إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مؤمن آلِ فرعون

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مؤمن آلِ فرعون

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والحمدلله ربِّ العالمين
    وأفضل الصلاة والتسليم على حبيب آله العالمين أبي القاسم محمدٍ وآله الغر الميامين وعجل الله تعالى فرجهم الشريف أقر عيوننا به وجعلنا الله من الطائعين له والممتثلين لأوامره الطالبين يثارات أجداده والمدافعين والذابين عنه والمستشهدين بين يديه )



    قال تعالى في سورة غافر

    {{فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ }} غافر 44 – 45

    أوّلا: مؤمن آل فرعون والدرس العظيم في مواجهة الطواغيت
    إنّ القليل من الناس يؤمنون بالأديان الإلهية والمذاهب السماوية في بداية الامر ويقومون بتحدي الجبابرة والطواغيت، وإذا توجست هذا القلّة المخلصة خوفاً من أعدائها، أو أنّها شكت بأنّ كثرة دليل على حقانيتهم، فلن يكون بمقدور الأديان الإلهية أن تمتد وتنتشر في الدنيا.إنّ الأساس الذي يتحكم في منطلق هذه البرامج الهادية والأطروحات الوضّاءة، هو قول أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «أيّها الناس، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله"لقد كان مؤمن آل فرعون نموذجاً لهذه المدرسة، وكان من الأوائل في هذا الطريق، وأثبت أنّ الإنسان المؤمن يستطيع بعزمه وإرادته القوية ـ النابعة من إيمانه بالله تعالى ـ التأثير حتى في إرادة الفراعنة الجبابرة; بل وأن يوفّر سبل النجاة لنبي كبير من أنبياء أولي العزم.إنّ تأريخ حياة هذا الرجل الشجاع الذكي، يثبت ضرورة أن تكون خطوات أهل الدعوة والحق على غاية قصوى من الدقة والحذر، إذ يجب أحياناً التكتم على الإيمان وإخفاء القناعات الحقة; كما يجب في أحيان اُخرى الجهر بدعوة الحق وإظهار الإيمان."
    إنّ التقية ليست سوى إخفاء اعتقاد الإنسان والتكتم عليه في فترة معينة في سبيل الأهداف المقدّسة.وكما يعتبر التسلّح بالسلاح المادي الظاهري من ضرورات المنعة وأسباب دحر العدو، كذلك فإنّ المنطق القوي والحجّة البالغة هي سلاح ضروري قد يعادل في تأثيره السلاح المادي عدة مرّات. لذا فإنّ العمل الذي قام به (مؤمن آل فرعون) بواسطة منطقه وقوة حجته وحكمة تصرفه لم يكن ليعادله أي سلاح آخر.ثم إنّ قصة هذا الرجل المؤمن تظهر أنّ الله جلّ وعلا لا يترك عباده المؤمنين وحيدين، بل يحميهم بلطفه عن الأخطار.وأخيراً فإن من الضروري أن نشير إلى حياة مؤمن آل فرعون انتهت كما في بعض الروايات إلى الإستشهاد،وأنّ ما يقوله القرآن من حفظ الله له ووقايته له يمكن تأويله بإنقاذه من براثن خططهم الشيطانية في إغوائه وجرّه إلى ساحة الضلال والشرك، وأنّ الله أنجاه من سوء المنقلب وانحراف العقيدة هذا في نهاية البحث وبعد التعرف على معنى التفويض الى الله تبارك وتعالى والذي أشارة له الأية الكريمة في مطلعها وبشكل تفصيلي سنعرج على قصة مؤمن آل فرعون .
    ثانياً: تفويض الأمور إلى الله
    فيما يخص التفويض إلى الله تبارك وتعالى يكفي أن نفتتح الحديث بقول لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، جاء فيه: "
    الإيمان له أربعة أركان:

    التوكل على الله،

    وتفويض الأمر إلى الله عزّوجلّ والرضى بقضاء الله،

    والتسليم لأمر الله "

