إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الرفق ومجالاته

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الرفق ومجالاته

    الرفق ومجالاته


    الرفق ضد العنف والشدّة ، ويُراد به اليسر في الاَُمور والسهولة في التوصل إليها وهو ما يحمل لنا من معاني اللين واللطف والسهولة واليسر ؛ لما له من دور مهم في حياة المؤمن وما يضطلع به من مهام وأدوار في حركته الواعية بين شرائح وعينات المجتمع بكل أشكالها ، وما له من لبوس حسن جميل يدل على حسن وجمال سريرة المتلبس به ، واستقامة ذاته واعتدال تصرفاته .


    أ - إرفق يرفق بك :
    لما كان الله جل شأنه رفيق ويحب الرفق فلا شك أنه سبحانه سيقابل رفق الانسان بأخيه الانسان ، ورفق الانسان بالحيوان سيقابله الله بالرفق واللطف والسماحة والتجاوز .
    سواء فيما يخص تعامل الخالق مع مخلوقه في الدنيا أو ما يعود لمحاسبته في الأخرى قال تعالى : ( هل جزاء الاحسان إلا الاحسان ) .
    فعن زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام إنه قال : من وصايا الخضر لموسى عليه السلام ، . . . ما رفق أحد في الدنيا إلا رفق الله عز وجل به يوم القيمة .
    فمن أراد أن يرفق الله به فما عليه إلا ان يرفق بغيره .


    - قد يكون الرفق خرقا :
    إذا ادلهمت النفوس بآثامها وأطفئ مصباح فطرتها وعمت بصيرتها عن معرفة الصواب وضلت عن درب رشدها وسبيل تكاملها لما تجمع من صدأ الذنوب على أفئدتها ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) . فعند ذلك لا تستذوق تلك النفوس الفاسقة المنحرفة حلاوة الرفق الذي يستعمل معها ، فهي تقابل الرفق واللين واللطف والرحمة والسماحة أو العطف والرأفة بما يضاد ذلك من الخرق والشدة والغلظة والقسوة وتتبع العثرات والمحاسبة على الزلات والنقمة واللؤم .
    والحكمة تقتضي التعامل مع هذه النوعية من النفوس الخائبة الخاسرة بما يناسب ذلك مما يؤدي إلى تأديب نزقها وتعديل مسارها ، وتقويم اعوجاجها فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : وإذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا .
    وعليه فان من لا يصلحه الرفق أصلحته الشدة ، ومن لم يتقوم بالمسامحة تقوم بالمحاسبة ، ومن إذا ما رفقت به اندفع في غيه وعناده وغروره وغطرسته ولم ينتفع بما تقدمه له من علاج ناجح ودواء نافع فما عليك إلا تركه في مستنقع مرضه الأخلاقي وسقمه السلوكي وداءه الذي هو فيه حتى يتحول هذا الداء إلى موقظ له من غفلته ، فيصحوا بعد مصارعته طويلا ومعاناته كثيرا بما سيجره عليه من بلاء وخيم حتى يتحسس ويدرك ما ينفعه مما يضره ، فإن استقام فهو المطلوب وإلا فدع ما به يقضي عليه وهو حسبه .
    وعن أمير المؤمنين عليه السلام : من لم يصلحه حسن المداراة يصلحه حسن المكافأة .
    ومن كتاب لأمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض عماله واخلط الشدة بضغث من اللين وارفق ما كان الرفق أرفق .
    وفي غرر الحكم : اخلط الشدة برفق ، وارفق ما كان الرفق أرفق
    فالرفق هو وسيلة التعامل الفضلي ما أدى الغرض وأصاب الهدف الاصلاحي وحقق الغاية المنشودة ، إلا إذا كانت النتيجة خلافا لذلك المبتغى ولم يكن الرفق أوفق فيتوسل بالشدة من أجل الروع المقدم والهادي إلى سواء الصراط .


