قواعد بناء الحب بين الأخوة
لكي تستطيع أن تقتلع جذور التباغض والعداء من بين أبنائك ... ولكي تجعل ابنك يطبع قبلة على وجنتي أخيه بدل أن يوجه إليه الضربات ... ولكي تستطيع أن تقتلع البغض من صدورهم ، وتزرع مكانها أشجار الحب والوئام ... حتى تجعلوا ذلك يحصل كله عليكم العمل بهذه الوصايا التالية :
أولاً - انصف ابنائك في توزيع القبلات .
روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نظر إلى رجل له ابنان فقبّل أحدهما وترك الآخر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (( فهلاّ آسيت بينهما؟ )).
إذاًعندما تريد أن تقبّل فيها أحد أبنائك، أو تضمه إلى صدرك، وتعطف عليه بالحب والحنان فلا تنسى الاخرين ، فإن عليك أن تساوي بين أبنائك في توزيع القبلات، ويعني ذلك إذا قبّلت أحد أبنائك في محضر أخوانه الصغار حينئذ لابد أن تلتفت إليهم وتقبّلهم أيضاً، وإن لم تفعل ـ بالخصوص إذا كنت تكثر من تقبيل أحد أبنائك دون أخوانه ـ فكن على علم أنك بعملك هذا تكون قد زرعت بذور الحسد وسقيت شجرة العدوان بينهم.
وقد أكّد الإسلام على هذه المسألة الحساسة، وأعار لها انتباهاً ملحوظاً، حتى أنه أمر الأب أن يبدأ بالإناث ـ في العطاء ـ قبل الذكور، حيث روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (( من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله كان كحامل صدقةٍ إلى قوم محاويج وليبدأ بالإناث قبل الذكور )).
لماذا ؟ . . . حتى لا تشعر الفتاة بالانكسار والضعف ، في مجتمع يفضل الذكور على الإناث، وبالطبع فإن هذا العمل يدفع الفتاة إلى الشعور بمكانتها العزيزة بين أخوانها، ومن ثم نجاتها من مهالك الحسد والعدوان.
والمطلوب ـ في الحقيقة ـ إقامة العدل بين الأبناء سواء في توزيع القبلات أو في الرعاية والاهتمام بشكل عام.
روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) : (( اعدلوا بين أولادكم ، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف )) .
في بعض الحالات نجد أن الطفل الصغير الأخير يكون موضع رعاية خاصة و(دلال) الوالدين أو من أحدهما، وهنا تدب نار الغيرة والحقد في نفوس إخوته وتذكرنا أمثال هذه الحالات بقصة يوسف (عليه السلام)، وما تعرض له من إيذاء نتيجة كره أخوته له، لإيثار والديه له بالعطف الزائد .
ثانياً ـ بيّن أهمية الأخ لأخيه :
إذا كنت ترغب في أن يسود الحب والود بين أبنائك فما عليك إلاّ أن تبيّن أهمية الأخ لأخيه ، وتشرح له عن الفوائد الجمّة التي يفعلها الأخوان لبعضهم البعض.
وهنا يجدر بك أن تسرد لأبنائك الأحاديث التالية التي توضح تلك الأهمية التي يكتسبها الأخ من أخيه ، وإليك بعضها:
يقول الإمام عليّ (عليه السلام): (( الأخوان زينة في الرخاء وعدة في البلاء))، ويقول : ((الأخوان جلاء الهموم والأحزان ))، ويقول : (( من لا أخوان له لا أهل له )) .
كما لا تنسَ أن تسرد لهم قصة الإمام الحسين (عليه السلام) وأخيه العباس في معركة كربلاء، حيث كان العباس خير معين وناصر لأخيه، حتى أنه لما سقط على الأرض صريعاً جاء الإمام (عليه السلام) وقال: (( أخي.. الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي وشمت بي عدوي )).
إذاً.. فالأخ هو الساعد الأيمن لأخيه ، وقد تجلى ذلك أيضاً في قصة النبي موسى (عليه السلام) حينما قال: ( وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) طه / 29ـ32 .
بهذه الطريقة تكون قد أشعرت ابنك بأهمية أخيه، وبالتالي قد شددت أواصر العلاقة والمحبة بينهم.
