بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين
والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين
الخوف منزلة من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين ، وهو أفضل الفضائل النفسانية ، إذ فضيلة الشئ بقدر إعانته على السعادة ، ولا سعادة كسعادة لقاء الله والقرب منه ، ولا وصول إليها إلا بتحصيل محبته والأنس به . ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة ، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ، ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر ، ولا تتيسر المواظبة على الفكر والذكر إلا بانقلاع حب الدنيا من القلب ، ولا ينقلع ذلك إلا بقمع لذاتها وشهواتها ، وأقوى ما تنقمع به الشهوة هو نار الخوف ، فالخوف هو النار المحرقة للشهوات ، فإذن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات ويكف من المعاصي وبحث على الطاعات ، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف.
وقيل : من أنس بالله ، وملك الحق قلبه ، وبلغ مقام الرضا ، وصار مشاهدا لجمال الحق : لم يبق له الخوف ، بل يتبدل خوفه بالأمن ، كما يدل عليه قوله سبحانه : " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " . إذ لا يبقى له التفات إلى المستقبل ، ولا كراهية عن مكروه ، ولا رغبة
إلى محبوب ، فلا يبقى له خوف ولا رجاء ، بل صار حاله أعلى منها . نعم ، لا يخلو عن الخشية - أي الرهبة من الله ومن عظمته وهيبته - و الآيات والأخبار الدالة عليه أكثر من أن تحصى ، وقد جمع الله للخائفين العلم والهدى والرحمة والرضوان ، وهي مجامع مقامات أهل الجنان ، فقال : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " . وقال : " هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون " . وقال : " رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه " .
وكثير من الآيات مصرحة يكون الخوف من لوازم الإيمان ، كقوله تعالى : " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " . وقوله : " وخافون إن كنتم مؤمنين " . ومدح الخائفين بالتذكر في قوله : " سيذكر من يخشى " . ووعدهم الجنة وجنتين ، بقوله : " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " . وقوله : " ولمن خاف مقام ربه جنتان " .
وفي الخبر القدسي : " وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له آمنين ، فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " رأس الحكمة مخافة الله " .

تعليق