذا بحد ذاته إعجاز لا يضاهيه إعجاز ومن معاجز أنماط سلوكه ومعانيه وأنوار ذاته الفريدة هي :
أولاً : - معجزة ولادته :
خص الإمام علي ( عليه السلام ) بهذا الفضل والشرف الكريمين العظيمين دون غيره من خلق الله تعالى في البشرية جمعاء , إذ أنه ولد في داخل الكعبة المشرفة بيت الله الحرام في مكة المكرمة , حكاه المسعودي في مروج الذهب والمفيد في الإرشاد وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة والحلبي والشافعي في السيرة الحلبية , وهو ما اتفقت عليه الإمامية , ولم يولد في البيت الحرام قبله ولا بعده أحد سواه وهذا شرف عظيم وفضيلة مباركة خصه الله تعالى بها إجلالا وتكريما لمكانته ومنزلته وإعلاء لقدره وشأنه وإظهارا لرفعته . وقد عبر عن هذا المعنى الشاعر عبد الباقي العمري البغدادي بقوله :
أنت العلي الذي فوق العلى رفعا – ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا
وقال السيد الحميري :
ولدته في حرم الإله وأمنه – والبيت حيث فناءه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة – طابت وطاب وليدها والمولد
وكان مولده الشريف في الثالث عشر من شهر رجب على أكثر الأقوال في الفصول المهمة , بعد مولد النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بثلاثين سنة ( وقيل ) بثمان وعشرين سنة , قبل البعثة النبوية باثني عشر سنة ( وقيل ) بعشر سنين وقبل الهجرة بثلاث وعشرين سنه ( وقيل ) بخمس وعشرين سنة .
أبوه عبد مناف وأبو طالب كنيته وهو عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكافله والمدافع عنه وناصره والمتفاني في حمايته والمؤمن برسالته .
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم والتي كانت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمنزلة الأم تربى في حجرها وكان شاكرا لبرها ويسميها أمي وكانت تفضله على أولادها في الرعاية والعناية والاهتمام , سبقت إلى الإسلام وهاجرت مع الرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولما توفيت كفنها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قميصه وحفر لحدها بيده واضطجع فيه لتلبس من ثياب الجنة وتأمن ضغطة القبر وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانت من أحسن خلق الله صنعا لي بعد أبي طالب , ثم لقنها الإقرار بولاية ابنها .
وهو إلى جانب اخوته طالب وعقيل وجعفر أول هاشمي ولد من أبوين هاشميين وكل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين وعلي ( عليه السلام ) أصغرهم ولهم أخت واحدة وهي أم هاني واسمها فاختة , وأنه لما ولد كان أبوه غائبا فسمته أمه حيدرة باسم أبيها لأن حيدرة من أسماء الأسد فلما جاء أبوه سماه عليا وقال :
سميته بعلي كي يدوم له – عز العلو وفخر العز أدومه
وقال عبد الباقي العمري البغدادي :
سمتك أمك بنت الليث حيدرة – اكرم بلبوة ليث أنجبت سبعا
وقال عليه السلام يوم خيبر :
انا الذي سمتني أمي حيدرة – كليث غابات شديد قسورة
ويكنى أبا الحسن وأبا الحسين وكناه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بأبي تراب , ولقبه المرتضى وحيدرة وأمير المؤمنين والأنزع البطين والوصي .
ولم يحضى أحد من المسلمين لا من أقرباء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا من أصحابه ولا من سائر البشر لاقبله ولا بعده بمثل هذا الفخر إلا علي ( عليه السلام ) الذي خص له مهدا عزيزا وكريما , عظيم الشرف ومكانا ومقاما ومنزلة في داخل الكعبة المشرفة شامخا إلى يومنا هذا تزوره وتشمه حشود الطائفين حول الكعبة طول الدهر في الحج والعمرة والزيارة , عند جدار المستجار , ولادة أعزها الله ببيته وكرمها بداخل كعبته , لتشهد كرامتها وعزتها أمة الإسلام مدى الدهر من ساعتها إلى يوم الحشر بلطف الله .