    ب - الرفق في العبادة :
    معلوم أمر العبادة أنها على نمطين اثنين : واجبة ومستحبة .
    فالأولى : فرض يلزم الاتيان بها بحدودها وكيفياتها وتوقيفاتها . .
    والثانية : لك فيها الخيار في إثباتها وعدمه ، إلا أن الاتيان فيه ثواب مضاعف
    وأجر جزيل ومردودات ايجابية على شخصيتك وبناءها التكاملي .
    وما قد فرضه الله الحكيم سبحانه هو على قدر طاقة الانسان فلم يكلفه مالا يقدر عليه :
    ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) .
    ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام اخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) .
    ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .
    ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة .
    ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) .
    هذه الآيات المباركات وغيرها تخص العبادات الواجبات وليس المستحبات ، وكلها تتحدث عن مراعاة الله ، فيها طاقة الانسان ومقدوره وترفعه عن الإصر ولا تثقل عليه بما يشق عليه وبما يسبب له حرجا أو عسرا في أمر من الأمور العبادية ، وتفصيل ذلك والوقوف عند كل آية لا يتسع لها هذا البحث .
    فالله جل جلاله يرفق بهذا العبد ويلزمه بالتكاليف الممكنة والسهلة ويرضى منه باليسير إذا ما جاء وفق الضوابط الشرعية .
    ويؤكد هذا ما جاء في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحارث الهمداني خادع نفسك في العبادة ، وارفق بها ولا تقهرها ، وخذ عفوها ونشاطها ، إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة ، فإنه لابد من قضائها وتعاهدها عند محلها .
    المخاطب بالتكاليف والوعظ والنصح هو الانسان ، والانسان إنسان بعقله إذ لا يحاسب إلا على قدر ذلك العقل الذي آتاه الله .
    ولهذا نجد أمير المؤمنين عليه السلام قد خاطب في كتابه الشريف العقل وحمله مسؤولية مخادعة النفس وعدم تفويت الفرصة على مخادعتها والمكر بها قبل أن تمكر هي به ، فخداع العقل ومكره يعني التخطيط السليم للهدف السليم ، وخداع النفس ومكرها هو على العكس من ذلك ، فمن أراد كبح جماح نفسه وتحرير إرادته وعقله من أسر هواها ، فما عليه إلا أن يجعل المبادرة بيد عقله حتى يسجل في ميدان الصراع سبقا وغلبة على نفسه الامارة بالسوء .
    ولما كانت النفس تميل إلى التحلل من التكاليف ومنها العبادة ، فما على العقل إلا أن يمكر بها ويخدعها بخطة خفية يبرمج فيها أوقات هذه النفس على ما ليس فيه الملل من العبادة التي لابد من الالتزام بها لاسعاف وجودها العاقل حتى تنمو وتسمو وتتقدم في مدارج الكمال .

    والرفق بها في هذا المجال يعني عدم تحميلها ما لا تطيق من المسنونات المستحبة ككل ما جاء من الأوراد والأذكار والأدعية والصلوات ، إذ إن قهرها على ذلك يولد ردة فعل معاكسة - والعياذ بالله - تسأم فيه الاسلام كله ، فلابد إذن من الرفق بها وأخذها بالتدريج وبما تتسع له حركتها ونشاطها ، بل وعدم أخذها بما يوقف حركتها أو يحد من نشاطها وينفرها من المستحبات ، بل عليه أن يقهرها في الواجبات على وفق الشروط والحدود والأوقات ، لأنها تكاليف من الحكيم الرحيم على قدر الطاقة والسعة . وما تعلل النفس وتسويفها إزاء تلك الواجبات إلا طغيان منها يجب قمعه من أجل إصلاحها والنفس كالطفل إن تهمله شب * على حب الرضاع ، وإن تفطمه ينفطم فالرفق بالنفس وترويضها على العبادة المستحبة التي تطيقها هو السبيل الأمثل في منهجية التكامل ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خذوا من العبادة ما تطيقون ، فإن الله لا يسأم حتى تسأموا .
    وعن حفيده الإمام الصادق عليه السلام : لا تكرهوا إلى أنفسكم العبادة . فمن أكره نفسه على العبادات المستحبة بما تمل منه فقد كره العبادة إلى نفسه .