    «معنى التفويض»
    كما يقول الراغب في مفرداته، يعني «التوكل، لذا فإنّ تفويض الأمر إلى الله يأتي بمعنى توكيل الأعمال إليه، وهذا لا يعني أن يترك الإنسان الجد والجهد، إذ أنّ هذا السلوك ينطوي على فهم محرّف لمعنى التفويض، بل عليه أن يبذل كلّ جهده ولا يتخوّف الصعاب التي تواجهه، أو يترك العمل إذعاناً لها، بل عليه أن يسلّم أمره وعمله إلى الله، ويستمر في بذل الجهد بعزم راسخ وهمة عالية.(ومعنى التوكل على الله :هو أعتماد القلب على الله في الأمور كلها وأنقطاعه عما سواه ، فما فعل بك فأنت راضياً تعلم أن الحكم في ذلك له ويسلم أن ماجاء من الله من الأوامر والنواهي هو خير له ،ويعمل بها من دون عناد وكره . المصدر الأداب والأخلاق الاسلامية ،ص 521)
    وجاء في كتاب ينابيع الحكمة لعباس الاسماعيلي اليزدي معنى التفويض

    عبارة عن ترك الأعتراض في الأمور الواردة عليه ، وحوالتها بأسرها الى الله تعالى ، مع قطع تعلقه عنها ورد الأمور الكلية إليه، بحيث يرى قدرته مضمحلة في جنب قدرته تعالى ، وإرادته معدومة عند أرادته تعالى ، ويرى أنه لاأختيار له ، وبتعبير بعض الأكابر كالميت بيد الغسال لاتكون له أرادة ولاأختيار بل الأمور موكولة إلى الغير ، بل جعل الله تعالى قلبه في هذه المرتبة محلاً لمشيئته تعالى .

    وبالجملة التفويض أسم تجتمع فيه معاني العبودية ، وهو فوق الرضا والتسليم والتوكل ،فقد بين ذلك الشيرازي في تفسيره الأمثل الفرق بين التفويض والتوكل
    وبالرغم من أنّ «التفويض» يشبه «التوكل» إلى حد كبير، إلاّ أنّه يعتبر مرحلة أفضل منه. لأنّ حقيقة (التوكل) هي أن يعتبر الإنسان الله تبارك وتعالى وكيلا عنه، لكن التفويض يعني التسليم المطلق لله تعالى. وفي حياتنا العملية نرى أنّ الانسان الذي يتخذ لنفسه وكيلا يواصل إشرافه على عمله. إلاّ أنّه في حالة التفويض لا يبقى أي مجال لإشراف من أي نوع، بل تتر ك الأمور إلى من فوّضت إليه.ويكمل ينابيع الحكمة ، بل هو آخر منازل اليقين وأقصى الدرجات العالية ويكون أشرف الفضائل الخلقية وأفضل الكمالات النفسانية ،وهذا مايبينه الإمام الرضا عليه السلام في أجابته لأحد سائليه عن الإيمان والإسلام فقال : قال أبو جعفر عليه السلام :إنما هو الإسلام ،والإيمان فوقه بدرجة ، واليقين فوق التقوى بدرجة ،(ومعنى اليقين:هو أن يرى الأشياء كلها من الله ويعلم أن كل شيء مسخر بأمره ،وعند ذلك يحصل الوثوق بالله فيقطع قلبه عن غيره. (الأداب والأخلاق الإسلامية لعبد الله الهاشمي ، ص 505((ومعنى التقوى:هو أن لايراك الله حيث نهاك ولايفقدك حيث أمرك وبمعنى أخر هو الخشية والخوف من الله عزوجل ،وهو أيضاً أتقاء مايجزّ الانسان بالأمثال لأوامر الله تعالى وإجتناب نواهيه بالتخلي عن كل رذيلة والتحلي بكل فضيلة المصدر السابق ص 513)) ولم يقسم بين الناس شيء أقل من اليقين ، قلت فأي شي اليقين ؟قال عليه السلام التوكل على الله ، والتسليم لله ، والرضا بقضاء الله ، والتفويض إلى الله .يقول يونس فما تفسير ذلك ؟قال عليه السلام هكذا قال أبو جعفر عليه السلام .

    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	0528f3e7f70e47.jpg  
مشاهدات:	1 
الحجم:	6.6 كيلوبايت 
الهوية:	162758
    من هم المفوضين أمرهم لله تعالى


    وأيضاً التفويض يعتبر هو الكبريت الأحمر الذي

    *لايظفر به إلا الأوحد من الأولياء ؛

    وأعاظم العرفاء ؛

    والمؤمنين الكاملين ؛

    فهم أركان الأرض مخفيون عن أهلها مشهورون عند أهل السماء ؛

    ولايكاد يوجد في العبد إلا بعد النيل إلى المراتب العالية ، وبعد المجاهدات الدائمة والتوفيقات الألهية ))

    ولاينبغي لنا أدعاء هذا المقام وإن ادعاه بعض ،فليس إلا الدعوى والخيالات الموهومة ،بل وكذا سائر المقامات العالية كالزهد والصبر والتوكل والرضا والتسليم ،فلايكاد يوجد إلا في المؤمنين الكاملين.

