أخيراً أشرقت الروح
تقص علينا لمياء وهي على مذهب ابي حنيفة قصتها مع بتول الشيعية قائلة:
كنت طالبة في المرحلة الثانية بكلية الشريعة، وكنت أتساءل دائما: لماذا هذا الاختلاف في المذاهب ؟.الشافعي يقول: إن لمس المرأة الأجنبية يوجب الوضوء، والحنفي يقول بخلافه، ويخالفهما مالك حيث يقول: إن اللمس إذا كان بشهوة أو عن عمد وجب الوضوء وإلا فلا.
والحنفي يجيز الوضوء بالنبيذ واللبن المشرب بالماء، ويخالفه الثلاثة.
ويقول مالك بجواز أكل لحم الكلاب، ويخالفه الثلاثة...إلى كثير من هذا الخلاف الواقع بينهم من أول الفقه الى آخره.
يا سبحان الله..! فهل كانت الشريعة ناقصة لم تتم حتى أتوا بما أتوا به من الخلاف الدائر بينهم، فهذا يحلل وذاك يحرم، والآخر يجيز وذاك بالعكس ؟!.
ورب صدفة ولحسن الحظ وخير الطالع وأثناء دراستي في الجامعة دخلت علينا طالبة جديدة وكانت عراقية وقد تهجرت من بلادها مع ذويها إلى بلدنا طلبا للأمان.
وكانت هذه الفتاة واسمها (بتول) تجلس في المقعد الأخير في القاعة، ودائما تلبس العباءة السوداء والخمار يغطي رأسها حتى ذقنها، ويا له من حجاب يدل على التزامها الديني وانتصارها على تقلبات العصر وهفوات التقدم والموضة...
وكنا نتحرش بها قاصدين السخرية والاستهزاء بها لأنها شيعية . وذات مرة كانت المحاضرة عن المذهب الشيعي، وبدأ الدكتور يلقي المحاضرة وكلنا مصغون إلى ما يقال عن ذلك المذهب، وبتول تندهش وتندهش من كل ما يقال عنهم وتتمتم أثناء المحاضرة بأن لعنة الله على الظالمين... سامحكم الله... أذناب بني أمية... أتباع معاوية... وهكذا إلى أن انتهت المحاضرة وبتول تكاد تنفجر من الغيظ.
فقلت لها: لماذا أنت مغتاظة ومتضايقة، أليس ما قاله الدكتور المحاضر عنكم صحيحا.
فابتسمت بتول عندها وقالت: إذا كان الأستاذ يفكر بهذا الشكل فلا لوم على الطلاب، وإذا كان تفكير الطلاب هكذا فلا لوم على عامة الناس الذين لا ثقافة لهم.
قلت: ماذا تقصدين؟
أجابت: عفوا، ولكن من أين لكم هذا الادعاءات الكاذبة.
قلت: من كتب التاريخ ومما هو مشهور عند الناس كافة.
قالت: لنترك الناس كافة الذين يعتمدون على الصحاح بالدرجة الأولى، ولكن أنت هل قرأت شيئا من الكتب عنا؟
قلت: نعم مثل، ظهر الإسلام، وفجر الإسلام، وضحى الإسلام لأحمد أمين وغيرها كتب كثيرة.
قالت: ومتى كان أحمد أمين حجة على الشيعة؟ أليس عليكم أن تتبينوا الأمر من مصادره الأصلية المعروفة.
قلت: دعينا من أحمد أمين هذا وأخبريني عن حقائق عديدة تقال عنكم:
فقاطعتني قائلة: إذا كنت تريدين تمضية الوقت والكلام لمجرد الكلام فأنا آسفة والأفضل أن أذهب وأما إذا أردت الاستفادة حقا والتأكد من مظلوميتنا فلك ما تريدين ووقتي لك كله.
قلت: لا والله، معاذ الله أن أتكلم معك لمجرد الكلام ولكني أحببتك فعلا وأحسست بأنك مظلومة وعندك حجج كثيرة .
قلت: فلنبدأ، فقاطعتني وقالت: إذن صلي على محمد وآل محمد، فتعجبت وقلت في نفسي هؤلاء الذين نتهمهم نحن بالخروج عن الدين يحافظون عليه أكثر منا.
فقلت: اللهم صلى على محمد وآله وصحبه أجمعين، فتبسمت قليلا وقالت تابعي:
فقلت لها: لأي المذاهب ينتمي مذهبكم.
قالت: المذهب الجعفري.
