بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد واله الطيبين الطاهرين
ولأن الغضب صفة قبيحة، نهى الله سبحانه وتعالى عنها، لأنَّها من نوازع النفس الخطيرة التي تؤدي بالإنسان إلى الشتم والافتراء، وقد تصل به إلى القتل واستباحة الدماء ، حيث نرى فئات من الناس تغضب لمجرد أمر صغير أو حادث بسيط أو ظاهرة عابرة لا تستحق الذكر، فيرتفع الصياح، وتتشابك الأيدي، وعندها، يتأكد ما ذكر في الروايات المباركة من أن الغضب نوع من الجنون وأنه من إيحاءات الشيطان الرجيم.
وكم من أفعال الشر التي تجري في كل يوم، في شوارعنا، وأسواقنا ومدارسنا ومحلاَّتنا، وتكون بسبب الغضب والانفعال. وكم من المعارك العسكرية، أو السياسية التي تقع علينا ونتحمَّل مشاكلها، بسبب نزوة غضب لزعيم أو مسؤول، أو رئيس مجموعة، أو شيخ عشيرة.
وهذا مصداق قول الإمام الصادق عليه السلام: "الغضب مفتاح كل شر".
وكيف لا يكون كذلك، ولم يبقَ أمام الغاضب شيءٌ من المحرَّمات إلاَّ وهو مستعد لأن ينتهكه ويخوض فيه.
وهذا الصادق عليه السلام يقول: "الغضب ممحقة لقلب الحكيم".
إنَّ الغضب نار موقدة تطَّلع على الأفئدة، فتعميها وتصمُّها، وتظهر آثارها على وجه الإنسان وأوداجه واصطكاك أسنانه. وزيغ عينيه وارتجاف يديه.
وجاء في رواية عن رسول الله صلَّى الله وعليه وآله وسلَّم قوله: "ألا وإنَّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشيء من ذلك فليلصَق بالأرض".
وكأني به صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في آخر كلامه، عندما يدعو الغضبان للالتصاق بالأرض، يريد أن يُذَكْره، أنَّه من التراب خرج وإلى التراب يعود، وأن مصيره الموت، فلا تنفعه كل الحركات والتصرفات غير المسؤولة المتولِّدة من رَحِم الغضب، حيث أُشير في الروايات الأخرى عن المعصومين عليهم السلام أنَّ الغضب جمرة من الشيطان، وأنه نار للقلوب، بدليل ما يظهر على جوارح الإنسان، عند اشتداد غضبه.
والمؤمن هو الذي يحاصر هذه النار ويطفئها، بورعه وخشيته وتذكره سلطان الله عليه، فيعفو ويصفح ويتجاوز ويرحم من في الأرض لعلَّ من في السماء يرحمه، ويغفر للعباد لعلَّ ربَّ العباد يغفر له. فإن لم يفعل ذلك، ولم يحاصر هذه النار الشيطانية في مهدها، ولم يقضِ عليها في بدئها، فستحرقه بالأعمال التي سوَّلتها له، ويكون أول ضحية لنار غضبه.
قال علي عليه السلام: "الغضب نار موقدة، كم كظمه أطفأها، ومن أطلقه كان أول محترق به". أي بالأعمال الناتجة عن هذا الغضب.
وكلَّما عظمت مسؤولية الفرد، كلَّما كان غضبه أخطر وأكثر إساءة ووبالاً على من يعيش في كنفه أو تحت إمرته. وهذا ما نراه في حالة الانفعال عند رب العائلة، أو رب العمل، أو مدير المؤسسة... حيث تكون القرارات عندئذٍ شاملة في طغيانها ونارها أصنافاً كثيرة.
قال علي عليه السلام: "الحدة ضرب من الجنون، لأنَّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فإنَّه جنون مستحكم".
ويقول عليه السلام: "إيَّاك والغضب فأوله جنون وآخره ندم".
وبالغضب يكون الإنسان قد تخلَّى، وبإرادته، عن أهم ما يميّزه عن الحيوان، وهو العقل، ولك أن تقدر المستوى الذي يصل إليه إنسان من دون عقل، فقد أفسدَ لبَّه، وشتَّت ذهنه، وضعَّف وعيه...
كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "من غلب عليه غضبه وشهوته فهو في حيِّز البهائم".
وهناك فكرة شائعة بين الناس، وهي أن من يغضب أكثر، ويظهر عصبيَّته وبأسه، يكون الأشجع والأقوى، وهذه فكرة واضحة الضلالة والانحراف، إذ كيف يكون كذلك، وقد انهزم أمام سلطان الشيطان وملك الشهوة.
وكيف يكون كذلك (أقوى وأشجع) وقد دخله الشيطان وانتصر عليه ونطق بلسانه، وأخذ يستعمله فيما يشتهي ويريد!!...
وكيف يكون هو الأقوى والأشجع، وهو لا يملك إرادته ولا أعماله ولا تصرفاته... بل كل ذلك بيد الشيطان الذي يظهر من شدَّة احمرار وجهه، وانتفاخ أوداجه، واتساع حدقتيه، وبذيء لسانه... وبطشه واعتدائه على الناس!
إنَّما القوي حقاً، والشجاع هو الذي يغلب هواه وشهوته ونفسه، ويسيطر على غضبه، فلا يدَّعي عصبية هزمته ولا حدَّة غلبته.
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين
والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين
تعليق