    حيث عدَّ التفويض من علامات الإيمان أو المؤمن

    قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

    { لايكمل عبد الإيمان بالله حتى يكون فيه خمس خصال:

    التوكل على الله ،

    والتفويض إلى الله ،

    والتسليم لأمر الله ،

    والرضا بقضاء الله ،والصبر على بلاء الله ،

    إنه من أحب الله ، وأبغض في الله ، وأعطى لله ، ومنع لله ، فقد أستكمل الإيمان }.

    كما هو الحال في قصة مؤمن آل فرعون الذي فوض أمره الى الله تعالى .

    يبنه لنا أية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي في تفسيره من هدى القرآن

    أن الطاغي والمتجبر والمعاند والمصر على العناد والمدعي للربوبيه والذي يسبح في بحر السيئات كفرعون
    بسبب تراكم العادات و الممارسات السيئة على قلبه المتكبر الجبار ، فكان يرى الباطل حقا و العكس ، الى هذا المستوى الهابط من الإعتقاد ، حيث زعم أنه يتحدى بقوته المحدودة إرادة الله لابد أن تكون أثار لتلك السيئات عليه فمن جملة الأثار النفسية التي يخلفها العناد والأصرار على ممارسة السيئة الصد عن السبيل ((و صد عن السبيل))وهو القيادة الرسالية التي تمثل رسالة الله ، والتي تهدي البشر الى ربه الرحيم ، وهل يخضع المتكبر الى الحق ، أو هل يرتضي الجبار العدل ؟ كلا .. إذن فهو سوف يتبع الباطل في الحياة ، و حيث رفض السبيل الى الله ( القيادة الرسالية ) فسوف يحاربها و يكيد لها.ولكن سنة الله و إرادته فوق محاولات فرعون الفاشلة لإطفاء نوره عز وجل" . وما كيد فرعون إلا في تباب "أي يحوطه الفشل و الخسران من كل جانب.

    {{وهنا يبرز على مسرح الأحداث مرة أخرى مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه ثم تحدى به الطاغوت في اللحظة المناسبة فحاز على فضيلة الكتمان و فضيلة التحدي معا ، وهي كلمة الحق عند السلطان الجائر . ونحن إذا تعمقنا في قصة هذا المؤمن من خلال القرآن الحكيم ، نعرف حينها المعنى الحقيقي للتقية في الإسلام ، و يجب أن نبلور هذا المفهوم لأن التقاة تحولت لدى الكثير الى تبرير للتقاعس و النكوص عن الجهاد ، بينما التقية ( التقاة ) في مفهوم الرسالة هي العمل و الجهاد المركز و المستمر بعيدا عن أعين الطغاة حتى تحين لحظة التحدي الكبير .

    وهل يحتاجالى الكتمان إلا من يجاهد الطغاة ؟!

    إن البعض يجعل كلمة التقية بديلا عن العمل و التحرك في ظروف القمع و الإرهاب ، ولكنه لا يتحرك حتى في الظروف المناسبة ، و مثال ذلك الكثير من الشعوب التي ترفض التجاوب مع الحركات الرسالية و تعلل ذلك بوجود الإرهاب ، ولكنها ترفض الجهاد حتى في المهجر حيث لا إرهاب ولا شرطة .

    إن ( التقاة ) حقا هي أن تحافظ على نفسك و تحركك الجهادي بعيدا عن سطوة الظالم في ظل الإرهاب ، لتحتفظ بقوتك ليوم الصراع .