    ج - الرفق والتعمق في الدين :
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إياكم والتعمق في الدين ، فإن الله قد جعله سهلا فخذوا منه ما تطيقون ، فإن الله يحب ما دام من عمل صالح وإن كان يسيرا .
    وهذا أمير المؤمنين عليه السلام يعنف أحد أصحابه حين كلف نفسه مالا يأمر به الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يظن أنه متعمق في العبادة !
    ذلك أن أمير المؤمنين عليه السلام قد زار العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه . . . ، فقال له العلاء ، يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد .
    قال عليه السلام : وماله ؟ قال : لبس العباءة وتخلى عن الدنيا . قال عليه السلام : علي به . فلما جاء قال عليه السلام : يا عدي نفسه ! لقد استهام بك الخبيث ! أما رحمت أهلك وولدك ! أترى الله أحل لك الطيبات ، وهو يكره أن تأخذها ! أنت أهون على الله من ذلك !
    قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ! قال عليه السلام : ويحك ، إني لست كأنت ، إن الله تعالى فرض على أئمة العدل ( الحق ) أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيغ بالفقير فقره .
    التحذير من التعمق في الدين يخص الجهلة به والذين يغورون في بحره بجهلهم دون علم ودراية وتدبر ، حتى يختنقوا بأوهامهم وتصوراتهم التي لا تقوم على أسس موضوعية ، وعندها يخيل إليهم أن الدين شاق في تكاليفه ، عسير في عباداته ، والحال هو العكس تماما إلا أنهم أخذوا بالمستحبات مأخذ الواجبات ، فشق عليهم الامر وخرجوا بالنتيجة المغلوطة . أو أنهم وسوسوا في الغسل والوضوء والطهارة والنجاسة وألفاظ الصلاة فملؤه . ولو أنهم أخذوا بما يطيقون لوجدوه سهلا يسيرا ، ولو لم يوسوسوا فيه لما ملوه .

    ه‍ - الوغول في الدين برفق :
    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى .نعم إن هذا الدين متين ، لأنه دين لكل زمان ولكل مكان ، وكتابه تبيان لكل شئ . . فمن لم يدخل إلى حريمه برفق ، وفق منهجية حكيمة ، ينبهر بجماله ، أو يصطدم بجلاله ، ومن يتكلف العبادة دفعة واحدة دون التدرج المرحلي المناسب للداخل في هذا الدين يصعب عليه تحمل هذا الدين ، فيتركه ، وبتركه والعياذ بالله يترك سعادته الدنيوية والأخروية . وعلى المسلم الرسالي أن يتصرف بحكمة متناهية في الدقة مع من يكسبه إلى الاسلام ، ولا يحمله ما لا يطيق فيكره الاسلام والدين وعبادة رب العالمين والله يقبل اليسير .
    عن أبي عبد الله عليه السلام قال : اجتهدت في العبادة وأنا شاب فقال لي أبي : يا بني دون ما أراك تصنع ، فأن الله عز وجل إذا أحب عبدا رضي عنه باليسير .
    وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن النفس ملولة وإن أحدكم لا يدري ما قدر المدة ، فلينظر من العبادة ما يطيق ، ثم ليداوم عليه ، فإن أحب الأعمال إلى الله ما
    ديم عليه وإن قل . فالنبي الأكرم في هذا الحديث وغيره يؤكد لنا حقيقة أن النفوس تمل ، وعلينا أن نرفق بها في أن لا نكلفها ما لا تطيق ، وأن نستديم على اليسير من المسنونات التي لا تنفر منها نفوسنا ، وذاك أحب عند الله .


    الرفق والايمان :
    عن الإمام الباقر عليه السلام : من قسم له الرفق قسم له الايمان ، هذا يعني أن الرفق يفضي إلى الايمان .
    وعن الإمام الباقر عليه السلام : لكل شئ قفل ، وقفل الايمان الرفق فمن كان رفيقا بنفسه وبالناس وبالحيوان كان قلبه منفتحا للايمان .

    الخاتمة
    إن نظرية الاسلام في الأخلاق الاجتماعية تقوم على الرفق واللطف والتسامح والتجاوز ، من غير ضعف ولا مداهنة بل من أجل الهداية للرشد والتكامل . إن القرآن المجيد يعتبر التخلق باللين ومجانبة الفظاظة والغلظة من أهم عوامل استقطاب الناس في درب الحق ، ويدعو إلى العفو عن المسئ والاستغفار للمذنب ومشاورتهم في الأمور العامة ، والعزيمة بعد ذلك من حصة القيادة الشرعية .
    إن القرآن يأمر بخفض الجناح للمؤمنين رفقا بهم وتواضعا لهم وإعزازا لشخصيتهم .
    إن القرآن يصف عباد الله المتواضعين بقوله : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) أي من غير استعلاء ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) أي لا يمارون بل يرفقون بالآخرين ولا يحملوهم فوق ما يطيقون .
    ويعتبر المتواضعين في سيرهم الرسالي هم الرحمانيون ما داموا متخلقين بالرحمة .
    إن القرآن يرى الهجر الجميل هو النموذج الرسالي الواعي في عملية التبليغ ، ويرفض ترك الآثار السلبية في نفوس المعاندين ما دام هناك أمل للعودة للتبليغ في وسطهم .
    إن القرآن يلزم أتباعه بأن يدفعوا السيئة بالحسنة وبالطريقة الحسنى ويريد منهم أن يتعاملوا مع الآخرين تعامل الولي الحميم رفقا بهم من أجل خيرهم وصلاحهم . إن القرآن يعتبر المتخلقين بذلك هم من اولي الحظ العظيم في السجايا الفاضلة . ومن أهل الكرامة والنعيم الأبدي .
    إن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأكد على الرفق وتنعته بأفضل النعوت ، فهو اليمن والبركة والجمال في الجوهر والمظهر ، وهو الخير والكرم ونصف المعيشة ووزير الحلم .
    إن الأحاديث الشريفة تؤكد أن الله رفيق ويحب الرفق في الامر كله ، وأن الله سبحانه يعين على الرفق .
    إن الاسلام يأمر بالرفق بالحيوان ويحاسب على ذلك دنيا وآخرة . إن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطاهرة المطهرة عليهم السلام تقول : إرفق بالآخرين يرفق بك .
    إن الرفق رأس الحكمة .
    إن من لا يستحق الرفق يكون الرفق معه خرقا .
    إن من لم يصلحه الرفق تصلحه الشدة .
    إن من الرفق الرفق بالنفس ، وعدم تحميلها ما لا تطيق تحت شعار العبادة .
    إن من يضيق على نفسه يضيق الله عليه .
    على العقل أن يمكر ويخطط لمواجهة مكر النفس وخداعها .
    نهي الجهال عن التعمق في الدين من غير وعي .
    إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق .
    إن الرفيق من أعانك على صلاح دينك .
    إن الايمان يفضي إلى الرفق وإن الرفق يفضي إلى الايمان .

    والحمد لله رب العالمين

    المصدر
    كتاب : الرفق في المنظور الاسلامي
    [المؤلف : مركز الرسالة]

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بحث رائع ومميز بارك الله بكم اخي ضياء الحفار على هذا الطرح
    .................................................. ..................................
    .................................................. ..................................

    تعليق


    • #3
      بسم الله الرحمن الرحيم
      وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
      الاخ الفاضل( احمد العماري ) شكرا لمروركم الكريم بموضوعنا
      وشكرا لتعليقكم العطر الذي فاحة روائحه في صفحتنا
      نسأل الله ان يوفقنا وأياكم لكل خير
      والحمد لله رب العالمين

      تعليق

      يعمل...
      X