بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
ولقد كان البيت الأموي الجبهة المناوئة للإسلام منذ بزوغ الدعوة المحمدية، وقد حالت هذه الجبهة وبقيادة زعيم هذا البيت أبو سفيان وبكل السبل والوسائل المتاحة لها الحد والمنع من انتشار هذه الدعوة والقضاء عليها فخاضت مع المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حروباً عديدة كان النصر المؤزر فيها للإسلام ، ولما أن منّ الله على نبيّه وعلى من معه من المسلمين بفتح مكة دخل العديد من أقطاب هذا البيت إلى الإسلام نفاقاً وأخذوا يكيدون له من داخله وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مهد إقصاء البيت العلوي عن منصب قيادة المسلمين إلى وصول معاوية بن أبي سفيان إلى الولاية على إحدى أهم المناطق الإسلامية وهي الشام كما مهد له ذلك الطمع في تولي أمرة المسلمين فبعد مقتل عثمان بن عفان جيش معاوية الجيوش لمحاربة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للسيطرة عن منصب الخلافة لأن ذلك يسهل عليه القضاء على الدين وتحريفه بشكل أكبر وأوسع، فخاض معه حرباً طاحنة انتهت إلى التحكيم وخروج معاوية منتصرا من ذلك الصراع بوصوله إلى سدة الخلافة، وبعد الشهادة المفاجئة التي رزقها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جاء دور الإمام الحسن عليه السلام فشكلت الكثير من الأمور عوائق للإمام عليه السلام منعته من إقصاء معاوية عن سدة الحكم أو القضاء عليه وإذلاله، حيث استطاع معاوية أن يخدع الكثيرين من أبناء الأمة المسلمة بسماته الكاذبة ودعاواه الباطلة وتستره بالإسلام فاستقطبهم إلى جبهته والتعاطف معه فأصبح شخصية مقبولة لديهم فضلاً عن أن يكونوا معارضين له ولحكمه، ونال الكثير ممن يمكن للإمام الحسن عليه السلام أن يعتمد عليهم في مقارعة معاوية الخذلان والميل إلى الدعة والراحة فكانت نتيجة ذلك أن معاوية استطاع أن يفرض على الإمام الحسن الصلح كخيار وحيد الأمر الذي أبقى معاوية في سدة الخلافة وبعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام بالسم الذي جرعته زوجته جعدة بن الأشعث بإيعاز من معاوية وخداعه لها لم يقم الإمام الحسين عليه السلام في وجه معاوية لأسباب عديدة أهمها ما ذكرناه من كون شخصية معاوية شخصية مقبولة عند أغلب الناس ممن خدعهم وموه عليهم لتستره بالإسلام فكان في ظاهره شخصية مصلية تؤم الناس في الصلاة وتعمل بكتاب الله وسنة رسوله ... الخ ، الأمر الذي جعله عليه السلام يحتاج لمزيد من الوقت لكشف حقيقة هذه الشخصية المنافقة للناس وبدون ذلك لا يمكن لنهوضه أن ينجح وستكون النتيجة حينها كما كانت مع الإمام علي عليه السلام وأخيه الإمام الحسن عليه السلام، وعاجل الأجل معاوية بعد أن مهد لابنه الكافر يزيد بن معاوية الوصول إلى منصب الخلافة، وبما أن شخصية يزيد تختلف عن شخصية معاوية حيث كانت معلومة ومعروفة وغير خافية على رجالات الأمة وأهل حلها وعقدها، من كونه شخصا فاسقا شاربا للخمر قاتلا للنفس غير ملتزم بالدين ولا بالأعراف (1) ، وبوجود مثل هذه الشخصية في مثل هذا المنصب الخطير منصب خلافة الأمة ورعاية أمورها وشؤونها ستكون الرسالة المحمدية معرضة للضياع والتحريف بشكل تام وكامل فما كان من الإمام الحسين عليه السلام إلاّ أن يعلن الثورة على يزيد والنظام الأموي حفاظاً على الإسلام فامتنع عن مبايعة يزيد وأعلن الثورة عليه ، وقد صرحّ عليه السلام في أكثر من موقف ومناسبة عن الهدف من ثورته والأسباب التي دعته للخروج ، فقال في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة:
( ... إني لم أخرج أشراً ولا بطراَ ولا مفسداً ولا ظالما ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد صلى الله عليه وآله وأبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين ) (2) .
وقال في خطاب له أمام أصحاب الحر الرّياحي الذين التقى بهم وهو طريقه إلى الكوفة: (... إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحق من غيرّ ... ) (3) .
إضافة إلى ذلك فإن الإمام الحسين عليه السلام لو وضع يده بيد يزيد وبايعه لأعطى الشرعية لهذا النظام ولأصبح شريكاً من الناحية الشرعية والتاريخية في كل جرم يقترفه هذا النظام في حق الإسلام والمسلمين كما أنه عليه السلام كان ملزماً أيضاً بتلبية دعوة أهل الكوفة له للثورة والخروج حيث بذلك قامت عليه الحجة على الأقل في نظر هؤلاء الذين راسلوه وأعلنوا له استعدادهم التام للوقوف إلى صفه ودعم ثورته فخرج عليه السلام مجاهداً في سبيل الله عز وجل إلى أن سقط بأبي هو وأمي صريعاً على بوغاء كربلا مع ثلة من خيار أهل بيته وأصحابه على أيدي تلك الفئة الباغية من جيش الباغي ابن الباغي، وأعطت ثورته المباركة ثماراً كبيرة أهمها وأعظهما أنها أيقضت الأمة من سباتها ونبهتها إلى حقيقة الأمويين وتسترهم بالإسلام كيداً له وبغياً عليه، فالسلام على الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا.
______________
(1) قال الإمام الحسين عليه السلام للوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة عندما طلب منه أن يبايع ليزيد بعد وفاة معاوية : ( ... إنا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق فاجر ، شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله ) ( انظر مقتل الحسين للخوارزمي وتاريخ الطبري ج 3 ص 270 والإرشاد ص 207 ) .
(2) تاريخ الطبري ج 3 ص 280 .
(3) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 48
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
ولقد كان البيت الأموي الجبهة المناوئة للإسلام منذ بزوغ الدعوة المحمدية، وقد حالت هذه الجبهة وبقيادة زعيم هذا البيت أبو سفيان وبكل السبل والوسائل المتاحة لها الحد والمنع من انتشار هذه الدعوة والقضاء عليها فخاضت مع المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حروباً عديدة كان النصر المؤزر فيها للإسلام ، ولما أن منّ الله على نبيّه وعلى من معه من المسلمين بفتح مكة دخل العديد من أقطاب هذا البيت إلى الإسلام نفاقاً وأخذوا يكيدون له من داخله وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مهد إقصاء البيت العلوي عن منصب قيادة المسلمين إلى وصول معاوية بن أبي سفيان إلى الولاية على إحدى أهم المناطق الإسلامية وهي الشام كما مهد له ذلك الطمع في تولي أمرة المسلمين فبعد مقتل عثمان بن عفان جيش معاوية الجيوش لمحاربة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للسيطرة عن منصب الخلافة لأن ذلك يسهل عليه القضاء على الدين وتحريفه بشكل أكبر وأوسع، فخاض معه حرباً طاحنة انتهت إلى التحكيم وخروج معاوية منتصرا من ذلك الصراع بوصوله إلى سدة الخلافة، وبعد الشهادة المفاجئة التي رزقها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جاء دور الإمام الحسن عليه السلام فشكلت الكثير من الأمور عوائق للإمام عليه السلام منعته من إقصاء معاوية عن سدة الحكم أو القضاء عليه وإذلاله، حيث استطاع معاوية أن يخدع الكثيرين من أبناء الأمة المسلمة بسماته الكاذبة ودعاواه الباطلة وتستره بالإسلام فاستقطبهم إلى جبهته والتعاطف معه فأصبح شخصية مقبولة لديهم فضلاً عن أن يكونوا معارضين له ولحكمه، ونال الكثير ممن يمكن للإمام الحسن عليه السلام أن يعتمد عليهم في مقارعة معاوية الخذلان والميل إلى الدعة والراحة فكانت نتيجة ذلك أن معاوية استطاع أن يفرض على الإمام الحسن