قلت: عجبا ما هذا الاسم الجديد؟ نحن لا نعرف غير المذاهب الأربعة وما عداها فليس من الإسلام في شئ.
وابتسمت قائلة: عفوا، إن المذهب الجعفري هو محض الإسلام ألا تعرفين أن الإمام أبا حنيفة تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق عليه السلام؟. وإن المذاهب الأربعة أخذ بعضهم عن بعض فأحمد بن حنبل أخذ عن الشافعي والشافعي أخذ عن مالك وأخذ مالك عن أبي حنيفة وأبو حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، وعلى هذا فكلهم تلاميذ لجعفر بن محمد، وهو أول من فتح جامعة إسلامية في مسجد جده رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تتلمذ على يديه أكثر من أربعة آلاف محدث وفقيه.
وسألتني مقاطعة نفسها أي الأئمة تقلدين؟ قلت الإمام أبا حنيفة!
قالت: كيف تقلدين ميتا بينك وبينه قرابة أربعة عشر قرنا، فإذا أردت أن تسأليه الآن عن مسألة مستحدثة فهل يجيبك؟
فقلت لها بسرعة البديهة: وأنت إمامك ميت فكيف تقلدينه؟
قالت: إن إمامي حي غائب، وفي غيبته نقلد أحد المجتهدين الورعين ولا يجوز عندنا تقليد الميت.
قلت: حسنا هذه اقتنعت بها.. لننتقل إلى الثانية: إنكم تعبدون عليا وتقدسونه ولا تؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وآله أليس كذلك؟.
قالت: ألم تقرأي قول الله سبحانه وتعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) .
وقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) .
قلت: بلى أعرف هذه الآيات، قالت: فأين هو علي؟ فالقرآن نفسه عندنا وعندكم ويقول بأن محمدا هو رسول الله فمن أين جاء هذا الاتهام الباطل؟
قلت هذه أقنعتيني بها فماذا عن خيانة جبرئيل تقولون بأنه خان الأمانة، فبدلا من أداء الرسالة إلى علي أداها إلى محمد صلى الله عليه وآله؟
قالت: حاشاه، هذه أقبح من الأولى، لأن محمدا كان عمره أربعين سنة عندما أرسل الله سبحانه إليه جبرئيل عليه السلام ولم يكن علي إلا صبيا صغيرا عمره ست أو سبع سنوات، فكيف يخطئ جبريل ولا يفرق بين محمد الرجل وعلي الصبي؟
فقلت: هذا منطقي جدا. كيف لم نحلل نحن بهذا المنطق؟
فاحترت وتلكأت وقلت في نفسي قبل أن نسألهم عن اختلافهم عنا في اعتقاداتهم، لنسأل أنفسنا نحن السنة لماذا تتعدد مذاهبنا وتختلف فيما بينها.
قلت: إذن كل ما يقال عنكم افتراء، قالت: سامحكم الله.
اعتذرت منها لضيق الوقت وودعتها طالبة منها زيارتي في القريب العاجل لأنني تلهفت كثيرا لسماع المزيد من ردود الشيعة على الأقاويل التي يدانون بها.
وبعد أيام عدة جاءت بتول لعيادتي فقد كنت متوعكة قليلا ولم أذهب إلى الكلية لأيام عدة، فأهدتني باقة من الورد ومعها مصحف، ففتحه ووجدته مثل مصحفنا تماما، فقلت لها: يقولون إن لكم مصحفا خاصا بكم..؟
قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، هؤلاء المفترون أعداء الإسلام يريدون تفريق المسلمين وتمزيقهم وضرب بعضهم ببعض، فنحن نعبد الله وحده لا شريك له، وقرآننا واحد ونبينا واحد وقبلتنا واحدة نشترك معكم في هذه الأمور، وربما نختلف عنكم أنتم السنة في بعض الأمور الفقهية وبعض الأمور العقائدية...
قلت: حدثيني عن أحقية علي في الخلافة كما تزعمون.. حدثيني عن التربة الحسينية (قرص الطين الذي تسجدون عليه)، عن الحسين، ولماذا يبكي الشيعة ويلطمون؟ حدثيني عن توسلكم وتبرككم بأضرحة أئمتكم، حدثيني كيف تجعلون من أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم وأرضاهم) أشخاصا عاديين، وأحيانا تشتمونهم وتسبون بعض أزواج النبي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا...؟
ذكرت كل تساؤلاتي وكانت هي مبتسمة، وبدا أنها مستعدة لكل سؤال يطرح عليها وأنها واثقة من نفسها تماما.