    وهكذا كان مؤمن آل فرعون ( حزقيل ) يكتم إيمانه ، و يتحرك في ظل توجيهات القيادة الرسالية ، منتظرا الساعة المناسبة لتفجير الصراع مع الطاغوت ، وها قد حل أوانها حيث جمع فرعون وزراءه وو أنصاره و قوات جيشه و سحرته ليقرروا قتل موسى (ع) ، فاستبسل من بينهم وتحدى الظلم و الظالمين ليضرب لنا مثلا صادقا عن التقية التي يرتضيها الله تعالى ، وهي النابعة من الإيمان و الإرادة و التخطيط و العمل ، وليست الناتجة عن خور العزيمة و خوف الانسان و حبه للراحة . فهي إذن تمهيد للتحدي ، و جمع للقوى ، لتفجير الصراع في وقته المناسب .

    وهكذا استطاع مؤمن آل فرعون تعويق مؤامرات فرعون التي استهدفت قتل موسى عليه السلام ، وبذلك وفي ربنا عهده لرسوله الأمين بنصره و تأييده.



    {وقال الذي ءامن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد }

    وهنا بدأ دور مؤمن آل فرعون وكان دوره يبحث في جهتين؛

    فهو من جهة تحدى فرعون ،

    ومن جهة أخرى طالب من حوله باتباعه ،

    وهكذا ينبغي للرساليين أن يثقوا برسالتهم في الحياة ، وأن يطرحوا أنفسهم قادة للناس بديلا عن القيادات الفاسدة.
    وحيث شخص المؤمن جذر الإنحراف و نقطة الضعف التي تدعوهم للإلتفاف حول فرعون و اتباعه وهي المادية التي تتجسد في اللهث وراء حطام الدنيا ، ذكرهم بالآخرة التي تتميز عن الدنيا بنوعية نعيمها الأفضل ، بينما الدنيا بما فيها تشبه المتاع الذي يأخــذه المسافر معــه وهو قليل و محدود ، كما أكد على مفارقة أخرى هامة هي : ان نعيم الآخرة دائم لا ينتهي حيث يلغى فيها حساب الزمن ، بينما الدنيا محدودة جدا .

    ثم أكمل مؤمن آلِ فرعون خطابه في قوله تعالى

    {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الاخرة هي دار القرار }

    وهل يختار العاقل تلك على هذه ؟!! كلا ..

    ويمضي المؤمن في بيان معالم ثقافته الرسالية رغبة منه في إنقاذ الناس من ضلالات الطاغوت ، قائلا :

    (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها)

    عدالة و رحمة من الله بعباده ، و لعله أراد من ذلك فضح سياسة فرعون القائمة على الظلم و الجور .

    ) ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن(
    فالمقياس عند الله هو العمل ، أما التمايزات المادية و الظاهرية - التي تقرها الأنظمة البشرية الفاسدة - فلا معنى لها أبدا . بلى .

    هناك أمر واحد يرتكز عليه العمل فلا يقبل إلا به وهو الايمان . والذين يتوفر لديهم هذان الشرطان ( العمل + الايمان ) هم الذين يدخلون الجنة .

    (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب)
    أن مشكلة الكثير من الذين يرفضون الايمان بالحق و العمل به هو أنهم ينظرون له من خلال البلاء و المعاناة التي يستتبعها الايمان به ، وليس من علاج لهذه المشكلة أفضل من التوجيه الى نعيم الآخرة الذي هو ثمرة الايمان و العمل .

    و حيث ركز المؤمن حديثه مع أتباع فرعون الغارقين في المادة أراد علاج هذه المشكلة ، فهم يتساءلون : نحن الآن نترك فرعون و نخسر هذا النعيم فماذا نجد باتباع الحق ؟؟

    كمـا البرق الخاطف في جو مدلهم في ليل داج ، شعت كلمات المؤمن في بيت فرعون ، وهم يتآمرون على حياة صاحب الرسالة موسى بن عمران عليه السلام .

    لقد قال لهم : إنني أدعوكم لنجاة أنفسكم من النار التي تحيط بكم ، بينما أنتم تدعونني لألتحق بكم في سواء اللهب . بلى .

    إن الكفر بالله و الشرك به ( و اتباع سلطة غير شرعية ) ان ذلك بذاته النار التي هم فيها ، أما هو فإن دعوته الى النجاة منها بالإيمان بالله العزيز الغفار .

    أنتم تدعونني الى الشركاء الذين لا ينبغي أن يدعو أحد اليهم ، لأنهم تافهون حقراء ، بينما أنا ادعوكم الى من إليه مصيرنا جميعا ، و أنتم تدعونني الى الإسراف الذي لا ريب ينتهي بصاحبه الى النار ، بينما أدعوكم الى التقوى .

    و تحداهم ( حين لم يستجيبوا له ) بأنه ينتظر و إياهم عاقبة الأمر حين يستذكرون إنذاره ، أما هو فقد فوض أمره الى الله الذين وقاه سيئات ما مكروا ، بينما أحاط بآل فرعون سوء العذاب ، ففي عالم البرزخ يعرضون على النار صباحا و مساءا ، و إذا قامت الساعة يذوقون في جهنم أشد العذاب .

    هنالك حيث لا ينفع الضعفاء تبريرهم بأنهم إنما اتبعوا كبراءهم فلذلك لابد أن يتحملوا عنهم نصيبا من العذاب ، كلا كل من الضعفاء و المستكبرين في النار بحكم الله الذي لا ينقض حكمه أحد .

    لا يطيب الموت في فم أحد إلا أن المترفين أشد هيبة منه ، لأنهم أحرص على حياة الدنيا ، و أعمق اغترارا بزخارفها ، ولابد أن يضرب الدعاة الى الله على هذا الوتر الحساس في أفئدة المترفين ، و يذكروهم بالموت وما بعده من الجزاء الشديد ، و كفى به موعظة لمن يريد هدى و خلاصا .

    وهكذا فعل مؤمن آل فرعون حين ذكرهم بعاقبة الدعوتين ، دعوة الحق و دعوة الباطل .

    {ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة و تدعونني إلى النار }

    إنهم الآن في النار وقد أحاطت بهم من كل صوب ، السياسة طغيان ، و الإقتصاد ترف ، و التربية انحراف ، و الإعلام ضلالة ، فهم يتقلبون في سرادقات الجحيم ، وإنما يدعوهم المؤمن للنجاة ، بما تحتاجه من همة و سعي و اجتهاد ، و لكنهم يدعونه الى التوغل في النار .

    و الآية تشملنا أيضا ، فباستثناء المتقين يعيش الناس في سواء النار ، ما دامت الشهوات تقودهم ، و الفساد يحيط بهم ، وقد قال ربنا سبحانه : " وإن منكم إلاواردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيا" " مريم 72"

    و النار التي يدعو المؤمن للنجاة منهــا هي الكفر بالله الذي يتمثل بالشرك به . فما هو الشرك ؟

    إنه الخضوع لأحد من دون أن يأذن الله و ينزل عليه سلطانا مبينا.

    )
    تدعونني لأكفر بالله(

    لعل قوم فرعون كانوا جاحدين بالله رأسا ، أو كانوا مشركين و شركهم دعاهم الى الكفر ، لذلك قال لهم مؤمنهم :

    (و أشرك به ما ليس لي به علم)

    و نستوحي من هذه الآية كما من آيات أخرى أن مجرد التسليم لما لا يعلم الانسان يقينا ان الله أمره به شرك .
    وقد خلق الله الانسان عبدا له لا لغيره ، و لم يأذن له بأن يتنازل عن حريته لأحد أبـدا ، بــل فرض عليه مقاومة من يريد سلب حريته و الإعتداء على حرمة استقلاله ، و اعتبر مجرد التسليم للطاغية شركا ، وإن الشرك لظلم عظيم.

    أما دعوة الحق فهي الى الله :

    (وأنا ادعوكم الى العزيز الغفار)

    فبعزته يهيمن علينا و يفرض سلطانه ، و بمغفرته يقبل التوبة عن عباده المسرفين ، الذين طالما سكتوا عن جرائم الطاغوت ، و غدوا يأكلون رزق الله و يعبدون عدوه ، كما قبل توبة السحرة .

    لا ريب أن البشر - أنى سخر القوى المادية - يحيط به الضعف من كل جهة ، فهو محكوم بسنن الله ، وإنما يسعى للطغيان لعله يخفف عن ضعفه ، لعله يمنع عن نفسه المرض و الشيخوخة و الموت ، فهو أضعف من أن يمنح الآخرين قوة .. وهكذا فهو ليس جديرا بالدعوة إليه.

    (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الاخرة )


    انها مجرد خرافات و أوهام و أماني و غرور .