ثالثا ـ اسق شجرة الحب بينهم:
الأب الناجح في التربية هو الذي يجسّم المحبة بين أبنائه ويقوم بإروائها وسقيها كل وقت. وتسأل: كيف يتم ذلك؟ والجواب يأتيك على لسان أحد الآباء، وهو يسرد تجربته مع أبنائه، حيث يقول:
لقد رزقني الله (عزّ وجلّ) الوليد الثاني بعد أن جاوز عمر الأول السنتين، وحمدت الله تعالى كثيراًَ على ذلك. وكما هو الحال عند كل الأطفال، أخذ ولدي الأول يشعر تجاه أخيه، كما يشعر الإنسان تجاه منافسيه، كان ينظر إليه باستغراب ودهشة وعدم رضى ، وكأن علامات الاستفهام التي تدور في مخيلته تقول: لماذا احتل هذا الغريب مكاني؟ من هو هذا الجديد؟ هل يريد أن يأخذ أمي مني؟ وبدأ الحسد والغيرة يدبان في نفسه حتى أنه تسلل إليه وصفعه وهو في مهده. لقد كانت تلك هي آخر صفعة، حيث أدركت على الفور أنه لابد من وضع حل ناجح يمنع الأذى عن هذا الرضيع. فكرت بالأمر ملياً حتى اهتديت إلى فكرة سرعان ما حولتها إلى ميدان التطبيق، حيث جئت ببعض اللعب الجميلة والمأكولات الطيبة، ووضعتها في المهد عند طفلي الرضيع، ثم جئت بولدي الأكبر وأفهمته بالطريقة التي يفهمها الأطفال أن أخاه الصغير يحبه كثيراً وقد جاء له بهدايا حلوة وجميلة، ثم أمرته بأن يأخذها منه، فأخذها وهو فرح مسرور لا يخامره أدنى شك في ذلك. ومنذ ذلك اليوم لم أترك العملية هذه، حيث أوصيت زوجتي بأن تقدم أكثر الأشياء التي تريد تقديمها لوليدنا الأول أن تقدمها باسم الصغير وعبره، مثلما فعلت أنا في بادئ الأمر. وكل يوم كان يمضي كان ولدي الأكبر يزداد حباً لأخيه حتى وصل به الأمر إلى البكاء عليه فيما لو أخذه أحد الأصدقاء وقال له مازحاً إنني سأسرق أخاك منك !
كان ذلك بالنسبة للأطفال الصغار، بينما السؤال الآن: كيف نزرع الحب بين الأبناء الكبار؟
تستطيع أن تحقق ذلك عبر الطرق التالية:
الطريقة الأولى: ادفع أبناءك ليقدم كل واحد منهم هدية لكل أخ من إخوانه، وساعدهم على ذلك فمثلا في الاعياد او عند نجاحهم في الامتحانات ادفع كل واحد منهم لشراء هدية لاخيه بهذه المناسبة ،وادعمه بالمال ان كان لا يملك المال .
الطريقة الثانية: ادفع أبناءك للجلوس معا وان يلهوا ويتشاوروا ويتحدثوا معاً . وان كانوا كبارا كلا استقل بحياته فحثهم للتزاور والتواصل فيما بينهم فإنه ليس هناك شيء يمتن العلاقة والحب بين الإخوان مثل الزيارة.
وبعض الاخوة ينظمون برامج دورية ومستمرة للزيات مثلا كل خميس هناك زيارة مرة الاجتماع عند هذا الاخ والثانية الاجتماع عند الاخ الاخر وهكذا .
الطريقة الثالثة: ادفعهم إلى المصافحة والمعانقة فيما بينهم.
عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال : « إن الله لا يقدّر أحد قدره ، كذلك لا يقدِّر أحد قدر نبيه (صلّى الله عليه وآله) ، وكذلك لا يقدِّر أحد قدر المؤمن ، إنّه ليبلغ أخاه فيصافحه فينظر الله إليهما والذنوب تحات عن وجوههما حتى يتفرقا كما تحتُّ الريح الشديدة الورق عن الشجرة».
رابعاً ـ اقض على ا لظلم والحسد بيهم:
ابحث عن أسباب الشقاق وبواعث الحقد والخصام بين الأبناء ان وجدت ثم اقتلعها من الجذور وازرع مكانها رياحين المودة والإخاء.
ومن أسباب الخصام السيئة هي : الاعتداء والظلم والحسد.
فلو كان أبناؤك يعتدون على بعضهم البعض، ويمارسون الظلم وفي صدورهم يعشعش الغل والحسد، حينئذ فلا غرابة إذا لم تجد فيهم الحب والود والإخاء.
وأحياناً كثيرة تجد أن الأخ الأكبر في العائلة يصبح مستبداً إلى آخر حد، يقوم بإحكام سيطرته الحديدية على أخواته مكسورات الجناح، وكأنه سلطان جائر.
هنا لا بد أن يتدخل الأب ويفك القيد ويرفع الظلم، وإلاّ فإن الأبناء ـ كلهم ـ سيصبحون على شاكلة أخيهم الكبير، لأن الأجواء الملتهبة تخلق من أفراد الأسرة وحوشاً ضارية، تضطر الكبير أن يستضعف الذين هم أصغر منه، وهكذا بالتسلسل حتى آخر طفل.
