بسم الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين
الصبر
والصبر في اللغة: يعني الحبس والكف .
أما في الاصطلاح: فهو قوة خلقية من قوى الإرادة تمكن الإنسان من ضبط نفسه لتحمل المتاعب والمشقات والآلام وضبطها عن الاندفاع بعوامل الضجر والجزع والسأم والملل والعجلة والرعونة والغضب والطيش والخوف والطمع والأهواء والشهوات والغرائز الخ ....
وبالصبر يتمكن الإنسان بطمأنينة وثبات أن يضع الأشياء في مواضعها، ويتصرف في الأمور بعقل واتزان وينفذ ما يريد من تصرف في الزمن المناسب، بالطريقة المناسبة الحكيمة، وعلى الوجه المناسب الحكيم، بخلاف عدم الصبر الذي يدفع إلى التسرع والعجلة فيضع الإِنسان الأشياء في غير مواضعها، ويتصرف برعونة فيخطئ في تحديد الزمان، ويسيء في طريقة التنفيذ، وربما يكون صاحب حق أو يريد الخير فيغدو جانياً أو مفسداً ولو أنه اعتصم بالصبر لَسلِم من كل ذلك .
نعم الصبر منزلة من منازل السالكين، ومقام من مقامات الموحدين، وبه يصبح العبد في سلك المقربين ويصل إلى جوار رب العالمين. وذكره الله تبارك وتعالى
في أكثر من سبعين موضعاً من القران الكريم.
ووصف الله سبحانه وتعالى الصابرين بأوصاف فقال عزوجل:
( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) ( السجدة : 24 ) .
وقال سبحانه: ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا )
{ يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } (البقرة:153)
( الأعراف : 137 )
(أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (54 : القصص).
فما من فضيلة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر،
ولذا قال تعالى: ( انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى: ( واصبر إن الله مع الصابرين )، وعلق النصر على الصبر فقال: ( بلا إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) [آل عمران: 125] ،
وجمع للصابرين الصلوات والرحمة والهدى فقال:
( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) .
والآيات الواردة في مقام الصبر خارجة عن حد الاستقصاء، والأخبار المادحة له أكثر من أن تحصى.
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين: الصبر نصف الإيمان.
وقال (صلى الله وآله ): من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار. ولئن تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم. ولكن أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضاً وينكركم أهل السماء، عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ قوله تعالى: ( وما عندكم ينفذ وما عند الله باق ).
وقال (صلى الله عليه وآله ): الصبر كنز من كنوز الجنة.
وقال (صلى الله عليه وآله ): في الصبر على ما تكره خير كثير.
وقال (صلى الله عليه وآلله ): الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له.
وقال (صلى الله عليه وآله ): ما تجرع عبد قط جرعتين أحب إلى الله من جرعة غيظ ردها بحلم. كما أوحى الله تعالى إلى داوود (عليه السلام ): يا داوود تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أنا الصبور.
ولهذا أوصى لقمان ابنه بالصبر، لأن الصبر على المصائب يبقى للفعل نوره، ويبقى للشخص وقاره، ولذا كان الصبر من الآداب الرفيعة والأخلاق القويمة، و صفة من صفات المؤمن، وسمة من سمات المبشرين بالأجر العظيم من الله عز وجل
لقوله تعالى : {إِنَمَّا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر : 10]
والصبر هو صفة من صفات الله سبحانه وتعالى فهو الصبور
والصوم يسمى الصبر، ولذا قال - تعالى -: "واستعينوا بالصبر والصلاة"
[البقرة: 45]. قال بعض المفسرين: "الصبر: الصوم" أي: استعينوا بالصوم والصلاة، ويسمى شهر رمضان شهر الصبر، والصبر جزاؤه الجنة "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
[قال الله ] والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم
صبروا - على الأمراض والأسقام ،
صبروا - على الفقر ، والضيق والبلاء ..
صبروا - على حفظ الفروج ، وغض الأبصار ، ومناجاة ربهم في الأسحار ..
( صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" )
أولئك الصابرون الذين اشتاقوا إلى الجنات ، واستبشروا فتحملوا مرضهم ،
وكتموا أنينهم ، وسكبوا في المحراب دموعهم ، فما مضى إلا قليل حتى فرحوا بجنات النعيم
وإذا رأى أهل العافية يوم القيامة ما يؤتيه الله تعالى من الأجور لأهل البلاء ودوا لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض ..
قال أمير المؤمنين عليه السلام قال قال :رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
(الصَّبْرُ ثَلاثَةٌ، صَبْرٌ عَلَى الْمُصيبَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى المُصيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزائِهَا، كَتَبَ اللهُ لَهُ ثَلاثَ مِائة دَرَجَة مَا بَينَ الدَّرَجَةِ اِلَى الدَّرَجَةِ كَما بَينَ السَّمَاءِ اِلَى الاَرضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ سِتَّ مائةِ دَرَجَة، مَا بَينَ الدَّرَجَةِ اِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومُ الاْرضِ اِلَى الْعَرْشِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصيةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ تِسْعَ مِائةِ دَرَجَة مَا بَينَ الدَّرَجَةِ اِلى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومِ الأرض إلى مُنْتَهَى الْعَرْشِ)[1].
[1] الكافي / 2 / 138 .
تعليق