إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الثواب والعقاب في الآخرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الثواب والعقاب في الآخرة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم

    الثواب والعقاب في الآخرة

    إنّ الدنيا دار عمل ولا حساب فيها ، والآخرة دار حساب ولا عمل فيها ، إذ يجزى كُلّ إنسان حسب عمله إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ ، وربما تدركه الرحمة الإلهية، أو شفاعة الأنبياء والأئمة الطاهرين(عليهم جميعا السلام) فتنقذه ، وهذه إحدى مظاهر الرحمة الإلهية بعباده ، وإن كانت أعماله كلها سيئة وعقيدته باطلة ، فإنّ الله قد وعد بإدخاله نار جهنم خالداً فيها أبداً.

    وهنا يدور في الأذهان سؤالان مهمان هما:
    أولاً: ما هي علاقة أعمال الإنسان في الدنيا بحياته في الآخرة؟
    ثانياً: لو افترضنا إنّ الإنسان كان عاصياً في الدنيا وأذنب فيها، فلماذا يعذّبه الله في الآخرة، ويحرقه في نار جهنم ، ويكون خالداً فيها أبداً؟

    هناك رأيان رئيسيان يوضحان الجواب على هذين السؤالين:
    الرأي الأول: الثواب والعقاب هما وعد الله وجزاءه:
    إنّ الله سبحانه وتعالى هو المالك والرب والإله، وقد أمر عباده بطاعته ، والامتناع عن معصيته، وأرسل الأنبياء لهداية الناس إلى الحقّ ، وقد بذل الأنبياء والأوصياء ، ثُمّ العلماء والمؤمنين جهدهم في الأعذار والإنذار والتبليغ والوعظ والإرشاد، فمن عمل صالحاً من الناس فقد وعده الله بالجنة خالداً فيها أبداً، ومن عمل سوء يجز بعمله في الآخرة فيعذّب حسب عمله. وقد يكون عذابه في الدنيا، بأن يصاب بشتى أنواع الابتلاء، أو في البرزخ حيث هو مرحلة من مراحل تصفية الحساب مع المذنبين فيكون (القبر إمّا روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النيران) حسب الحديث الشريف، وإذا كانت ذنوب الإنسان كثيرة، فإنّ الله يعذّبه في يوم القيامة وهو يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنين الدنيا. فيقف الإنسان للحساب طوال هذه المدّة ويعاني الأهوال والشدائد والحرّ والظلمة وأنواع العذاب، فإن كان ذلك يكفي جزاء لذنوبه، فيمكن أن يدخل الجنة، وإلاّ، فقد تدركه شفاعة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته، وهي من مظاهر الرحمة الإلهية، لأنّهم (لا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى).
    وإن كانت ذنوبه أكثر من ذلك، فإن كان مسلماً، فسيدخل نار جهنم يعذّب فيها ما شاء الله من سنين تذكره بعض الروايات بمائة سنة وأخرى بأربعمائة سنة. ( وللعلم فأنّ كُلّ يوم من أيام الآخرة يعادل ألف سنة من سنين الدنيا، اي كل سنة من الاخرة تعادل ثلاثمائة وستين ألف سنة من سنين الدنيا.) وبعد ذلك تصفى ذنوبه، وتشمله الرحمة الإلهية، فيشفع النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) له ويخرج من النار إلى الجنة.
    أما إذا كان الإنسان –والعياذ بالله- مشركاًَ بالله، فإنّه سيبقى معذّباً في نار جهنم خالداً فيها أبداً، لا يموت ولا ينقضي عذابه. وقد تطرّق القرآن الكريم كثيرا إلى هذا المعنى .
    إذن حسب هذا الرأي فإنّ الثواب هو وعد من الله جلّ وعلا للمؤمنين والله أكرم من أن لا يفي بوعده، فلا بدّ أن يدخل المؤمنين الجنة حسب وعده لهم بالمغفرة.
    وإنّ النار عقاب للمذنبين والكافرين ، ولله أن يفي بوعيده فيدخلهم نار جهنم يعذّبهم فيها أمّا مؤقتاًَ إن كانوا من المسلمين المذنبين ، أو خالدين فيها أبداًَ إن كانوا من الكافرين.
    وقد ذكر القرآن الكريم هذا المعنى في عدة آيات كريمة منها:
    1- قال تعالى حول خلود المؤمنين في الجنة:
    - (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلا) ًسورة النساء: 57
    2- وقال تعالى حول العذاب المؤقت في النار للمسلمين العاصين:
    - (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) سورة هود: 107
    3- وقال تعالى حول خلود الكفار في النار:
    - (وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) سورة البقرة : 39

    الرأي الثاني: تجسم الأعمال :
    يرى أصحاب هذا الرأي أنّ هناك علاقة مباشرة بين عمل الإنسان في الدنيا وحاله في الآخرة، لأنّ كُلّ عمل دنيوي يتجسم في الآخرة، فإنّ كان من الأعمال الصالحة فإنّه يتجسم بجنة ونعيم وخلود، وإن كان من المعاصي والذنوب، فإنّها تتجسم بالعذاب الذي يلاقيه، فيكون الإنسان أسيراً لعمله الذي عمله في الدنيا، ويحرث زرعه بنفسه، فمن يزرع فاكهة فسيجني فاكهة ومن يزرع حنظلاً فسيجني حنظلاً.