الصلح كخيار وحيد الأمر الذي أبقى معاوية في سدة الخلافة وبعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام بالسم الذي جرعته زوجته جعدة بن الأشعث بإيعاز من معاوية وخداعه لها لم يقم الإمام الحسين عليه السلام في وجه معاوية لأسباب عديدة أهمها ما ذكرناه من كون شخصية معاوية شخصية مقبولة عند أغلب الناس ممن خدعهم وموه عليهم لتستره بالإسلام فكان في ظاهره شخصية مصلية تؤم الناس في الصلاة وتعمل بكتاب الله وسنة رسوله ... الخ ، الأمر الذي جعله عليه السلام يحتاج لمزيد من الوقت لكشف حقيقة هذه الشخصية المنافقة للناس وبدون ذلك لا يمكن لنهوضه أن ينجح وستكون النتيجة حينها كما كانت مع الإمام علي عليه السلام وأخيه الإمام الحسن عليه السلام، وعاجل الأجل معاوية بعد أن مهد لابنه الكافر يزيد بن معاوية الوصول إلى منصب الخلافة، وبما أن شخصية يزيد تختلف عن شخصية معاوية حيث كانت معلومة ومعروفة وغير خافية على رجالات الأمة وأهل حلها وعقدها، من كونه شخصا فاسقا شاربا للخمر قاتلا للنفس غير ملتزم بالدين ولا بالأعراف (1) ، وبوجود مثل هذه الشخصية في مثل هذا المنصب الخطير منصب خلافة الأمة ورعاية أمورها وشؤونها ستكون الرسالة المحمدية معرضة للضياع والتحريف بشكل تام وكامل فما كان من الإمام الحسين عليه السلام إلاّ أن يعلن الثورة على يزيد والنظام الأموي حفاظاً على الإسلام فامتنع عن مبايعة يزيد وأعلن الثورة عليه ، وقد صرحّ عليه السلام في أكثر من موقف ومناسبة عن الهدف من ثورته والأسباب التي دعته للخروج ، فقال في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية عند خروجه من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة:
( ... إني لم أخرج أشراً ولا بطراَ ولا مفسداً ولا ظالما ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد صلى الله عليه وآله وأبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين ) (2) .
وقال في خطاب له أمام أصحاب الحر الرّياحي الذين التقى بهم وهو طريقه إلى الكوفة: (... إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحق من غيرّ ... ) (3) .
إضافة إلى ذلك فإن الإمام الحسين عليه السلام لو وضع يده بيد يزيد وبايعه لأعطى الشرعية لهذا النظام ولأصبح شريكاً من الناحية الشرعية والتاريخية في كل جرم يقترفه هذا النظام في حق الإسلام والمسلمين كما أنه عليه السلام كان ملزماً أيضاً بتلبية دعوة أهل الكوفة له للثورة والخروج حيث بذلك قامت عليه الحجة على الأقل في نظر هؤلاء الذين راسلوه وأعلنوا له استعدادهم التام للوقوف إلى صفه ودعم ثورته فخرج عليه السلام مجاهداً في سبيل الله عز وجل إلى أن سقط بأبي هو وأمي صريعاً على بوغاء كربلا مع ثلة من خيار أهل بيته وأصحابه على أيدي تلك الفئة الباغية من جيش الباغي ابن الباغي، وأعطت ثورته المباركة ثماراً كبيرة أهمها وأعظهما أنها أيقضت الأمة من سباتها ونبهتها إلى حقيقة الأمويين وتسترهم بالإسلام كيداً له وبغياً عليه، فالسلام على الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا.
______________
(1) قال الإمام الحسين عليه السلام للوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة عندما طلب منه أن يبايع ليزيد بعد وفاة معاوية : ( ... إنا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق فاجر ، شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله ) ( انظر مقتل الحسين للخوارزمي وتاريخ الطبري ج 3 ص 270 والإرشاد ص 207 ) .
(2) تاريخ الطبري ج 3 ص 280 .
(3) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 48