السيدة زينب ( عليه السلام ) في مجلس الشام
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر المؤرخون إن فاطمة بنت الحسين ( عليها السلام ) قالت : لما جلسنا بين يدي يزيد قام إليه رجل فقال ياأمير المؤمنين هب لي هذه الجارية – يعني فاطمة بنت الحسين ( عليها السلام ) – قالت فأرعدت وظننت إن ذلك جائز عندهم فأخذت بثياب عمتي زينب ( عليها السلام ) وقلت : أيتمت وأستخدم بعد والدي , فقالت عمتي للرجل : كذبت والله ولؤمت والله ما ذلك لك ولا لأميرك .
فغضب يزيد وقال : كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت فقالت : كلا والله ماجعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا , فغضب يزيد غضباً شديداً وقال : إياي تستقبلين بهذا الكلام ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك .
فقالت له زينب ( عليها السلام ): بدين الله ودين جدي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً .
قال يزيد : كذبت يا عدوة الله .
وهنا أرادت زينب ( عليها السلام ) أن تنهي ذلك الحديث فتوجهت إلى يزيد قائلة : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك . فكأنه استحيى وسكت .
فأعاد ذلك الرجل قائلاً : هب لي هذه الجارية . فقال يزيد : أغرب وهب الله لك حتفا قاضياً . أعرفتها ؟ قال : لا. قال يزيد : هذه فاطمة بنت الحسين , فقال الرجل : الحسين بن فاطمة بنت الرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ! . قال يزيد : نعم , قال الرجل : يزيد قبحك الله أتقتل عترة نبيك وتسبى ذريته وتزعم إنهم خوارج ؟! والله ما توهمت إلا أنهم من سبي الروم . فقال يزيد : والله لألحقنك بهم , فأمر بضرب عنقه فقتل ( رضوان الله عليه ) .
هذه الرواية تكشف عن عظمة عقيلة الطالبيين زينب الكبرى ( سلام الله عليها) إذ إنها في مجلس عدوها الذي قتل إخوتها وبني عمومتها وأولادها وأنصارهم بتلك القتلة المفجعة وسبى ذرية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ونساءه وأطفاله , مع هكذا طاغية لا يراعي للدماء حرمتها ولا لذرية رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قداستها , وقفت ذلك الموقف الشجاع الذي يعبر عن ثبات العقيدة ورسوخ الإيمان , موقف قد يفشل لهوله الرجال وينتكس دونه الابطال .
ولكنها زينب ( عليها السلام ) ربيبة بيت الوحي والسيادة , ورضيعة من كرامتهم الشهادة , فكيف لا تقف هذه المواقف البطولية , فردت على ذلك الرجل قائلة : لا والله ما كان ذلك لك ولا لأميرك , مبينة مفهوماً إسلامياً وحكماً شرعياً وهو إنه لا يمكن لمسلم أن يستعبد أهل بيت نبيه أو أن يأخذ إحدى بنات الوحي جارية إلا أن يخرج عن ملة الإسلام ولا يدين بدين أبداً , ولذلك حين رد عليها يزيد أنه لو شاء أن يفعل لفعل , صدمته بذلك الحكم الشرعي , لا والله إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا .
فاضطر يزيد مع هذا الموقف أن يلجأ إلى السباب والشتائم وهو أسلوب العاجز الضعيف الذي لا يمتلك إلا أن يتشبث بالأسلوب الهزيل لحفظ ماء وجهه , فقال لها : كذبت يا عدوة الله .. , ويأبى الخلق الرسالي أن يرد أسلوب الشتائم بالمثل , فأرادت أن تنهي تلك المحاورة قائلة : يزيد أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك , وهنا نتعلم من زينب ( عليها السلام ) إن المحاورة والنقاش متى ما كان يعطي مفهوماً إسلامياً أو ينتفع منه الناس فلا بأس بالمضي فيه أما إذا أصبح اسلوباً مبتذلاً تستخدم فيه الكلمات النابية والألفاظ المستهجنة فالأولى أن لا ينجرف وراءه المؤمن .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين واللعن الأبدي الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

تعليق