ثانيا : معجزة اسمه ونسبه
لما ولد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان أبوه غائبا فسمته أمه حيدرة باسم أبيها لأن حيدرة من أسماء الأسد فلما جاء أبوه سماه عليا وقال :
سميته بعلي كي يدوم له – عز العلو وفخر العز أدومه
وعلي اسم معجز إذ لم يكن يعرف أحد بهذا الاسم قبل ولادة أمير المؤمنين وهو أول من سمي بعلي , واسم حمل الكثير من المعاني السامية والذات العالية وشموخ المعالي بأعلى درجات الفخر والعز الدائم والخالد , فلقد رافقه هذا المعنى وشرف هذا العلو من يوم ولادته حتى استشهاده ,وهذا ما كان يرجوه أبو طالب ( عليه السلام ) لولده علي ( عليه السلام ) بدوام عز العلو والفخر في دوامه , وحقا هذا هو الذي حصل , فقد نال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من العلو والعز والفخر ما لم يحضى به بشر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبكل أنماط سلوكه , فهو شمس لكل معاني المعالي والمفاخر في الاسم والحسب والنسب والشرف العالي والمنزلة الرفيعة والمقام المحمود والشان العظيم في السيرة والسلوك .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا و نبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
لا يمكن للباحث أو للكاتب مهما جد واجتهد أن يكون ملما وقادرا على الارتقاء إلى معاني ومعالم شخصية وذات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) , والتي لا يمكن حصرها أو التحليق في سمائها لتسجل على وجه صفحات مهما بلغت في الحجم والعدد والموضوعية معنى وبيانا ومصداقية .
وقد عجزت عن احتوائها الآلاف من أمهات الكتب والموسوعات العلمية والتاريخية والعقائدية , وكتب الحديث والسيرة والتفسير والأدب شعرا ونثرا , من أن تصل إلى معنى من معانيه أو فضل من فضائله أو كرامة من كراماته أو لمحة من بريق بهائه أوصورة من صور ذاته المشرقة والتي كلها إعجاز واصطفاء في سفره النير الخالد .
ففي هذا الكم الهائل من المطبوعات لم يدون من معاني ومعالم شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) إلا اليسير منه ومن منزلته الرفيعة ومقامه المحمود عند الله ورسوله فلو جعلت أورق الأشجار في الدنيا كلها أوراقا وأغصانها أقلاما , ومياه الأنهار والبحار والمحيطات كلها مدادا على أن تحصى فضائل وكرامات ومعاني أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لما كفت , وعجزت عن الوصول إلى معناه وذاته, ومعالم شخصيته وشمس أنواره .
والإمام علي ( عليه السلام ) هو معجزة الإسلام الخالد بكل معانيه وجوانب حياته وأنماط سلوكه وصفاء جوارحه وقدسية روحه ونفسه , وهو بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المقام والمنزلة عند الله تعالى وهو الإسلام كله والإيمان كله والهدي الرسالي كله والعدل والحق كله .
ولم يقصر الحديث أو الكتابة عنه على الشيعة فقط , بل هناك الكثير من أبناء الطوائف الإسلامية الأخرى ممن كتبوا وأبدعوا وانصفوا تاريخ الأمة الإسلامية بأنصع الصفحات المشرقة والواضحة ,كتبوها بنزاهة وصدق وعلى درجة عالية من الدقة في البحث والتحقيق فخلدوا بها معانيا تشرف وتكرم ذاتهم , فأصبحوا شعلا متوهجة في أعماق الأمة وضميرها .
ومن أبرز هؤلاء الباحث والكاتب الكبير المحقق الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود المصري بموسوعته الشهيرة والرائعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) والتي طبعت عدة مرات وبعدة أجزاء وآخرها بأربعة مجلدات , والتي لابد من اقتنائها والاطلاع عليها لما فيها من الحقائق التاريخية وبأمانة البحث .
وهناك من أبدع وحلق وأجاد وأحسن ومن غير المسلمين في أروع ملحمة عصماء سجل فيها انصع صور البيان وأجمل معاني الخلود تناول فيها جانب من سيرة وحياة الإمام علي ( عليه السلام ) وأبحر في شواطئه وغاص في أعماق أمواج سفره الخالد , ألا وهو الباحث والكاتب الكبير المبدع الأستاذ جورج جرداق وهو رجل مسيحي بموسوعته الخالدة التي أسماها ( الإمام علي صوت العدالة الإنسانية ) ليتألق في معنى من معاني الإمام علي ( عليه السلام ) ويحلق في معجز من معاجزه كعظيم أمة وفارس أمجادها وصرح عدالتها وحامي إنسانيتها وعزتها , فارتقى بها لا من منطلق ديني وإنما من منطلق إنساني ووجداني وتاريخي , سلط الضوء فيها على جانب من جوانب ذات الإمام علي ( عليه السلام ) ومعنى من معانيه الخالدة في العدل والإنسانية والحق ومن منطلق حضاري , متواصلا فيها للحديث عن عبقري من عباقرة البشرية والأمة والتاريخ وقائدا فذا ليس له مثيل , ورمزا يقتدى به وسيدا من سادتها وفارسها الأول , علما وتقوى وزهدا وشجاعة وشموخا وصلابة في الحق بإيمانه الراسخ المتين , حملها الأستاذ جورج جرداق وساما وشرفا خالدا لامعا يفخر به , وهل هناك أسمى من العدالة , فالعدالة تعني الإسلام وهي صوت القرآن بآياته المحكمات معانيا ومفاهيم .