    ولتوضيح هذه النظرية، نضرب مثال الجنين في بطن أمّه. فإنّ الجنين لا يحتاج إلى يده ورجله، بل ولا يحتاج إلى عينه وإذنه وغيرهما من أعضاءه. فلو تصوّر الجنين أن يده ورجله زائدتان وقطعهما لكي يوسع مكانه في بطن أمّه، فإنّه سيولد بلا رجل يمشي عليها ولا يد يعمل بها. وعمله هذا في بطن أمه ماذا سينتج عنه ؟ سُيعذّب في الدنيا مدى حياته، لا بسبب انتقام من الله سبحانه وتعالى منه، بل بسبب سوء عمله هو، حيث أدّى قطع رجله في عالم الأرحام إلى عدم القدرة على المشي في عالم الدنيا، مما يسبب عذابه المستمر بسبب صعوبة حركته وتنقله وانجاز حوائجه. وكذلك يؤدّي قلعه لعينه في عالم الأرحام – والعين لا فائدة لها هناك – إلى العمى في عالم الدنيا، حيث سيبقى معذّباًَ يعاني من العمى طوال عمره ويلاقي صعوبات جمة في تنقله وحركته وحياته.

    فكذلك شأن الأعمال في الدنيا وأثرها في الآخرة ، فبعضها مثل الكفر يسبب الشقاء الأبدي والخلود في النار مثل الجنين الأعمى لا يرجى له الشفاء مهما عاش في الدنيا . والبعض الآخر من الذنوب يؤدّي إلى العذاب المؤقت إلى أن يؤهل لدخول الجنة وهذا العذاب قد يطول أو يقصر حسب درجة ذنوبه. وقسم من الأعمال قد تكون ذنوباً أخلاقية مثل البخل وسوء الخلق وقلة الصبر على المكاره ، أو أن لا يهتمّ الإنسان بالأعمال المستحبة ، أو إتيان المكروهات ، فتكون بذلك حسناته قليلة ، ويكون مقامه في الجنة دانياً . أمّا الذين آمنوا إيماناً كاملاً واعياً ، وعملوا الصالحات ، ولم يفوتوا المستحبات ، ولم يعصوا الله جلّ وعلا طوال حياتهم ، واتصفوا بفضائل الأخلاق ومحاسنها ، ولم يكن عليهم حقّ من حقوق الناس يطول به حسابهم ، فستكون لهم الدرجات العالية في الجنان ، وتكون لذّتهم أكثر من غيرهم ، وينالون رضواناً من الله أكبر ، وهي سعادة ولذة أكثر من كُلّ اللذائذ المادية الأخرى.

    وحسب نظرية تجسم الأعمال في الآخرة، فإنّ أعمال الإنسان في الدنيا، هي التي يراها في الآخرة فتكون سبباًَ لسعادته أو شقاءه ، وليس الأمر تعذيبه من الله ، لأنّ الله يتركه ليلاقي عمله الذي قام به في الدنيا. ومن كانت لديه بعض الذنوب فإنّه يحاسب ويعاقب بها ، كمن يحرق بيته بالنار فيحترق هو بها ولم يحرقه أحد .

    وسبب الخلود في الجنة أو النار : هو لأنّ نية الإنسان المؤمن كانت أن لو عمّر مدى الدهر لظل مطيعاً لله ، ونية الكافر كانت أن لو عاش مدى الدهر لظلّ كافراً بالله . فتكون نتيجة نيتهم ما يلقاه كُلّ منهم في آخرته. فالجزاء في الآخرة على النيّات .
    وتشير عدة آيات كريمة الى تجسم الأعمال في الآخرة منها:
    1- العمى في الآخرة بسبب الإعراض عن ذكر الله في الدنيا :
    قال تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى *) سورة طه:124-126
    2- النار في الآخرة بسبب اكل مال اليتيم في الدنيا :
    قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) سورة النساء: 10
    3- اكل لحم أخيه الميت بسبب الغيبة:
    قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ ثُمّ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) سورة الحجرات : 12
    4- يأكلون النار بسبب كتمان ما أنزل الله :
    قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة البقرة : 174
    5- الكفر وقود النار:
    قال تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) سورة البقرة: 24
    13
    6-رؤية الأعمال في الآخرة:
    قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.) سورة الزلزلة : 6-8
    وهذه الآية الكريمة صريحة في معناها بأنّ الناس يوم القيامة يخرجون من القبور ليروا أعمالهم، فالأعمال تتجسم وتتجسد أمامهم يرونها بأعينهم، فمن عمل مثقال ذرّة من خير فإنّه يراه ، ومن عمل مثقال ذرّة من شرّ فإنّه يراه أيضاً.

    الجمع بين الرأيين:
    لا يرى البعض تعارضاً بين الرأيين ، خصوصاً وأنّ كليهما يستند إلى آيات من القرآن الكريم ، ويمكن الجمع بينهما بأنّ يكون الثواب والعقاب هو بسبب الوعد والوعيد الإلهي ، وطريقة تحققه هو بأن ينال الإنسان نتيجة عمله الذي أعدّه لنفسه في الدنيا، ويكون الله سبحانه وتعالى قد يسّر كُلّ إنسان لمصيره . قال تعالى : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً * ) سورة الإسراء.

    والحمد لله رب العالمين.

    المصدر : بتصرف
    شبكة الامامين الحسنين عليهما السلام
يعمل...
X