بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
اللهم صل على محمد وال محمد
لما كانت حقيقة الشكر عبارة عن عرفان كل النعم من الله مع صرفها من جهة محبة الله، فالشكر على كل نعمة ان تعرف كونها من الله وتصرفها في جهة محبته .
فإن نعمه سبحانه علينا كثيرة إلى حدِّ، أن الواحد منَّا لو حاول إحصاء النعم المختلفة، لعجز عن ذلك فقد روي ان السجاد (ع) كان اذا قرأ:هذه الاية(وإن تعدُّوا نعمة الله لا تُحصوها )يقول:سبحان من لم يجعل في احد من معرفة نعمه الا المعرفة بالتقصير عن معرفتها ،كما لم يجعل في احد من معرفة ادراكه اكثر من العلم انه لا يدركه فشكره تعالى معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره،فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا.
فنعم الله عزَّ وجلَّ على كل واحد منَّا، كثيرة بدأت قبل أن نولد، واستمرت مرافقة معنا، بلا توقف ولا تردّد، حتى في أوقات غفلتنا وانصرافنا، بل وحتى استمرارنا في المعاصي والذنوب لم يمنع من تتابع النعم المختلفة علينا.
لقد وهبنا الله نعمة الحياة والوجود والاستمرار، والتوحيد والإيمان والالتزام، والنبوة والهداية والعقل، والأهل والأحباب، والأخوة والأصحاب، والرزق الكثير، والعطاء الوفير، والصحة والعافية، والنظر والسمع، والأعضاء والجوارح، والتعبير والحنان والعاطفة، والسلامة والعبادة، والسكينة والسجود، والتوفيق والتسديد، والإنقاذ من الأخطار والأهوال، والفرج بعد الشدة، واليسر بعد العُسر، والعلم بعد الجهل، ونعمة التوبة بعد المعصية، والهداية بعد الضلالة، والشفاء بعد المرض، والأمن بعد الخوف، فهل أعترف كلّ واحد منَّا بهذه الأمور، وناجِ ربّه بلسان صدق.
هل خطر على بالنا مرة أن نفكر في نعم الله سبحانه علينا، هذه النِعم التي تستحق الشكر والامتنان، حتى ولو لم نكن مأمورين بذلك .
وهل خطر على بالنا يوماً أن نجلس متأملين متفكرين في نعمة الله سبحانه علينا، أنْ هدانا للإيمان، وللتديُّن والالتزام، وشرَّفنا بدين الإسلام، فأخرجنا بذلك حيِّز الحيوان إلى رُتبة الإنسان؟ هل فكَّرنا في كل ذلك، بالإضافة إلى النِعم الحسِّية والمادية من كل حدبٍ وصوب، وفي كل لحظة وآن، حتى أن لله سبحانه في كل نفسٍ نتنفَّس، علينا نعمة وفضلاً، ولولا ذلك لا نبقى على قيد الحياة.
روي عن الإمام الصادق عليه السلام في مصباح الشريعة، قوله: "في كل نفس من أنفاسكم شكرٌ لازم لله، بل ألفٌ وأكثر".
إنَّ الرجل العاقل الذي أوتي الحكمة، يدرك وجوب شكر المنعم، ويعلم أن ذلك حقٌّ يجب أن يؤدَّى، ولا يجوز ألاستخفاف فيه، أو التخلُّف عنه قال تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحِكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنَّ الله غني حميد).
والرجل العاقل المحِبّ لله سبحانه، والمحبَّب عند الله جلَّ وعلا هو الذي لا يغفل عن الذّكر أو الشكر، في السرَّاء أو الضرَّاء، في الشدّة أو الرخاء... ونرى أنَّ الله سبحانه يهدي الشاكرين بسبب شكرهم، ويمدحهم لذلك، وينصُّ عليهم في كتابه المجيد مخلِّداً، ومذكراً الآخرين بهم، وواعظاً غيرهم، يقول سبحانه: (ولئن شكرتم لأزيدنكم)
وهناك ظاهرة خطرة في المجتمعات الإنسانية، ومن ضمنها مجتمعنا الذي نعيش فيه، وهي الغفلة التي تسيطر على كثير من الناس، بل على أكثرهم، حيث أنهم يغفلون عن نعم كثيرة ترافقهم، وتتجدّد في كل يوم بين أيديهم، وتحت أعينهم، بل لا يستطيعون الاستمرار لولاها، وليس لهم كرامة بل ولا وجود، بل هم لا يفكرون ولا يعقلون من دونها.
قال الله سبحانه عن هذه الظاهرة المنتشرة في الحياة الإنسانية، وفي نفوس البشر: (إنَّ الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون).
