بسم لله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد واله الطاهرين
السلام عليكم أخوتي الكرام ورحمة الله وبركاته
لا يخفى على المتتبع لأحوال المجتمع الشيعي- في عموم أيام السنة وفي شهري محرم وصفر خصوصا- أن فيه حركة غير إعتيادية من النشاط العاطفي والفكري تتمثل في إقامة آلاف المأتم على الامام الحسين حتى أصبحت إقامة مجالس الحسين لا تقتصر على تخليد ذكراه فقط بل انهم يقيمونها حتى في مجالس العزاء على موتاهم المقربين، بل وأنهم ذهبوا أكثر من ذلك حيث أنهم يقيمونها حتى في المناسبات السعيدة كالانتقال الى بيت جديد مثلا . وقد أرتبط الشيعة مصيريا بهذه المجالس فأصبحت من أهم معالم وجودهم الاجتماعي، وتحملوا في سبيلها وفي سبيل المحافظة عليها أشد انواع الاضطهاد.
للغير تفسيران خاطئان
لقد تعرضت هذه الظاهرة كغيرها من الظواهر الاجتماعية والدينية الى الكثير من النقد والتحليل والتجريح بل والمحاربة تحت انواع متعددة من الاعذار والتفسيرات
ولكن أشهرها أثنين:
الاول :
ما ذهب اليه أبن تيمية ومن هو على شاكلته، حيث إدعوا إن البكاء من بدع الشيعة التي خالفوا فيها السنة النبوية التي تأمر بالصبر عند المصيبة والاسترجاع عند الموت وتنهى عن الجزع. وهذا الكلام لازال يتردد الى اليوم كلما حل موسم الحزن ونهض الشيعة للعزاء.
الثاني:
ما ذهب اليه العلمانيون حيث قالوا ان البكاء على الحسين نوع من التأثر بمخلفات وعادات الشعوب الشرقية القديمة .
اما جواب الاول:
فهو ان المؤسس لهذه الظاهرة الدينية والاجتماعية هم الانبياء وسيدهم وخاتمهم(صلى الله عليه واله ) ثم من بعده الائمة الاطهار(عليهم السلام) , وليس للشيعة في ذلك الا شرف الاتباع والاقتداء. فقد تواترت الاخبار عن النبي بقتل الحسين, وبكائه عليه وحزنه منذ ولادته. وكذلك الاخبار عن الائمة بأن الكثير من الانبياء قد بكوا الحسين من قبل.
كما والملاحظ على الائمة (عليهم السلام)اهتمامهم الشديد في تربية شيعتهم على الحزن والبكاء وزيارة الحسين رغم كل أنواع المخاطر التي يلاقونها.
ففي كامل الزيارات (الباب الثّاني والثّلاثون
(ثواب مَن بكى على الحسين بن علي عليهما السلام))
1 ـ حدِّثني الحسن بن عبدالله بن محمّد بن عيسى ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن العلاء بن رزين ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه السّلام «قال : كان عليّ بن الحسين عليهما السلام يقول : أيّما مؤمنٍ دمعتْ عَيناه لقتل الحسين
ابن عليٍّ عليهما السلام دمعةً حتّى تسيل على خدِّه بوَّأه الله بها في الجنّة غُرفاً يسكنها أحقاباً ، وأيّما مؤمن دَمَعَتْ عيناه حتّى تسيل على خَدِّه فينا لاُذى مسّنا مِن عَدوِّنا في الدُّنيا بوَّأه الله بها في الجنّة مبوَّأ صِدقٍ ، وأيّما مؤمن مَسَّه أذىً فينا فَدَمَعَتْ عيناه حتّى تسيل على خَدِّه مِن مَضَاضةِ ما اُوذي فينا صرَّف اللهُ عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة مِن سَخطه والنّار )
وكذلك (الباب الحادي والسّبعون
(ثواب مَن زار الحسين عليه السلام يوم عاشوراء)
6 ـ حدَّثني جعفر بن محمّد بن إبراهيم الموسويّ ، عن عبيدالله بن نَهِيك ، عن ابن أبي عُمَير ، عن زَيدٍ الشَّحّام ، عن جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السلام «قال : مَن زار الحسين عليه السلام ليلة النّصف مِن شعبان غفر الله له ما تقدَّم مِن ذنوبه وما تأخّر ، ومَن زاره يوم عَرَفة كتب الله له ثواب ألف حَجّة متقبّلة وألف عُمرَة مَبرورة ، ومَن زاره يوم عاشوراء فكأنّما زار الله فوق عرشه» .)
وفي وسائل الشيعة
(.. ((21731)) 10 ـ الحسن بن محمد الطوسي في (مجالسه) عن أبيه، عن محمد بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن حماد الانصاري، عن جميل بن دراج، عن معتب مولى أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول لداود بن سرحان: يا داود أبلغ موالي عني السلام، وإني أقول: رحم الله عبدا اجتمع مع آخر فتذاكرا أمرنا فإن ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة[1]، فاذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر فإن في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا. )
اما جواب الثاني:
فنقول إن المهم في كل ظاهرة اجتماعية او ممارسة دينية هو ان يكون لها سند تشريعي صحيح. فإذا ما وجد(وهو موجود هنا وقد سبق ان بينا بعض القليل منه) فسوف لن يضرها وجود نضير لها في الامم السابقة. كما انه لا يضر الصلاة او الصوم او الحج مثلا وجود نظائر لها في الشرائع والمجتمعات القديمة .
فهل يتجرأ احد من المسلمين ان يقول ان الصلاة باطلة مثلا لأن اليهود كانوا يصلون قبلهم؟! أكيد الجواب سيكون لا. وما ذلك الا لوجود السند الشرعي الصحيح لها. وكذلك البقية فأن الكلام فيها هو عين الكلام في الصلاة.
هذا ودمتم سالمين...

[1] أسأل من الله تعالى عزيزي القارئ ان نكون جميعا مصداقا للذين التقوا واجتمعوا على تذاكر أمر محمد وال محمد حتى نكون من الذين يباهي بنا الله تعالى ملائكته بفضله ومنه وجوده وكرمه.
تعليق