وهكذا الأمر تماماً بالنسبة للحسد، فالأبناء الذين ينامون على وسائد الحسد ويلتحفون بلحاف الحقد والضغينة، وتنمو في صدورهم أعشاب الغل، هؤلاء الأبناء يعيشون حياة ضنكا، لا تجد للمحبة أثراً فيها.
فالحسود بطبعه يبغض الآخرين، ويكنّ لهم الحقد والكراهية، ولربما تسوّل له نفسه القضاء على من يحسده، كما فعل قابيل بأخيه هابيل من قبل.
من هنا، فإذا ما كنت تريد أن يسود الحب والود بين أبنائك، فلا مناص من رفع أي بوادر سيئة مثل الظلم والحسد من بين أبنائك..من خلال معرفة اسباب هذه البوادر ومحاولة علاجها بالتي احسن . بل ولا بد أن تقتلها وهي في المهد قبل أن تترعرع وتكبر.
خامساً ـ اجعل الحوار والتفاهم وسيلة لحل المشكلات:
هنالك بعض الأبناء لا يعرفون طريقاً لحل المشكلات غير طريق المشاجرة والاشتباك الحاد، وكأنهم أعداء وليسوا إخواناً!
ترى.. لماذا لا ينتهجون سبيل الحوار الهادئ يينهم ؟
بالطبع إن السبب يرجع إلى الوالدين فهما المسؤولان عن خلق الأجواء والعادات والتقاليد في العائلة.
لذلك .. من المفترض أن لا ينسى الآباء تعليم أبنائهم عادة الحوار والتفاهم الرزين بدل أسلوب المناقشات العصبية والمشاجرات الصاخبة.
والمسألة لا تحتاج إلى فلسفة وتنظير، إذ يكفي لأحد الوالدين أن يستوقف أبناءه في حالة حدوث أول صراع كلامي ويبدأ ويحاول تفهيمهم كيف يناقشون مشكلتهم بهدوء وايجاد الحلول . واذا كان الابناء صغار لا يفهمون هذا الكلام يحل لهم المشكلة بالتفاهم .
ونضرب مثالاً على ذلك : كثيراً ما يحدث أن يتشاجر طفلان على لعبة معينة، ويبدأ كل منهما يجر اللعبة. هنا على الأم أو الأب أن يسرع إلى ولديه، ويحاول أن يرضي أحد الطرفين بالتنازل، مثل أن يقول لهما: ليلعب كل واحد منكما بهذه اللعبة نصف ساعة.. واحداً بعد واحد.او يقنع احدهما باللعب بلعبة اخرى .
وهكذا على أي حال فالمهم أن ينهي المسألة بالتفاهم وبمرور الزمن يتعلم الأولاد هذه العادة الحسنة في حل أي مشكلة تطرأ لهم، فيقضون بذلك على أي سبب للخصام قبل أن يفتح عينه للحياة.
سادسا ـ عرفهم حقوق الإخوان:
وهذه الحقوق يبيّنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديثه التالي : روي عن امير المؤمنين عليه السلام قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله : للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقا ، لا براءة له منها إلا بالأداء والعفو : يغفر زلته ، ويرحم عبرته ، ويستر عورته ، ويقيل عثرته ، ويقبل معذرته ، ويرد غيبته ، ويديم نصيحته ، ويحفظ خلته ، ويرعى ذمته ، ويعود مرضته ، ويشهد ميتته ، ويجيب دعوته ، ويقبل هديته ، ويكافئ صلته ، ويشكر نعمته ، ويحسن نصرته ، ويحفظ حليلته ، ويقضي حاجته ، ويشفع مسألته ، ويسمت عطسته ، ويرشد ضالته ، ويرد سلامه ويطيب كلامه ، ويبر إنعامه ، ويصدق أقسامه ، ويوالي وليه ولا يعاديه ، وينصره ظالما ومظلوما ، فأما نصره ظالما فيرده عن ظلمه ، وأما نصره مظلوما فيعينه على أخذ حقه ، ولا يسلمه ، ولا يخذله ، ويحب له من الخير ما يحبه لنفسه ، ويكره له من الشر ما يكرهه لنفسه "
بعد أن يكون أبناؤك قد تعلموا هذه الحقوق وأدّوها تجاه أخوانهم ـ حينئذ ـ لا تخشَ على نور الحب أن ينطفئ بينهم ، بل وكن على أمل كبير من ازدياد شعلة الحب والمودة بصورة مستمرة ودائمة.
المصدر: بتصرف
شبكة الامامين الحسنين عليهما السلام
تعليق