    تفسير كلمة " لا جرم " حرفيا : لا قطع ،

    و تعني أنه لا أحد قادر على قطع هذا الكلام أو نقضه ، فهو كلام حق ، و قد استخدمها مؤمن آل فرعون لمزيد من الثقة بهذه الحقيقة ، و لتحدى حالة الخوف و الرغبة عند أنصار فرعون الذين فقدوا كلاستقلالهم و ثقتهم بانفسهم أمام طغيان فرعون .. و إن كانوا يتفكرون قليلا لعرفوا أن فرعون أضعف من أن يفرض عليهم سلطانه ، إن لم يكن أقل منهم قوة فلا ريب أنه كواحد منهم ، و إنما يستمد قوته من ضعفهم ، و هيبته من ذلهم ، ولو أنهم عرفوا قيمة أنفسهم حقا لوجدوه تافها حقيرا ، وأنه - بالتالي - ليس له دعوة ، ولا فرق بينه و بين صخرة صماء أو بقرة عجماء أو شجرة مسوسة . أرأيت هؤلاء الذين يعبدون صنما أو بقرا أو شجرة هل يعطيهم ما يعبدونه شيئا أم هم الذين يضفون عليه قداسة و يعطونه القوة على حسابهم ؟

    أما الله الذين يدعو اليه المؤمن فإليه مصير الجميع ، فهو خير من دعي و أكرم .

    (وأن مردنآ إلى الله)
    ثم ذكرهم بالحقيقة الفطرية التي أودعت ضمير كل انسان ، تلك هي أن الله الذي خلق كل شيء و قدره تقديرا حكيما ، و انبثت آيـات عــدله و حكمته في كل صغيرة و كبيرة ، لا يستقبل بترحاب المسرفين الذين تجاوزوا حدودهم ، و اعتدوا على حقوق الآخرين ، إنما يودعهم سجنه الأليم النار و ساءت مصيرا

    )وأن المسرفين هم أصحاب النار)

    لو أيقن الانسان حقا أنه يرد الى الله ، وأن الله هو الذي يحاسبه و يجازيه ، لارتدع عن الجرائم ، لأنه يعلم أن ربه بصير بعباده ، وأنه لا يمكن خداعه أو الهرب منه ، وأنه لا يظلم أحدا ، فهو الحكم العدل العزيز الجبار .

    وهكذا نجد السياق يوصل المرد الى الله بأن عاقبة المسرفين النار ، وهي حقيقة فطرية لا جرم فيها ولا جدال .
    إذا عرف المبتلى أن سبب آلامه سوء اختياره ، وأنه كان يقدر أن يتقيها بحسن عمله ، ازداد أحساسا بالألم .
    وهكذا ذكرهم داعية الحق بأنهم - في يوم الجزاء - سوف يذكرون ما قال لهم ، و يعلمون صدقه ، فيضاعف إلى ألم أجسادهم عذاب روحي شديد.
    ) فستذكرون ما أقول لكم(
    أما هو فقد بلغ أقصى درجات اليقين ، ففوض أمره الى ربه ، لذلك لا يحتمل قلبه الجدل في تلك الحقائق التي سردها .


    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	imageوs.jpg  
مشاهدات:	1 
الحجم:	8.2 كيلوبايت 
الهوية:	162759

    (
    و أفوض أمري الى اللهإن الله بصير بالعباد)
    فهو يعلم ما في صدور المفوضين أمورهم اليه من إخلاص و يقين ، و لذلك فهو يأخذ بأيديهم .


    (فوقاه الله سيئات ما مكروا )

    جاء في بعض التفاسير أنه التحق بموسى (ع) و عبر البحر معه الى بر الأمان ، وقال البعض : إنه اعتصم ببعض الجبال و سخر الله الوحوش للدفاع عنه . وجاء في حديثين عن الإمام الصادق - عليه السلام –

    ان عاقبة أمر حزقيل كانت الشهادة ، وأن الله سبحانه إنما وقى دينه عن مكر أولئك المفسدين ..

    قال : "والله لقد قطعوه إربا إربا ، ولكن وقاه الله عز وجل أن يفتنوه عن دينه

    " بلى . قد يختار ربنا هذه الخاتمة الحسنى لبعض الدعاة إليه حين يعرف أن ذلك صلاح لهم و للقضية فيتقبلها هؤلاء بكل رحابة صدر ،

    أولا : لأنها غاية مناهم ،

    و ثانيا : لأنها تحقق أهدافهم التي أخلصوا لها ، فإذا كان تحقيق الأهداف لا يمكن إلا عبر الشهادة فأهلا بها و ألف مرحبا .