بورك جهدا رفيعا خالدا وطاب نفسا بما سجله وسطره من معاني لإمام الحق أمير المومنين علي ( عليه السلام ) .
فمن عرف عليا ( عليه السلام ) عرف النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعرف الحق وعرف الله تعالى . وآمن برسوله وصدقه والتزم نهج وصيه ووالاه , فبأي جانب من جوانب حياته وسيرته المشرقة يمكن للإنسان أن يرتقي ويتألق وهو ( عليه السلام ) كله معاجز وبهاء , لا يرقى إليه الطير ولا ينحدر عنه السيل , وهو الكتاب الناطق والدليل الساطع والبرهان القاطع , وهو يأتي بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منزلة عند الله ودونه كل خلق الله , ليس له مثيل لافي معنى ولا تصوير , وهو الفاروق والوصي والأمير والوزير عجزت المعاجز كلها في أن تحفل بعليائه وأن تتجسد بمعناه وروحه وذاته , ومن أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحق علي قوله : ( من أراد أن ينظر إلى أدم في علمه , والى نوح في فهمه , والى إبراهيم في حلمه , والى موسى في هيبته , والى عيسى في زهده , فلينظر إلى علي بن أبي طالب ) المستدرك ( 3124 ) , ينابيع المودة ( 88) . وهذا معنى إعجازي صور فيه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شموس الأنبياء وأنوار الرسل بشخص علي ( عليه السلام ) , وبهذه الأنماط السلوكية والإعجاز الوصفي بمعانيه لعظماء البشر من خلق الله وأصفيائه وحملة وحيه من الرسل والأنبياء ( على نبينا وعليهم الصلاة والسلام ) والتي جعلها في أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) تجسيدا ومعنى إلهيا دليل قاطع على قمة الإعجاز السلوكي والإيماني والمعنوي , وبه ترقى وتهتدي أمة الإسلام إلى سبيل الرشاد معنى شيده رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله : ( أنا المنذر وعلي الهادي وبك ياعلي يهتدي المهتدون من بعدي ) تفسير الرازي ( 19 14 ) ولسان الميزان ( 299) وكفاية الطالب ( 233) وشواهد التنزيل ( 1293 303 ) وفرائد السمطين ( 1 148 ) , وهذا المعنى يشير أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يريد أن يعرف الأمة ويبين لها بكل جلاء وتأكيد هذا المقام السامي في قيادة الأمة وهداها هو من حق الإمام علي (عليه السلام) وهو أولى وأحق وأوجب بالطاعة بعد رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) والذي قال فيه أيضا ( من أراد أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب ( عليه والسلام ) فإنه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة ) .
( كنز العمال (11/611 ). وهذا المعنى يؤكد فيه الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اكتمال إيمان المسلم المؤمن وإتمامه وصلاحه وبدون هذه الموالات ينقص الإيمان ويضعف , ومما يؤكد هذا المعنى أيضا قول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( أنا وهذا – يعني عليا – حجة على أمتي يوم القيامة ) مناقب ابن المغازلي ( 45و 179 ) وتاريخ بغداد ( 288) ذخائر العقبى ( 77) كنز العمال ( 11 620 ) . وعلي ( عليه السلام ) إمام مفروض الطاعة وهو امتداد لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ أوضح هذا المعنى بقوله يا عمار : ( إن طاعة علي من طاعتي وطاعتي من طاعة الله تعالى ) . أسد الغابة ( 5287 ) وينابيع المودة ( 128 ) . فقد قرن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طاعته بطاعة علي ( عليه السلام ) وأنها من طاعة الله وهذا بحد ذاته إعجاز لا يضاهيه إعجاز ومن معاجز أنماط سلوكه ومعانيه وأنوار ذاته الفريدة هي :
أولاً : - معجزة ولادته :
خص الإمام علي ( عليه السلام ) بهذا الفضل والشرف الكريمين العظيمين دون غيره من خلق الله تعالى في البشرية جمعاء , إذ أنه ولد في داخل الكعبة المشرفة بيت الله الحرام في مكة المكرمة , حكاه المسعودي في مروج الذهب والمفيد في الإرشاد وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة والحلبي والشافعي في السيرة الحلبية , وهو ما اتفقت عليه الإمامية , ولم يولد في البيت الحرام قبله ولا بعده أحد سواه وهذا شرف عظيم وفضيلة مباركة خصه الله تعالى بها إجلالا وتكريما لمكانته ومنزلته وإعلاء لقدره وشأنه وإظهارا لرفعته . وقد عبر عن هذا المعنى الشاعر عبد الباقي العمري البغدادي بقوله :
أنت العلي الذي فوق العلى رفعا – ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا
وقال السيد الحميري :
ولدته في حرم الإله وأمنه – والبيت حيث فناءه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة – طابت وطاب وليدها والمولد
وكان مولده الشريف في الثالث عشر من شهر رجب على أكثر الأقوال في الفصول المهمة , بعد مولد النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بثلاثين سنة ( وقيل ) بثمان وعشرين سنة , قبل البعثة النبوية باثني عشر سنة ( وقيل ) بعشر سنين وقبل الهجرة بثلاث وعشرين سنه ( وقيل ) بخمس وعشرين سنة .
