بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
قبسات من معاشرة سيدة النساء فاطمة لأمير المؤمنين علي ( عليهما السلام )
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
قبسات من معاشرة سيدة النساء فاطمة لأمير المؤمنين علي ( عليهما السلام )
عاشت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في بيت أعظم شخصية إسلامية بعد الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) على الإطلاق ، رجل مهمّته حمل راية الإسلام والدفاع عنه .
وكانت الظروف السياسية حسّاسة وفي غاية الخطورة يوم كانت جيوش الإسلام في حالة إنذار دائم ، إذ كانت تشتبك في حروب ضروس في كلّ عام ، وقد اشترك الإمام علي ( عليه السلام ) في أكثرها .
وكانت معاشرة الزهراء ( عليها السلام ) لـلامــام نعم المعاشرة في توفّير الجوّ اللازم ، والدفء والحنان المطلوب في البيت المشترك ، وبهذا كانت تشترك في جهاد الإمام علي ( عليه السلام ) أيضاً ، فإنّ جهاد المرأة حسن التبعّل كما ورد في الحديث الشريف .
لقد كانت الزهراء ( عليها السلام ) تشجّع زوجها ، وتمتدح شجاعته وتضحيته ، وتشدّ على يده للمعارك المقبلة ، وتسكّن جراحه وتمتص آلامه ، وتسرّي عنه أتعابه ، حتّى قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( ولقد كنت أنظر إليها فتنجلي عنّي الغموم والأحزان بنظرتي إليها ) .
ولقد كانت حريصة كلّ الحرص في القيام بمهام الزوجية ، وما خرجت فاطمة ( عليها السلام ) من بيتها يوماً بدون إذن زوجها ، وما أسخطته يوماً ، وما كذبت في بيته وما خانته ، وما عصت له أمراً ، وقابلها الإمام علي ( عليه السلام ) بنفس الاحترام والودّ ، وهو يعلم مقامها ومنزلتها الرفيعة ، حتّى قال ( عليه السلام ) : ( فو الله ما أغضبتها ، ولا أكربتها من بعد ذلك حتّى قبضها الله إليه ، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً ) .
وعن أبي سعيد الخدري قال : أصبح الإمام علي ( عليه السلام ) ذات يوم ساغباً فقال : ( يا فاطمة هل عندك شيء تغذينيه ) ؟ قالت ( عليها السلام ) : ( لا ، والذي أكرم أبي بالنبوّة وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عندي شيء ، وما كان شيء أُطعمناه مذ يومين إلاّ شيء كنت أُؤثرك به على نفسي ، وعلى ابنيّ هذين الحسن والحسين ) .
فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئاً ) ؟ فقالت ( عليها السلام ) : ( يا أبا الحسن إنّي لأستحي من إلهي أن أكلّف نفسك ما لا تقدر عليه ) .
هكذا عاش هذان الزوجان النموذجيان في الإسلام ، وأدّيا واجباتهما ، وضربا المثل الأعلى للأخلاق الإسلامية (1) .
فنلاحظ كيف كانت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) تبذل قصارى جهدها لإسعاد أُسرتها ، ولم تستثقل أداء مهام البيت ، رغم كلّ الصعوبات والمشاق ، حتّى أنّ علياً أمير المؤمنين ( عليه السلام ) رقّ لحالها وامتدح صنعها ، وقال لرجل من بني سعد : ( ألا أُحدّثك عنّي وعن فاطمة ، إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله ( صلى الله عليه وآله ) إليه ، وإنّها استقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها ، وطحنت بالرحى حتّى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها ، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرر شديد .
فقلت لها : لو أتيت أباكِ فسألتيه خادماً يكفيكِ ضرّ ما أنتِ فيه من هذا العمل ، فأتت النبي ( صلى الله عليه وآله ) فوجدت عنده حدّاثاً فاستحت فانصرفت ) .
قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فَعلم النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنّها جاءت لحاجة ) .
قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فغدا علينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ونحن في لِفاعنا ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : السلام عليكم ، فقلت : وعليك السلام يا رسول الله أُدخل ، فلم يعد أن يجلس عندنا ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا فاطمة ، ما كانت حاجتك أمس عند محمّد ) ؟
قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فخشيت إن لم تجبه أن يقوم ، فقلت : أنا والله أُخبرك يا رسول الله ، إنّها استقت بالقربة حتّى أثّرت في صدرها ، وجرّت بالرحى حتّى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها ، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها .
فقلت لها : لو أتيتِ أباكِ فسألتيه خادماً يكفيك ضرّ ما أنت فيه من هذا العمل ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أفلا أُعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم ، إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين وأحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبّرا أربعاً وثلاثين ) .
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( مَضَيتِ تريدين من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الدنيا ، فأعطانا الله ثواب الآخرة ) .
وروي أنّه دخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على علي ( عليه السلام ) فوجده هو وفاطمة ( عليهما السلام ) يطحنان في الجاروش ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( أيّكما أعيى ) ؟ فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( فاطمة يا رسول الله ) .
فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قومي يا بنية ) ، فقامت وجلس النبي ( صلى الله عليه وآله ) موضعها مع الإمام علي ( عليه السلام ) فواساه في طحن الحبّ .
وروي عن جابر الأنصاري أنّه رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : ( يا بنتاه ، تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة ) .
فقالت ( عليها السلام ) : ( يا رسول الله ، الحمد لله على نعمائه ، والشكر لله على آلائهِ ) ، فأنزل الله تعالى ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) الضحى : 5 .
وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يحتطب ويستقي ويكنس ، وكانت فاطمة ( عليها السلام ) تطحن وتعجن وتخبز ) .
هذه هي الدنيا في عين فاطمة ( عليها السلام ) مواجهة للمعاناة ، وتألّم من الجوع ، وانهيار من التعب ، ولكن كلّ ذلك يبدو ممزوجاً بحلاوة الصبر وندى الإيثار ، لأنّ وراءه نعيماً لا انتهاء له ، حصة يوم يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب .
إنّ إلقاء نظرة فاحصة على حياة الزهراء ( عليها السلام ) توضّح لنا أنّ حياتها الشاقّة لم تتغيّر حتّى بعد أن أصبحت موفورة المال ، في سعة من العيش ـ خصوصاً بعد فتح بني النضير وخيبر وتمليكها فدكاً وغيرها ـ عمّا كانت عليه قبل ذلك رغم غلّتها الوافرة ، إذ روي أنّ فدكاً كان دخلها أربعة وعشرين ألف دينار ، وفي رواية سبعين ألف دينار سنوياً .
فالزهراء ( عليها السلام ) لم تعمّر الدور ، ولم تبن القصور ، ولم تلبس الحرير والديباج ، ولم تَقْتَنِ النفائس ، بل كانت تنفق كلّ ذلك على الفقراء والمساكين ، وفي سبيل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام (2) .
والحمد لله رب العالمين
(1) مركز آل البيت العالمي قم :بتصرف
(2) نفس المصدر : بتصرف
(1) مركز آل البيت العالمي قم :بتصرف
(2) نفس المصدر : بتصرف

تعليق