    وجاء تفسيرهذه الأية المباركة في الأمثل لأية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دام ظله
    وأفوض أمري إلى اللّه إنّ الله بصير بالعباد.لهذا كلّه لا أخشى تهديداتكم، ولا أرهب كثرتكم وقوتكم، ولا تخيفني وحدتي بيّن أيديكم، لأني وضعت نفسي بين يدي المطلق ذي القدرة اللامتناهية، والمحيط علمه بكل شيء، وبأحوال عباده أينما كانوا وحلّوا.

    إنّ هذا التعبير يستبطن في طياته دعاء مهذباً انطلق من الرجل المؤمن الذي وقع أسيراً في قبضة هؤلاء الأشقياء الظالمين.لذلك طلب بشكل مؤدب من خالقه (جلّ وعلا) أن يحميه بحمايته وينقذه ممّا هو فيه .

    الله تبارك وتعالى لم يترك عبده المؤمن المجاهد وحيداً وإنّما: (فوقاه الله سيئات ما مكروا.

    أما حال المفوض أمر لله تعالى يكون :

    تتبين لنا في الحديث الذي رواه البعض عن الإمام الصادق - عليه السلام - :

    "
    المفوض أمره الى الله في راحة الأبد ،

    و عيش الدائم الرغد ،

    و المفوض حقا هو الفاني عن كل همة دون الله تعالى ، وكما قال أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب عليهما السلام : رضيب بما قسم الله لي ، و فوضت أمري الى خالقي ، كما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسنفيما بقي .. قال الله عز وجل في المؤمن من آل فرعون : " و أفوض أمري الى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب" .

    وعنه أيضاً عليه السلام:"من فوض أمره إلى الله سدده"

    والمفوض أمره لله تعالى " . لا يصبح إلا سالما من جميع الآفات ، ولا يمسي إلا معافى بدينه "

    ((والتفويض خمسة ( أي أنها خمس كلمات ) لكل حرف منها حكم ، فمن أتى بأحكامه فقد أتى به ، " التاء " من تركه التدبير في الدنيا ، و " الفاء " من فناء كل همة غير الله تعالى ، و " الواو " من وفاء العهد و تصديق الوعد ، و "الياء " اليأس من نفسك و اليقين من ربك ، و " الضاد " من الضمير الصافي لله و الضرورة إليه ))

    وأخر دعوانا





















  • #2
    بحث رائع وجميل جدا لما فيه من الابراز العلمي النافع
    نفعكم الله به في الدنا والاخرة
    ممكن سؤال حول مقام الكلام في قولكم
    إنّ القليل من الناس يؤمنون بالأديان الإلهية والمذاهب السماوية في بداية الامر ويقومون بتحدي الجبابرة والطواغيت، وإذا توجست هذا القلّة المخلصة خوفاً من أعدائها، أو أنّها شكت بأنّ كثرة دليل على حقانيتهم، فلن يكون بمقدور الأديان الإلهية أن تمتد وتنتشر في الدنيا
    السؤال ان هذا الكلام في اي مقام في ان قليل من الناس من يؤمن بالاديان وبيان قولكم ((ويقومون بتحدي الجبابرة))
    لكم مني خالص الدعاء والاعتذار

    تعليق


    • #3
      السﻻم عليكم ورحمة الله وبركاته
      اﻻخ الكريم الكعبي المحترم شكرا لكم على هذا المرور الكريم وقراءتكم لموضوع اعددته من عدة مصادر
      وبالنسبة ﻻاستفهامكم
      انه لم يكن كﻻمي وانما هو كﻻم مرجع دين
      والكﻻم خاص بمؤمن ال فرعون
      ويبين حاله وحالة جهاده لفرعون ومﻻءه
      ويبين قلة الذين كانوا يعتقدون بموسى وكثرة الذين يؤمنون بفرعون
      ومع قلة الذين كانوا يعتقدون بموسى وكان بمفرده جاهد وانتصر على الظلم ولم يتقاعس نعم ان البحث مطول لكن النتيجة في تفسير اﻻيه يوضح ماتقدم من الكﻻم في بداية الموضوع
      اتمنى ان تكون الفكرة توضحت
      واشكركن مرة اخرى
      **--&&&&--**















      تعليق

      يعمل...
      X