فقالت: هل تريدين الحق؟ لقد أحببتك يا أختي لمياء وأتمنى منك أن تقبلي هديتي المقبلة، كتب عدة، إقرأيها وسوف تجدين ملاذك عن كل سؤال طرحتيه علي...
فأنا إن أجبتك عن كل سؤال لا يكفينا أيام السنة كلها ونحن نتناقش في صحة كلامي وعدمه، أما إذا قرأت عن أشخاص عدة استبصروا عرفوا طريق الحق، كانوا من أهل السنة وأصبحوا من الشيعة، لوجدت برهانا دامغا ساطعا وحجة عليك من كتبكم، ولن أطلعك على كتبنا حتى تطلبيها أنت بعد قراءتك لكتب المتشيعين.
شكرتها وتمنيت منها أن تزورني وترسل لي الكتب بأسرع وقت، فأنا شغفة ومتشوقة لقراءتها عسى ولعل أن أجد فيها شفاء لشكوكي ووساوسي الدفينة حول الاختلاف الدائر بين المذاهب الأربعة المعروفة.
وفعلا، لم تكذب خبرا فبعد ثلاثة أيام جائتني بكثير من الكتب وقالت لي: سآتي في الأسبوع القادم لأخذك معي لحضور عاشوراء، فترددت قليلا في قبول الدعوة، ثم قبلت وأنا حيرانة، وقلت: حسنا كما تريدين...
ثم انكببت على الكتب ليل نهار وأنا أقرؤها من الجلدة إلى الجلدة - كما يقولون - فقد استهواني تحليل كل كاتب منهم القضايا العالقة بين السنة والشيعة وفاجأني الكل بقصة لم أسمع بها من قبل، رزية يوم الخميس، إنها فضيحة فظيعة لا تصدق، ولكن عندما ذيل الكاتب الصفحة بأنها من كتب السنة: صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير. فكيف بعد هذا الذي قرأته أكذب نفسي وأقول إنه قول جماعة لا يحبون الخلفاء الثلاثة ويكرهونهم، أليس ذلك مذكور في الصحاح؟ فخطر لي أن أبحث عن تلك الصفحات في الصحاح لأتأكد، وتمنيت أني لو لم أجدها، لكن البخاري ذكرها ومسلم ذكرها و... كلهم ذكروها وأمرونا أن نتبع أبا بكر وعمر وأخبرونا بأنهم عدول لا يذنبون.
ومن هنا، ملت إلى الشيعة أكثر فأكثر، لأن تحليلهم لكل الأمور منطقي، أكملت قراءة كل كتب التيجاني والشيخ محمد مرعي أمين الأنطاكي و... و... وكلهم سنة تشيعوا ولم أسمع بحياتي عن شيعي قد تسنن.
إن رزية الخميس وحدها كافية لأن تشيعني، ليتك يا عزيزي القارئ تعرفها لتعرف أني على حق، إنها قصة يندى لها الجبين وهي عار على أهل السنة في كتبهم .
فايقنت ان الشيعة على حق ونحن على باطل، وهم يتمسكون باللب ونحن نتمسك بالقشور، هم الذين يجب أن يسموا أهل السنة، لأنهم لم يغيروا ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله، أما نحن فاتبعنا سنة أبي بكر وعمر ومعاوية.
آه وا أسفاه على ماض كنت فيه مغمضة العينين، أمشي مع أقراني وقومي وهم على طريق الضلالة. ولكن الحمد لله الذي هداني بفضل هذه الفتاة المؤمنة الصادقة النية .
فقالت هنا بتول دعينا الآن نذهب لحضور عاشوراء كما اتفقنا ، فذهبت ورأيت الناس في بكاء وعويل وكأن الحسين عليه السلام قد استشهد لتوه، فبكيت معهم وعشت لحظاتهم المباركة الحزينة وأحسست بانجلاء الكروب عن نفسي وتنفست الصعداء واعتبرت هذا اليوم أول يوم من مسيرة تشيعي ... وأخيــــــراً أشرقت الروح .
(فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب)
ملاحظة القصة اطول مما ذكرناه اختصرناها لتجنب الاطالة مع بعض التعديل . ومن يريد التفصيل مراجعة المصدر ادناه .
المصدر
كتاب أخيراً أشرقت الروح
تأليف لمياء حمادة
مركز آل البيت للمعلومات
تعليق