بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الاْمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِى الاَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَنَ إِلاَّ قَلِيلا(83) من النساء.
قيل في سبب نزول الاية ان قوماً من ضعفة المسلمين كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أخبرهم الرسول بما اوحي إليه من وعد بالظفر، أو تخويف من الكفرة، أذا عوا به، لعدم جزمهم وكانت إذاعتهم مفسدة
خطر نشر الإِشاعات:
تشير هذه الآية إِلى حركة منحرفة أُخرى من حركات المنافقين أو ضعاف الإِيمان، تتمثل في سعيهم إِلى تلقف أي نبأ عن إنتصار المسلمين أو هزيمتهم، وبثّه بين الناس في كل مكان، دون التحقيق والتدقيق في أصل هذا النبأ أو التأكد من مصدره، وكان الكثير من هذه الأنباء لا يتعدى إِشاعةً عمد أعداء المسلمين إِلى بثّها لتحقيق أهدافهم الدنيئة وليسيئوا إِلى معنويات المسلمين ويضروا بهم، (وإِذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به..).
بينما كان من واجب هؤلاء أن يوصلوا هذه الأخبار إِلى قادتهم كي يستفيدوا من معلومات هؤلاء القادة وفكرهم ولكي يتجنبوا دفع المسلمين إِلى حالة من الغرور حيال إنتصارات خيالية وهمية، أو إِلى إضعاف معنوياتهم بإِشاعة أنباء عن هزيمة لا حقيقة لها، (ولو ردّوه إِلى الرّسول وإِلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ...).
«يستنبطونه» من مادة «نبط» التي تعني أوّل ما يستخرج من ماء البئر أو الينبوع، والإِستنباط استخراج الحقيقة من الأدلة والشواهد والوثائق، سواء كانت العملية في الفقه أو الفلسفة أو السياسة أو سائر العلوم.
(أُولي الأمر) في الآية هم المحيطون بالأُمور القادرون على أن يوضحوا للناس ما كان حقيقياً منها وما كان إِشاعة فارغة. وهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلفاؤه من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بالدّرجة الأُولى.
ويأتي من بعدهم العلماء المتخصصون في هذه المسائل.
روي عن الإِمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) في تفسير (أُولي الأمر) في هذه الآية قال: «هم الأئمّة» كما في تفسير نور الثقلين، وهناك روايات أُخرى أيضاً في هذا المجال بنفس المضمون.
أضرار إختلاق الإِشاعة ونشرها:
لقد اُبتليت المجتمعات البشرية وعانت الكثير من المصائب والنكبات الرهبية، بسبب بروز ظاهرة إختلاق الإِشاعة ونشرها بين الأفراد حيث كانت تؤثر تأثيراً سلبياً كبيراً على معنويات أفراد المجتمع، وتضعف فيهم الروح الإِجتماعية وروح التفاهم والتعاون بين أبناء المجتمع الواحد.
وتبدأ الإِشاعة بأن يختلق منافق كذبة، ثمّ ينشرها بين أفراد مغرضين أو بسطاء، ليقوموا بدورهم بالترويج لها بين أبناء المجتمع دون التحقيق فيها، بل يهولونها ويفرعونها ممّا يؤدي إِلى استنزاف مقدار كبير من طاقات الناس وأفكارهم وأوقاتهم، وإِلى إِثارة القلق والإِضطراب بينهم، وكثيراً ما تؤدي الإِشاعة إِلى زعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، وتؤدي إِلى خلق حالة من اللامبالاة والتردد في أداء المسؤوليات.
ومع أنّ بعض المجتمعات التي تعاني من الكبت والإِرهاب تعمد إِلى الإِشاعة كأُسلوب من الكفاح السلبي، إنتقاماً من الحكومات الطاغية الجائرة، فالإِشاعة بحدّ ذاتها تعتبر خطراً كبيراً على المجتمعات السليمة، فإِذا إتجهت الإِشاعة إِلى الأفراد الكفوئين من المفكرين والخبراء والعاملين في المرافق الهامّة للمجتمع، فإِنّها ستؤدي إِلى حالة من البرود في نشاطات هؤلاء، وقد تصادر مكانتهم الإِجتماعية، وتحرم المجتمع من خدماتهم.
من هنا كافح الإِسلام بشدة «إختلاق الإِشاعات» والإِفتراء والكذب والتهمة، مثل ما حارب نشر الإِشاعات كما في هذه الآية.
وتؤكد الآية في ختامها على أنّ الله قد صان المسلمين بفضله ولطفه وكرمه من آثار إِشاعات المنافقين والمغرضين وضعاف الإِيمان، وأنقذهم من نتائجها وعواقبها الوخيمة، ولولا الإِنقاذ الإِلهي ما نجى من الإِنزلاق في خط الشيطان إِلاّ قليلا: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إِلاّ قليلا) أي أنّ النّبي وأصحاب الرأي والعلماء المدققين هم وحدهم القادرون على أن يكونوا مصونين من وساوس الشائعات ومشيعيها، أمّا أكثرية المجتمع فلابدّ لها من القيادة السليمة لتسلم من عواقب اختلاق الشائعات ونشرها.
وقد احتذا اهل البيت (عليهم السلام) حذو القران وحذروا من الاشاعة اشد التحذير لما فيها من المضار الخطرة على المجتمع الإسلامي نذكر لكم منها:
ففي اصول الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان ابن عيسى، عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله (عز وجل) عير أقواما بالاذاعة في قوله (عز وجل): " وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به " فإياكم والاذاعة (2). الكافي: ج 2 ص 369، كتاب الايمان والكفر، باب الاذاعة، ح 1.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: جمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السر ومصادقة الاخيار وجمع الشر في الاذاعة ومؤاخاة الاشرار (1). نقله المجلسى - رحمه الله - في البحار ج 16 باب فضل كتمان السر وذم الاذاعة ص 137.
7417- كن بأسرارك بخيلا و لا تذع سرا أودعته فإن الإذاعة خيانة. غرر الحكم ودرر الكلم.
الاذاعة شيمة الاغمار. في الغرر 1082
عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: من أذاع علينا شيئاً من أمرنا، فهو كمن قتلنا عمداً، ولم يقتلنا خطأ.
المحاسن: عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قول الله: (ويقتلون الأنبياء بغير حقّ)قال: أما والله ما قتلوهم بالسيف، ولكن أذاعوا سرّهم وافشوا عليهم، فقتلوا(4). البحار ط كمباني ج 15 كتاب العشرة ص 231 و 232، وج 11/128، و ج 1/88 ، وجديد ج 2/73 و 74، و ج 75/421، و ج 47/87 .

تعليق