وبمقابل هذه الظاهرة الشائعة وهي غفلة الناس عن الشكر، جعل الله سبحانه سبباً آخر، لزيادة النعم، وهو الشكر، فرغَّب فيه حثاً للناس على التعبُّد به، فيشكرون من ينبغي الشكر له، وفي نفس الوقت يستزيدون من النعم والرزق الحسن. فقال الله سبحانه: (لئن شكرتم لأزيدنَّكم ولئن كفرتم إنَّ عذابي لشديد).
وليس المقصود بالشكر هو أن ننطق بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، فتعبر عن امتناننا بألسنتنا... بل يكون الشكر الحقيقيُّ الكامل بقلوبنا وأعمالنا وجوارحنا وطاعتنا...
فالشاكر الحقيقي هو الذي عرف النعمة أو عرف صاحبها سبحانه وتعالى، ورأى وجوب شكره، وذكر فضله، ولزوم امتنانه، وهذا لا يكون إلاَّ بإرضائه، والتقرُّب منه سبحانه وتعالى، والتزلّف بين يديه، والثقة الكاملة التامة بمحل قدسه، واللوذ بجنابه، والاستعانة به، وبثِّ الشكوى لديه...
والشكر الحقيقي إنما يكون بالرهبة والرغبة والتوجه والصدق والإخلاص في العمل، والرجاء والخوف، وهذا كلّه لا يكون إلا باجتناب المعصية، وما يُغضب الله سبحانه وتعالى، فإذا عرفت النعم، وأُدركت بالقلب، فعندها يكون الشكر شكرا حقيقيا خالصا لا تشوبه شائبة، ولا لزوم عندها للشكر باللسان إلا من باب إظهار النِعم والتحدّث بها، أو ابتغاء الكمال في العبادة.
جاء عن الصادق عليه السلام قوله: "مَنْ أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدَّى شكرها".
وعنه عليه السلام: "ما من عبد أنعم الله عليه نعمة، فعرف أنها من عند الله، إلا غفر الله له قبل أن يحمده".
ويقول الصادق عليه السلام: "إنَّ الله عزَ وجلّ، أنعم على قوم بالمواهب، فلم يشكروا، فصارت عليهم وبالاً، وابتلى قوماً بالمصائب، فصبروا فصارت عليهم نعمة".
يقول علي عليه السلام: "شكر المؤمن يظهر في عمله، وشكر المنافق لا يتجاوز لسانه".
فكيف يمكن للمؤمن أن يعبر عن شكر صادق، وأدب جم، وحمد صحيح، وتوجه إلى الله سبحانه في ذلك وهو محارب له بعمله، حائدٌ عن طريق التقوى، مبارز في عمله، غير خائف من عواق ما اقترف... فكيف يمكن إطلاق اسم المؤمن على من بارز الله سبحانه في عمله، وهذا عليٌّ عليه السلام يقول في مشكاة الأنوار: "شكر كل نعمة، الورع عما حرم الله".
ومن صفات المؤمن القناعة، التي هي بحدِّ ذاتها تعبير عملي ونفسي، عن شكر المنعم سبحانه وتعالى، والرِّضا بما قسَّم من أرزاق، وكتب من آجال... فالقناعة هي أن ترضى بما وهبك الله سبحانه، فلا تكون ساخطاً، أو مُتّهماً إيَّاه جلَّ وعلا في القضاء، أو عندك شك فيما وهبك من صحَّة أو مال أو ولد، وفيما منع عنك من هذه الأمور وغيرها.
والمؤمن أيضاً، يلتفت إلى المحتاجين، وإلى الفقراء المستضعفين، فيهب، ويعطي، ويتصدَّق، ويتحسَّس، ويتألَّم، ويخفّف من آلامهم، ويخدِمهم، ويساعدهم بالمال والطعام والدواء...، وهذا أيضاً تعبير عن الشكر من الخلال التحسّس، بفيض النعم وكثرتها عليه، وعدم حبسها ومنعها عن مستحقيها، أو التعلُّق بها واحتكارها... وهذا شكر عملي أيضاً. بل حتى لو لم يوفق المرء إلى العطاء، فإن نظرة العطف والتحسُّس فقط، مجرد النظرة إلى من كان أقلَّ منك في المال أو الرزق، هو باب من أبواب الشكر، لأن في ذلك محاكمة وجدانية عاطفية، لجانب روحه وقلبه. فلعلَّ نظرة عطف واحدة تساوي كثيراً من المال، ووفيراً من العطاء، وأكثر.
وفي كتاب أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الهمداني وهو يوصيه قائلاً: "وأكْثر أن تنظر إلى من فُضِّلت عليه، فإن ذلك من أبواب الشكر".
وقال امير المؤمنين عليه السلام:"منحمد الله على النعمة فقد شكره،وكان الحمد لله افضل من تلك النعمة "
والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين
المصادر
سبيل الرشاد - السيد سامي خضرة
جامع السعادات-الشيخ محمد مهدي النراقي

تعليق