أبوه عبد مناف وأبو طالب كنيته وهو عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكافله والمدافع عنه وناصره والمتفاني في حمايته والمؤمن برسالته .
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم والتي كانت لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمنزلة الأم تربى في حجرها وكان شاكرا لبرها ويسميها أمي وكانت تفضله على أولادها في الرعاية والعناية والاهتمام , سبقت إلى الإسلام وهاجرت مع الرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولما توفيت كفنها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قميصه وحفر لحدها بيده واضطجع فيه لتلبس من ثياب الجنة وتأمن ضغطة القبر وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كانت من أحسن خلق الله صنعا لي بعد أبي طالب , ثم لقنها الإقرار بولاية ابنها .
وهو إلى جانب اخوته طالب وعقيل وجعفر أول هاشمي ولد من أبوين هاشميين وكل واحد منهم أكبر من الآخر بعشر سنين وعلي ( عليه السلام ) أصغرهم ولهم أخت واحدة وهي أم هاني واسمها فاختة , وأنه لما ولد كان أبوه غائبا فسمته أمه حيدرة باسم أبيها لأن حيدرة من أسماء الأسد فلما جاء أبوه سماه عليا وقال :
سميته بعلي كي يدوم له – عز العلو وفخر العز أدومه
وقال عبد الباقي العمري البغدادي :
سمتك أمك بنت الليث حيدرة – اكرم بلبوة ليث أنجبت سبعا
وقال عليه السلام يوم خيبر :
انا الذي سمتني أمي حيدرة – كليث غابات شديد قسورة
ويكنى أبا الحسن وأبا الحسين وكناه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بأبي تراب , ولقبه المرتضى وحيدرة وأمير المؤمنين والأنزع البطين والوصي .
ولم يحضى أحد من المسلمين لا من أقرباء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا من أصحابه ولا من سائر البشر لاقبله ولا بعده بمثل هذا الفخر إلا علي ( عليه السلام ) الذي خص له مهدا عزيزا وكريما , عظيم الشرف ومكانا ومقاما ومنزلة في داخل الكعبة المشرفة شامخا إلى يومنا هذا تزوره وتشمه حشود الطائفين حول الكعبة طول الدهر في الحج والعمرة والزيارة , عند جدار المستجار , ولادة أعزها الله ببيته وكرمها بداخل كعبته , لتشهد كرامتها وعزتها أمة الإسلام مدى الدهر من ساعتها إلى يوم الحشر بلطف الله .
ثانيا : معجزة اسمه ونسبه
لما ولد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان أبوه غائبا فسمته أمه حيدرة باسم أبيها لأن حيدرة من أسماء الأسد فلما جاء أبوه سماه عليا وقال :
سميته بعلي كي يدوم له – عز العلو وفخر العز أدومه
وعلي اسم معجز إذ لم يكن يعرف أحد بهذا الاسم قبل ولادة أمير المؤمنين وهو أول من سمي بعلي , واسم حمل الكثير من المعاني السامية والذات العالية وشموخ المعالي بأعلى درجات الفخر والعز الدائم والخالد , فلقد رافقه هذا المعنى وشرف هذا العلو من يوم ولادته حتى استشهاده ,وهذا ما كان يرجوه أبو طالب ( عليه السلام ) لولده علي ( عليه السلام ) بدوام عز العلو والفخر في دوامه , وحقا هذا هو الذي حصل , فقد نال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من العلو والعز والفخر ما لم يحضى به بشر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبكل أنماط سلوكه , فهو شمس لكل معاني المعالي والمفاخر في الاسم والحسب والنسب والشرف العالي والمنزلة الرفيعة والمقام المحمود والشان العظيم في السيرة والسلوك .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا و نبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
تعليق