بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين : الموت أعظم الدواهي .
اعلم يابني ادم فان الموت داهية من اشد الدواهي العظمى ،وأشد من كل داهية ، وكذا اعظم الاخطار ،والاهوال الجسيمة ،فلو علم الانسان أن الموت مصيره ومصرعه فيه ،وان التراب مضجعه الاخير ،والقبر نهاية مقره وان بطن الارض نهاية مستقرة ، والدود أنيسه وان الحيات والعقارب جليسته ، اذن لابد ان تطول حسرته ودوام عبرته ،وانحصار بليته وتعظم مصيبته ، وتشتد اجل رزيته ،ويرى نفسه من اصحاب القبور وعدها من الاموات ،فاذن كل ما هو آت قريب وكل بعيد ما ليس بما هو آت ، اذن يكون فكره وهمه وغمه وقوله وفعله وجده وسعيه الا فيه ،
قال النبي الاكرم محمد صلى الله عليه واله وسلم : (لو تعلم البهائم ما تعلمون ما أكلتم منها سميناً ) .وقال صلى الله عليه وأله وسلم . لقوم يتكلمون ويضحكون : (ايها القوم اذكروا الموت ،اما والذي نفسي بيده ،لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا ) ومر صلى الله عليه واله وسلم بمجلس قد ازدادوا في الضحك ،فقال : ( شوبوا مجالسكم بذكر مكدر اللذات ) . قالوا وما مكدر الذات يا رسول الله ؟ قال لهم {الموت } .ثم ان غفلة الناس عن الموت وذالك لقلة افكارهم والذكر له ، ومن يذكره ليس بذكر بل بقلب فارغ ،أي بقلب مشغول بملذات الدنيا وشهواتها وعلائقها ، فلا نفع لذكره في قلبه
،فالطريق في ذالك ،يجب ان يفرغ القلب من كل شىء الا في ذكر الموت الذي بين دفتيه ،كمثل الذي يريد السفر الى بلد بعيد بينه مفازه خطيره ،او بحر عظيم لابد ان يدركه ، لانه لايتفكر الا فيه ،وكل من فكر بالموت بهذه الطريقة وتكررت منه ذالك ، ذكراثره في قلبه ،وبعد ذالك يقل فرحه وسروره في الدنيا الزائلة ، وقد تنزجر نفسه عنها ،وينكسرالقلب ،والاستعداد لاجله .
واوقع طريقه فيه : والاكثار من ذكر اقرانه الذين مضوا قبله ،ونتقلوا من انسة العشرة الى وحشة الوحده ،ومن ا ضوية المهد الى ظلمة اللحد ،ومن ملاعبة الجواري والولدان الى مصاحبة الهوام والديدان ، ويتذكر مصارعهم تحت التراب ،ويتذكر المصارع تحت التراب ،ويتذكر صورهم في منا صبهم واحوالهم ، ويتذكر كيف محى التراب حسن صورهم ،وكذا كيف تفسخت اعضائهم في قبورهم ،وكيف أرملت نسائهم ،ويتمت أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم المساكن والمجالس ،وتقطعت الاثار ،واوحشت الديار ،وتذكرنشاطه وأمله في البقاء والعيش ،ونسيان الموت ،والركون للقوه والشباب ،والميل الى الضحك والهو، والغفلة عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ،وسيصبح حاله في القبر كحالهم ،فالملازمة لهذه الافكاروامثالها ،ثم دخول المقابر ومشاهدة المرضى وتشييع الجنائز،يتجدد ذكر الموت في نفسه والاللهم ،حتى يتغلب عليه بحيث يصبح الموت نصب عينيه ،وبعد ذالك ربما يستعد له ويتجافى عن دار الغرور ، ومهما يطيب القلب بشيء من اسباب الدنيا ،فينبغي على الانسان ان يتذكر لابد من مفارقته .كما قيل عن بعض الاكابر نظر الى قصره فأعجبه حسنه ،بكى وقال :والله لولا الموت لكنت به مسرورا .والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين .
