إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جواز القسم بغير الله -ج3 (من خلال القرآن الكريم)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جواز القسم بغير الله -ج3 (من خلال القرآن الكريم)

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
    جواز القسم بغير الله -ج3 (من خلال القرآن الكريم)

    تضافر الحلف بغيره سبحانه في الكتاب العزيز والسنّة النبوية، وتطرقنا للسنة النبوية بالموضوع السابق (جواز القسم بغير الله -ج2(من خلال السنة النبوية). والان سوف نستشهد بآيات الذكر الحكيم للقسم بغير الله سبحانه :

    (1)- القسم بالربِّ

    أقسم سبحانه بلفظ "رب" بصور مختلفة:
    تارة حلف به بلفظ "فلا وربك"
    وأُخرى حلف به مقروناً بلفظ (لا ) وقال: "فلا أُقسم".
    وثالثة حلف به بلفظ "فوربّك".
    ورابعة بلفظ "بلى و ربّـي".
    وخامسة بلفظ "اي وربي".
    وسادسة بلفظ "فوربّ السماء والاَرض".

    وعلى أية حال فالمقسم به هو الرب،وإليك الآيات:
    1. ï´؟فَلا وَرَبِّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماًï´¾.(1)
    2.ï´؟فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ *عَلى أَنْنُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَï´¾. (2)
    3. ï´؟فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطينï´¾. (3)
    4. ï´؟فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ* عَمّا كانُوا يَعْمَلُونï´¾. (4)
    5. ï´؟وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْبَلى وَربّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِم الْغَيبï´¾. (5)
    6. ï´؟زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْلَنْ يُبْعَثُوا قُلْبلى وَربّي لَتُبعثُنّ ثُمَّ لَتُنَبَّوَنَّ بما عَمِلْتُمْوَذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيرï´¾. (6)
    7.ï´؟وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبّي انّهُ لحقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزينï´¾. (7)
    8. ï´؟فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالاََرْضِ إنّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنّكُمْتَنْطِقُونï´¾. (8)

    تفسير الآيات:
    تشير الآية الاَُولى إلى مقام من مقامات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فانّله -حسب ما دلّعليه الكتاب و السنة في إدارة رحى المجتمع- مقامات ثلاثة:

    أ- السياسية وتدبير الاَُمور: يقول سبحانه: ï´؟الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الاََرْضِ أَقامُوا الصَّلاة وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِوَللّهِ عاقِبَةُ الاَُمورï´¾. (9) ويقول في حقّ النبي خاصة: ï´؟النَّبِيُّ أَولَى بِالْمُوَْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْï´¾ (10) وليس الاَولى بالموَمنين من أنفسهم فضلاً عن أموالهم غير السائس الحاكم العام.

    ب- القضاء وفضُّ الخصومات: يقول سبحانه في حقّداود: ï´؟يا داوُدُ إِنّا جَعلْناكَ خَلِيفَةً فِي الاََرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبيلِاللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبيلِاللّهِلَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسُوا يَومَ الْحِسابï´¾ (11) وفي حقّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: ï´؟وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللّهَيُحِبُّ الْمُقْسِطينَï´¾. (12)

    ج- الاِفتاء وبيان الاَحكام: يقول سبحانه: ï´؟يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةï´¾ (13)
    س وقد كان الرسول ـ بنص هذه الآيات ـ جامعاً لهذه المقامات الثلاثة فكان سائساً وحاكماً، وقاضياً وفاضّاً للخصومات، ومفتياً ومبيّناً للاَحكام.

    ومن الواضح بمكان أنّ فضّ الخصومات لا يتحقق إلاّ بقضاء قاض مطاع رأيه ونافذ فصله، وقد كان بعض المنتمين إلى الاِسلام لم يعيروا أهمية لقضائه، فنزلت الآية تأمر أوّلاً بإطاعته وانّ كلّرسول واجب الطاعة.يقول سبحانه: ï´؟وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاع بِإِذْنِ اللّهï´¾. (14)

    ثمّ تشير الآية التالية إلى أنّ الاِيمان لا يكتمل إلاّ بالانصياع والتسليم القلبي لما يقضي به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن شهد الشهادتين وأذعن بهما، ومع ذلك يجد في نفسه حرجاً في قضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره فليس بموَمن، يقول سبحانه: ï´؟فَلا وَرَبّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماًï´¾. (15) فالآية تدل على أنّ الاِيمان لا يكتمل بنفس الاِذعان واليقين بالتوحيد والرسالة مالم ينضم إليه التسليم القلبي، ولذلك ترى أنّأمير الموَمنين علياً (عليه السلام) يصف الاِسلام بالنحو التالي، ويقول: "لاَنسبنّ الاِسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الاِسلام هو التسليم". (16)) وتشير الآية الثانية إلى أنّه سبحانه قادر على أن يهلك المشركين ويأتي بقوم آخرين ï´؟خيراً منهمï´¾، من دون أن يكون مغلوباً، قال: ï´؟فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِب إِنّا لَقادِرُونَ* عَلى أَنْنُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحنُ بِمَسْبُوقينَï´¾.

    فجواب القسم قوله ï´؟إِنّا لَقادِرُونï´¾ وقوله ï´؟وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقينï´¾ عطف على جواب القسم، والمراد بالسبق الغلبة، أي وما نحن بمغلوبين ويمكن أن يكون السبق بمعناه والمراد: وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم فإنّهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا.

    والتعبير بالمشارق والمغارب لاَجل أنّ للشمس في كل يوم من أيام السنة الشمسية مشرقاً ومغرباً لا تعود إليهما إلى مثل اليوم من السنة القابلة، كما أنّه من المحتمل أن يكون المراد بها مشارق جميع النجوم ومغاربها.

    ومن عجيب الاَمر أنّ في الآية على قصرها وجوهاً من الالتفات:
    ففي قوله: ï´؟فلا أُقْسِمï´¾ التفات من التكلم مع الغير الوارد في قوله: ï´؟إِنّا خَلَقْناكُمْï´¾ إلى التكلم وحده، والوجه فيه تأكيد القسم باسناده إلى اللّه نفسه.

    وفي قوله: ï´؟بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبï´¾ التفات من التكلم وحده إلى الغيبة، و الوجه فيه الاِشارة إلى صفة من صفاته تعالى هي المبدأ في خلق الناس جيلاً بعد جيل، وهي ربوبيته للمشارق و المغارب، فانّ الشروق بعد الشروق، والغروب بعد الغروب، يلازم مرور الزمان الذي له مدخلية تامّة في تكوّن الاِنسان جيلاً بعد جيل وسائر الحوادث العرضية المقارنة له.

    وفي قوله: ï´؟إِنّا لَقادِرُونï´¾ التفات (17) من الغيبة إلى التكلم مع الغير، والوجه فيه الاِشارة إلى العظمة المناسبة لذكر القدرة، وفي ذكر ربوبيته للمشارق والمغارب إشارة إلى تعليل القدرة،وهو أنّ الذي ينتهي إليه تدبير الحوادث في تكوّنها لا يعجزه شيء من الحوادث التي هي أفعاله، عن شيء منها، ولا يمنعه شيء من خلقه من أن يبدله بخير منه، وإلاّ شاركه المانع في أمر التدبير، واللّه سبحانه لا شريك له في أمر التدبير. (18)

    وأمّا الآية الثالثة: فلما ذكر سبحانه الوعد والوعيد والبعث والنشور أردفه بقول منكر البعث ورد عليهم بأوضح بيان وأجلى برهان، وقال: ï´؟أوَ لا يَذْكُرُ الاِِنْسانُأَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاًï´¾ (19) والمراد أو لا يذكر أنّالنشأة الاَُولى دليل على إمكان النشأة الثانية، ثمّ أكده بقوله: "فوربك" يا محمد "لنحشرنّهم والشياطين" أي لنجمعنهم ولنبعثنهم من قبورهم مقرنين بأوليائهم من الشياطين.

    وأمّا الآية الرابعة: فسياق الآية يندد بالمقتسمين، ويقول: ï´؟كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمينï´¾ (20) ثمّ يصفهم بقوله:ï´؟الّذِينَ جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِينï´¾ (21) والعضين جمع عضّة والتعضية التفريق، فهم الذين جزّأوا القرآن أجزاء فقالوا تارة: سحر، وأُخرى: أساطير الاَوّلين، وثالثة: مفترى، وبذلك صدّوا الناس عن الدخول في دين اللّه، وعلى ذلك يكون المراد من المقتسمين هم كفار قريش.

    ويحتمل أن يكون المراد هم اليهود والنصارى الذين فرّقوا القرآن أجزاء وأبعاضاً، وقالوا: نوَمن ببعض ونكفر ببعض.

    وعلى أيّة حال الذين كانوا بصدد إطفاء نور القرآن بتبعيضه أبعاض ليصدوا عن سبيل اللّه فهوَلاء هم المقصودون، ثمّ حلف سبحانه وقال: ï´؟فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعينَ* عَمّا كانُوا يَعْمَلُونï´¾ من تبعيض القرآن و صد الناس عن الاِيمان به.

    وأمّا الآية الخامسة: فتذكر إنكار المشركين لاِتيان الساعة ويوم القيامة، وهم ينكرونه مع ظهور عموم ملكه سبحانه وعلمه بكلّ شيء.

    وقد كان سبب إنكارهم هو زعمهم أنّ الاِنسان يبلى جسده بعد الموت وتختلط أجزاوَه بأجزاء أبدان أُخرى على نحو لا تتميز، فكيف يمكن إعادته؟ فأجاب سبحانه في الآية مشيراً إلى علمه الواسع، ويقول: ï´؟وَقالَ الَّذينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا الساعَةُ قُلْ بَلى وَرَبّي لتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الغَيْبِ لا يَعزبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ وَلا فِي الاََرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ في كِتابٍمُبينï´¾. (22)

    فقوله: ï´؟لا تَأْتِينَا السّاعَةï´¾ حكاية لقول المشركين.
    وقوله: ï´؟قل بلى وربّيï´¾ أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجيبهم بأنّ إتيان الساعة أمر قطعي.

    وأمّا ما تشكّكون به من اختلاط أجزاء الاَموات بعضها ببعض فهو أمر سهل أمام سعة علمه سبحانه بالغيب، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الاَرض، فهو يعلم بذرات بدن كلّإنسان ويميّزه عن غيره، ومع علمه سبحانه فالاَجزاء ثابتة في كتاب مبين لا تتغير ولا تتبدل.
    وأمّا الآية السادسة: يقول سبحانه: ï´؟زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْلَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبّي لَتُبعَثُنّ ثُمْ لتُنَبَّوَُنّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيرï´¾. (23)

    تشير الآية إلى إنكار الوثنيين الذين كانوا ينكرون البعث، فأمر النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" بالاِجابة على إنكارهم بإثبات ما نفوه من الكلام مقروناً بأصناف التأكيد بالقسم واللام والنون وقال: ï´؟وَرَبّي لَتُبعَثُنّ ثُمْ لتُنَبَّوَُنّّï´¾.

    وأشار في ذيل الآية إلى أنّ البعث أمر يسير عليه تعالى، وانّما طرحوه من شبهات حول البعث فهي ـ في الواقع ـ شبهات لا تصمد أمام قدرة اللّه وعلمه الواسع.

    وأمّا الآية السابعة: أعني قوله سبحانه: ï´؟وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبّي إنّهُ لحقّ وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينï´¾. (24)

    سياق الآية يوحي إلى أنّالمشركين كانوا يستخبرون النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" عن نزول العذاب أو وقوع البعث، فأمره سبحانه بأن يجيب موَكداً، فقال: ï´؟قل إي وربّي انّه لحقّï´¾ وقد أكد الكلام بالقسم والجملة الاسمية، و"انّ" المشبهة و "اللام،" ثم أشار إلى أنّالكافرين لا يعجزونه سبحانه عمّا أراد، وقال: ï´؟وَما أَنْتُمْ بِمُعجِزينï´¾، وفي سورة المعارج قال مكانه: ï´؟وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقينï´¾.

    وأمّا الآية الثامنة: ï´؟فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالاََرْضِ انّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنّكُمْ تَنْطِقُونï´¾. (25)

    فالضمير في قوله: "إنّه" يعود إلى الرزق والوعد الواردين في الآية المتقدّمة، قال سبحانه: ï´؟وَفِي السَّماءِ رِزْقكُمْ وَما تُوعَدُونï´¾ والمراد من الوعد هو الجنة.

    ثمّ أشار ï´؟انّه لحقّ مثل ما أنّكم تنطِقُونï´¾ وكما أنّ العلم بهذا الاَمر ـ أي النطق ـ أمر ملموس لا شبهة فيه، فهكذا الرزق والوعد من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.

    حكى الزمخشري عن الاَصمعي قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل عليّفتلوت "والذاريات" فلمّا بلغت قوله: ï´؟وَفِي السَّماءِرزْقكُمْï´¾ قال: "حسبك"، فقام إلى ناقته، فنحرها ووزّعها على من أقبل وأدبر وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولّى، فلما حججت مع الرشيد، طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفتّ فإذا أنا بالاَعرابي قد نحل واصفرّفسلّم عليَّ و استقرأ السورة، فلمّـا بلغت الآية، صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقّاً، ثمّ قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: ï´؟فوربّ السّماء والاَرض انّه لحقّï´¾ فصاح، وقال: يا سبحان اللّه من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجوَه إلى اليمين، قالها ثلاثاً، وخرجت معها نفسه. (26)

    إلى هنا تمّ تفسير الآيات التي أقسم فيها سبحانه بربوبيّته، وإليك الكلام في المقسم به، والمقسم عليه.

    المقسم به:
    إنّ المقسم به في هذه الآيات الثمان هو الرب، والربّ أصله من ربب، يقول صاحب القاموس: ربّ كلّشيء مالكه ومستحقه وصاحبه،يقال: ربّالاَمر أصلحه.

    يقول ابن فارس: الرب، المالك، الخالق، الصاحب، و الرب المصلح للشيء، يقال: ربّ فلان ضيعته، إذا قام على إصلاحها.

    والربّ المصلح للشيء، واللّه جلّثناوَه، الرب لاَنّه مصلح أحوال خلقه، والراب الذي يقوم على أمر الربيب.

    هذه الكلمات ونظائرها مبثوثة في كتب القواميس واللغة، وهي ظاهرة في أنّ للرب معاني مختلفة، حتى أن ّالكاتب المودودي تصوّر أنّ لهذه اللفظة خمسة معان، وذكر لكلّ معنى من المعاني الخمسة شواهد من القرآن، ولكن الحقّ أنّه ليس لتلك اللفظة إلاّ معنى واحد والجميع مصاديق متعددة لهذا المعنى أو صور مبسطة للمعنى الواحد، وإليك هذه الموارد والمصاديق:

    1. التربية: مثل رب الولد، رباه.
    2. الاِصلاح والرعاية: مثل رب الضيعة.
    3. الحكومة والسياسة: مثل فلان قد ربّ قومه، أي ساسهم وجعلهم ينقادون له.
    4. المالك: كما جاء في الخبر، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرب غنم أم رب إبل.
    5. الصاحب: مثل قوله: رب الدار، أو كما يقول القرآن الكريم: ï´؟فَلْيَعْبُدُوا رَبّهَذا الْبَيْتï´¾. (27)

    لا ريب انّهذه اللفظة قد استعملت في هذه الموارد، ولكن جميعها ترجع إلى أصل واحد وهو من فوض إليه أمر الشيء المربوب، فلو قيل لصاحب الدار ومالكها ربّ الدار، فلاَنّ أمرها مفوض إليه، ولو أطلق على المصلح و السائس، فلاَنّ بيد هوَلاء أمر التدبير والاِدارة والتصرف، فلو قال يوسف في حقّ عزيز مصر: ï´؟إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثْوايï´¾ (28)، فلاَجل انّ يوسف نشأ في إحضانه وقام بشوَونه.

    ولو وصف القرآن اليهود والنصارى بأنّهم اتخذوا أحبارهم أرباباً، وقال: ï´؟اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْأَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِï´¾ (29)، فلاَجل انّهم تسلّموا زمام سلطة التشريع وتصرّفوا في الاَموال والاَعراض كيفما شاءُوا.

    إنّه سبحان وصف نفسه، بقوله: ï´؟ربُّ السَّماواتِ والاََرْضï´¾ (30) وقال أيضاً: ï´؟رَبّ الشعرىï´¾ (31)كلّ ذلك لانّه تعالى مدبرها ومديرها ومصلح شوَونها والقائم عليها.

    وهذا البيان يكشف النقاب عن المعنى الحقيقي للرب، وهو المعنى الجامع بين هذه الموارد. أعني: من فوِّض إليه أمر الشيء من حيث الخلق و التدبير والتربية، وبذلك يعلم ما في كلام ابن فارس من تفسيره بالخالق، فانّه خلط بين المعنى ولازمه فالخالق ليس من معاني الرب.

    نعم خالق كلّ شيء يعدّ مربياً ومدبراً. وثمة نكتة جديرة بالاهتمام، وهي: أنّ الوهابيين قسَّموا التوحيد إلى التوحيد في الربوبية والتوحيد في الالوهية، وفسَّروا الاَوّل بالتوحيد في الخالقية، بمعنى الاعتقاد بأنّ للكون خالقاً واحداً؛ و فسروا الثاني بالتوحيد في العبادة، بمعنى أنّه ليس في الكون إلاّ معبود واحد؛ ولكنّهم اخطأوا في كلا الاصطلاحين.

    أمّا الاَوّل: فلاَنّ التوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية، فانّ الخالقية شيء والتدبير والاِصلاح شيء آخر، واللّه سبحانه وإن كان خالقاً ومدبراً لكنّه لا يكون دليلاً على وحدة المفهومين في الخارج.

    فالعرب في عصر الجاهلية كانوا موحدين في الخالقية، وكان منطق الجميع، ما حكاه سبحانه بقوله: ï´؟وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلقَ السَّماواتِ وَالاََرضَ ليقُولُنَّ خَلَقَهُنَّالْعَزِيزُ العَلِيمï´¾. (32)

    وفي الوقت نفسه لم يكونوا موحدين في الربوبية، يقول سبحانه: ï´؟وَاتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاًï´¾ (33) فكانوا يعتقدون بأنّ العزّة والتدبير من شوَون المدبر، قال سبحانه: ï´؟واتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّه آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُون) (34). فكانوا يرون أنّ النصر بيد الاِلهة، خلافاً للموحد في أمر التدبير، فهو يرى أنّ العزّة والنصر بيد اللّه سبحانه: قال تعالى: ï´؟فَلِلّهِ العِزَّةُ جَميعاً) (35) وقال تعالى: ï´؟وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيز الْحَكيمï´¾ (36) إلى غير ذلك من الآيات الحاكية عن توغّلهم في الشرك في أمر التدبير.

    وأمّا الثاني: فلاَنّ التوحيد في الالوهية غير العبادة، فهو مبني على أنّ الاِله بمعنى المعبود، والعبادة من لوازم الاِله.
    ولكنّه بعيد عن الصواب، لاَنّ ما يتبادر من لفظ الجلالة هو المتبادر من لفظ الاِله، غير أنّ الاَوّل جزئي موضوع لفرد واحد، والثاني كلي وإن لم يوجد له مصداق آخر.

    والذي يدل على أنّ الاِله ليس بمعنى المعبود هو أنّه ربما يستعمل لفظ الجلالة مكان الاِله على وجه الكلية والوصفيّة دون العلمية، فيصحّ وضع أحدهما مكان الآخر، كما في قوله سبحانه: ï´؟وَهُوَ اللّهُ فِي السَّماواتِوَفِي الاََرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْركُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونï´¾. (37)

    فإنّ وزان هذه الآية وزان، قوله سبحانه:
    ï´؟وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وِفِي الاََرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكيمُ الْعَليمï´¾. (38)
    ï´؟ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيراً لَكُمْ إِنَّما اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكونَ لَهُ وَلَدï´¾. (39)
    ï´؟هُوَ اللّهُ الَّذِي لاإِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللّهُ الْخالِقُ البارِىَُ الْمُصَوّرُ لَهُ الاََسماءُالْحُسْنى يُسَبِّحُلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالاََرضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمï´¾. (40)

    ولا يخفى أنّ لفظ الجلالة في هذه الموارد وما يشابهها يراد منه ما يرادف الاِله على وجه الكلية (أي ما معناه أنّه هو الاِله الذي يتصف بكذا وكذا).

    ويقرب من الآية الاَُولى، قوله سبحانه: ï´؟قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الاََسْماءُالْحُسْنىï´¾. (41)

    فإنّ جعل لفظ الجلالة في عداد سائر الاَسماء، والاَمر بدعوة أيٍّ منها، ربما يشعر بخلوّه عن معنى العلمية، وتضمنه معنى الوصفية الموجودة في لفظ:"الاِله" وغيره، ومثله قوله سبحانه: ï´؟هُوَ اللّهُ الْخالِقُ البارِىَُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنىï´¾. (42)

    فلا يبعد في هاتين الآيتين أن يكون لفظ الجلالة ملحوظاً على وجه الكلية لا العلمية الجزئية، كما هو الظاهر لمن أمعن فيها.

    المقسم عليه
    إنّ المقسم عليه عبارة عن جواب القسم، وهو في تلك الآيات كالتالي:
    أ- الدعوة إلى تحكيم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والتسليم أمام قضائه. ï´؟لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحكّموك...ï´¾.
    ب- التأكيد على قدرته سبحانه على أن يأتي بخير منهم: ï´؟انّا لَقادِرُون عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً...ï´¾.
    ج- التأكيد على حشرهم وحشر الشياطين: ï´؟لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطينï´¾.
    د- التأكيد على أنّهم مسوَولون يوم القيامة عن أعمالهم ï´؟لنسئَلنّهم أَجْمَعين...ï´¾.
    هـ- التأكيد على إتيان الساعة: ï´؟لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالم الغَيب...ï´¾.
    و- التأكيد على بعثهم وآبائهم: ï´؟لتبعثن ثمّ لتنبوَنّ...ï´¾.
    ز- التأكيد على وقوع البعث: ï´؟انّه لحقّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزين...ï´¾.
    ح- التأكيد على أنّ أمر الرزق وما توعدون من الجزاء حقّ: ï´؟انّه لحقّ مثلَ ما أَنْتُمْ تَنْطِقُون...ï´¾.


    الصلة بين المقسم به والمقسم عليه
    الصلة بينهما واضحة،فانّ المقسم عليه في هذه الآيات، كان يدور حول أحد أمرين:
    أ- الدعوة إلى التحكيم إلى النبي والتسليم أمام قضائه.
    ب- كون البعث والحشر والسوَال عن الاَعمال، أمراً حقّاً.

    ومن الواضح أنّ كلا الاَمرين من شوَون الربوبية، فإنّ الربّ إذا كان سائساً ومدبراً فهو أعلم بصلاح المدبر فيجب أن يكون مسلماً لاَمر النبيّ "صلى الله عليه وآله وسلم" ونهيه.

    كما أنّحياة المربوب من شوَون الرب دون فرق بين آجله وعاجله، فناسب الحلف بالرب عند الدعوة إلى الحشر و النشر.

    وبعبارة أُخرى: كان المشركون ينكرون التسليم أمام أمره ونهيه، كما كانوا ينكرون البعث والنشر، ولما كان الجميع من شوَون الربوبية حلف بالرب تأكيداً لربوبيته.

    ثمّإنّ المقسم به فيما مضى من الآيات هو لفظ الجلالة أو لفظ الرب، المشيرين إلى الواجب الجامع لجميع صفات الكمال والجمال.

    وثمة آيات ربما يستظهر منها أنّالمقسم به هو سبحانه تبارك وتعالى لكن بلفظ مبهم كـ"ما" الموصولة، وقد جاء في آيات أربع:
    1. ï´؟وَالسَّماءِ وَما بَناهاï´¾.
    2. ï´؟وَالاََرْضِ وما طَحيهاï´¾.
    3. ï´؟وَنَفْسٍ وَما سَوّاهاï´¾. (43)
    4. ï´؟وما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالاَُنثىï´¾. (44)

    وقد اختلفت كلمة المفسرين في تفسير لفظة "ما"، فالاَكثرون على أنّها "ما" موصولة كناية عن اللّه سبحانه،وكأنّه سبحانه يقول: والسماء والذي بناها، والاَرض والذي طحاها،ونفس والذي سواها، والواو للقسم.

    وهناك من يذهب إلى أنّها "ما" مصدرية، وكأنّه يقول: أُقسم بالسماء وبنائها، والاَرض وطحائها،والنفس وتسويتها.

    ولكن الرأي الاَوّل هو الاَقرب لاَنّ سياق الآية يوَيد ذلك، لاَنّه سبحانه يقول: ï´؟فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواهاï´¾ (45) فالفاعل هو الضمير المستتر الراجع إلى "ما" الموصولة الواردة في الآيات الثلاث المتقدمة.والذي يصلح للفاعلية هو الموصول من "ما" لا المصدر، وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الحلف بما ورد في هذه الآيات.

    الهامش
    1- النساء:65.
    2- المعارج:40 ـ 41.
    3- مريم:68.
    4- الحجر:92ـ 93.
    5- سبأ:3.
    6- التغابن:7.
    7- يونس:53.
    8- الذاريات:23.
    9- الحج:41.
    10- الاَحزاب:6.
    11- ص:26.
    12- المائدة:42.
    13- النساء:176.
    14- النساء:64.
    15- النساء:65.
    16- نهج البلاغة: قسم الحكم، الحكمة125.
    17- الالتفات في علم البيان عبارة عن الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطابإلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم كما في قوله سبحانه: (مالِكِ يَوم الدِّين*إِيّاكَ نَعْبُد) وقوله سبحانه: (حَتّى إِذا كُنْتُمْ في الفلك و جرين بهم) وقوله سبحانه: (وَاللّهُ الذي أَرسل الرياح فتثير سَحاباً فَسُقْناهُ) ففي الآية الاَُولى عدول من الغيبة إلى الخطاب، وفي الثانية من الخطاب إلى الغيبة، وفي الثالثة من الغيبة إلى التكلم.
    18- الميزان: 20|22.
    19- مريم:67.
    20- الحجر:91.
    21- الحجر:90.
    22- سبأ:3.
    23- التغابن:7.
    24- يونس:53.
    25- الذاريات:23.
    26- الكشاف:3|169.
    27- قريش:3.
    28- يوسف:23.
    29- التوبة:31.
    30- الرعد:16.
    31- النجم:49.
    32- الزخرف:9.
    33- مريم:81.
    34- يس:74.
    35- فاطر:10.
    36- آل عمران:126.
    37- الاَنعام:3.
    38- الزخرف:84.
    39- النساء:171.
    40- الحشر:23ـ 24.
    41- الاِسراء:110.
    42- الحشر: 24.
    43- الشمس:5ـ7.
    44- الليل:3.
    45- الشمس:8.

    ************ ملاحظة للموضوع تكملة تابع بالصفحة التالية ************

  • #2
    (2)- القسم بالقرآن الكريم

    القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الذي أنزله سبحانه على رسوله ليكون للعالمين نذيراً، وبما أنّ القرآن كتاب هداية للناس، فقد نال من الكرامة بمكان حلف به سبحانه فتارة بلفظ "القرآن "وأُخرى بلفظ "الكتاب".
    فقد حلف بالقرآن في ثلاث آيات:

    ï´؟يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَï´¾. (1)

    ï´؟ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌï´¾. (2)

    ï´؟ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌï´¾. (3)

    كما حلف سبحانه بلفظ الكتاب مرّتين،وقال: ï´؟حم * وَالكِتاب الْمُبين *إِنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرينَ * فِيها يُفرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكيم *أمراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرسِلينï´¾. (4)

    ï´؟حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *وَإِنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكيمٌï´¾. (5)

    وقبل الخوض في تفسير الآيات نذكر أُموراً:
    الأوّل: انّه سبحانه صدّر هذه الأقسام بالحروف المقطعة كما هو واضح، وهذا يوَيد أنّ كلمة يس من الحروف المقطعة، والحروف المقطعة عبارة عن الحروف التي صدّر بها قسم من السور يجمعها قولنا:"صراط علي حق نمسكه" وعند التحليل يرجع إلى: ا، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن،هـ، ي.

    والعجب أنّهذه الحروف هي نصف الحروف الهجائية.

    الثاني: ما هو المراد من الحروف المقطعة؟

    افتتح القرآن الكريم قسماً من السور بحروف مقطعة أعني السور التالية:

    1. البقرة، 2. آل عمران، 3. الأعراف، 4. يونس، 5. هود، 6. يوسف، 7. الرعد، 8. إبراهيم، 9. الحجر، 10. مريم، 11. طه، 12. الشعراء، 13. النمل، 14، القصص، 15. العنكبوت، 16. الروم، 17.لقمان، 18. السجدة، 19. يس، 20. ص، 21. غافر، 22. فصلت، 23. الشورى، 24. الزخرف، 25. الدخان، 26. الجاثية، 27. الأحقاف، 28. ق، 29. القلم.

    فهذه السور التي يبلغ عددها 29 سورة افتتحت بالحروف المقطعة.

    وقد تطرق المفسرون إلى بيان ما هو المقصود من هذه الحروف. وذكروا وجوهاً كثيرة نقلها فخرالدين الرازي في تفسيره الكبير تربو على عشرين وجهاً. (6)

    وها نحن نقدم المختار ثمّ نلمح إلى بعض الوجوه.

    إلماع إلى مادة القرآن:
    إنّ القرآن الكريم تحدّى المشركين بفصاحته وبلاغته وعذوبة كلماته ورصانة تعبيره، وادعى أنّهذا الكتاب ليس من صنع البشر بل من صنع قدرة إلهية فائقة لا تبلغ إليها قدرة أيِّ إنسان ولو بلغ في مضمار البلاغة والفصاحة ما بلغ.

    ثمّ إنّه أخذ يورد في أوائل السور قسماً من الحروف الهجائية للاِلماع إلى أنّ هذا الكتاب موَلف من هذه الحروف، وهذه الحروف هي التي تلهجون بها صباحاً ومساءً فلو كنتم تزعمون أنّه من صُنْعي فاصنعوا مثله، لأنّ المواد التي تركب منها القرآن كلّها تحت أيديكم واستعينوا بفصحائكم وبلغائكم، فإن عجزتم، فاعلموا أنّه كتاب منزل من قبل اللّه سبحانه على عبد من عباده بشيراً ونذيراً.

    وهذا الوجه هو المروي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو خيرة جمع من المحقّقين، وإليك ما ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المقام:

    أ: روى الصدوق بسنده عن الاِمام العسكري (عليه السلام)، انّه قال: "كذبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا: هذا سحر مبين، تقوّله، فقال اللّه: ï´؟الم * ذلِكَ الكتابï´¾ أي يا محمّد هذا الكتاب الذي أنزلته إليك هو الحروف المقطعة التي منها ï´؟المï´¾ وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا بذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله: ï´؟لَئِن اجْتَمَعتِ الاِِنْس وَالجِنّ عَلى أن ْيَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه وَلَو كانَ بَعضهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراًï´¾ (7)". (8)

    وبه قال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني (254ـ 322هـ) من كبار المفسرين، حيث قال: إنّ الذي عندنا أنّه لما كانت حروف المعجم أصل كلام العرب وتحدَّاهم بالقرآن وبسورة من مثله، أراد أنّ هذا القرآن من جنس هذه الحروف المقطعة تعرفونها وتقتدرون على أمثالها، فكان عجزكم عن الاِتيان بمثل القرآن وسورة من مثله دليلاً على أنّالمنع والتعجيز لكم من اللّه على أمثالها، وانّه حجّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: وممّا يدل على تأويله أنّ كلّسورة افتتحت بالحروف التي أنتم تعرفونها، بعدها إشارة إلى القرآن، يعني أنّه موَلف من هذه الحروف التي أنتم تعرفونها وتقدرون عليها، ثمّسأل نفسه، وقال: إن قيل لو كان المراد هذا لكان قد اقتصر اللّه تعالى على ذكر الحروف في سورة واحدة؟ فقال: عادة العرب التكرار عند إيثار إفهام الذي يخاطبونه. (9)

    واختاره الزمخشري (467ـ 538هـ) في تفسيره، وقال: واعلم أنّك إذا تأملت ما أورده اللّه عزّسلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم: 14 سواه، وهي: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون، في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم.

    ثمّ إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك أنّ فيها من المهموسة نصفها: الصاد والكاف والهاء والسين والحاء.
    ومن المهجورة نصفها: الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون.
    ومن الشديدة نصفها: الألف والكاف والطاء والقاف.
    ومن الرخوة نصفها: اللام والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون.
    ومن المطبقة نصفها: الصاد والطاء.
    ومن المنفتحة نصفها: الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون.
    ومن المستعلية نصفها: القاف والصاد والطاء.
    ومن المنخفضة نصفها: الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء و الياء والعين والسين والحاء والنون.
    ومن حروف القلقلة نصفها: القاف والطاء.
    ثمّ إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى اللّه ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كلّ شيء حكمته وقد علمت أنّ معظم الشيء وجلّه ينزل منزلة كله وهو المطابق للطائف التنزيل.
    فكأنّ اللّه عزّاسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إيّاهم. (10)
    ومن المتأخرين من بيّن هذا الوجه ببيان رائع ألا وهو المحقّق السيد هبة الدين الشهرستاني (1301ـ 1386هـ) قال ما هذا نصّه:
    إنّ القرآن مجموعة جمل ليست سوى صبابة أحرف عربية من جنس كلمات العرب ومن يسير اعمال البشر وقد فاقت مع ذلك عبقرية، وكلما كان العمل البشري أيسر صدوراً وأكثر وجوداً، قلّ النبوغ فيه وصعب افتراض الاِعجاز والاِعجاب منه، فإذا الجمل القرآنية ليست سوى الحروف المتداولة بين البشر، فهي عبارة عن "الم"و "حمعسق" فلماذا صار تأليف جملة أو جمل منه مستحيل الصدور؟ هذا ونجد القرآن يكرر تحدي العرب وغير العرب بإتيان شيء من مقولة هذا السهل الممتنع كالطاهي يفاخر المتطاهي بأنّه يصنع الحلوى اللذيذة من أشياء مبذولة لدى الجميع كالسمن واللوز ودقيق الرز، بينما المتطاهي لا يتمكن من ذلك مع استحضاره الأدوات، وكذلك الكيمياوي الماهر يستحضر المطلوب المستجمع لصفات الكمال، وغيره يعجز عنه مع حضور جميع الأدوات والأجزاء، وكذلك القرآن يقرع ويسمع قومه بأنّ أجزاء هذا المستحضر القرآني موفورة لديكم من ح وم ول و رو ط و ه و أنتم مع ذلك عاجزون. (11)
    ويؤيد هذا الرأي أنّ أكثر السور التي صدرت بالحروف المقطعة جاء بعدها ذكر القرآن الكريم بتعابير مختلفة، ولم يشذَّ عنها إلاّ سور أربع، هي: مريم والعنكبوت والروم والقلم، ففي غير هذه السور أردف الحروف المقطعة بذكر الكتاب والقرآن، وإليك نماذج من الآيات:

    ï´؟الم * ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينï´¾. (12)
    ï´؟الم * اللّهُ لا إِلَهَ إِلأ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَï´¾. (13)
    ï´؟المص * كِتابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُï´¾. (14)
    ï´؟الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِï´¾. (15)
    إلى غير ذلك من السور ما عدا الأربع التي أشرنا إليها.
    ثمّ إن ّهذا الوجه هو الوجه العاشر في كلام الرازي ونسبه إلى المبرد، وإلى جمع عظيم من المحقّقين وقال:إنّ اللّه إنّما ذكرها احتجاجاً على الكفار، وذلك أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما تحدّاهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أنّ القرآن ليس إلاّ من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها، وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دلّ لذلك على أنّه من عند اللّه لا من عند البشر. (16)

    هذا هو الرأي المختار وقد عرفت برهانه.

    وثمة رأي آخر أقل صحة من الأول، وحاصله: إن كلّ واحد منها دال على اسم من أسماء اللّه تعالى وصفة من صفاته.
    قال ابن عباس في ï´؟المï´¾: الألف إشارة إلى أنّه تعالى أحد، أوّل، آخر، أزلي، أبدي، واللام إشارة إلى أنّه لطيف، والميم إشارة إلى انّه ملك، مجيد، منّان.
    وقال في ï´؟كهيعصï´¾: إنّه ثناء من اللّه تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً، والهاء يدل على كونه هادياً، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصادق.
    وذكر ابن جرير عن ابن عباس انّه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنّه يجير، والعين على العزيز و العدل. (17)
    ونقل الزنجاني في تأييد ذلك الوجه ما يلي:
    وفي الحديث: "شعاركم حم لا ينصرون"، قال الأزهري: سئل أبو العباس، عن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): حم لا ينصرون. فقال: معناه واللّه لا ينصرون.
    وفي لسان العرب في حديث الجهاد: "إذا بُيّتم فقولوا حاميم لا ينصرون" قال ابن الأثير: معناه اللهم لا ينصرون. (18)
    إذا عرفت هذه الأمور، فلنرجع إلى تفسير الآيات التي حلف فيها سبحانه بالقرآن والكتاب، وإليك البيان:
    1. ï´؟يس * والْقُرآن الحَكيم * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرسَلينï´¾ فالمقسم به هو القرآن، والمقسم عليه قوله: ï´؟إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرسَلينï´¾، والصلة بين القرآن وبين كونه من المرسلين واضحة، لأنّ القرآن أداة تبليغه ورسالته ومعجزته الخالدة.
    وأمّا وصف القرآن بالحكيم، فلأنه مستقرٌ فيه الحكمة، وهي حقائق المعارف وما يتفرع عليها من الشرائع والعبر و المواعظ. (19)
    2. ï´؟ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍï´¾.
    وصف القرآن بكونه (ذي الذكر) كما وصفه في الآية السابقة بكونه (حكيماً) ووصفه تارة ثالثة بـ (المجيد)، والمراد بالذكر هو ذكر ما جُبل عليه الإنسان من التوحيد والمعاد.
    قال الطبرسي: فيه ذكر اللّه وتوحيده وأسماؤه الحسنى وصفاته العلى، وذكر الأنبياء، وأخبار الأمم، وذكر البعث والنشور، وذكر الأحكام وما يحتاج إليه المكلّف من الأحكام ويؤَيده قوله: ï´؟ما فَرَّطنا في الكتاب من شيءï´¾. (20)
    قال الطباطبائى في تفسيره: المراد بالذكر ذكر اللّه تعالى وتوحيده وما يتفرّع عليه من المعارف الحقّة من المعاد والنبوة وغيرهما.
    ويؤيد ذلك إضافة الذكر في غير واحد من الآيات إلى لفظ الجلالة، قال سبحانه: ï´؟ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهï´¾ (21) وقال: ï´؟استَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهُمْ ذِكرَ اللّهï´¾ (22) إلى غير ذلك.
    وأمّا المقسم عليه: فمحذوف معلوم من القرينة، هو أنّك لمن المنذرين، ويدل على ذلك التنديد بالذين كفروا وأنهم في عزّة وشقاق، أي في تكبّر عن قبول الحق وحمية جاهلية، وشقاق أي عداوة وعصيان ومخالفة، لأنّهم يأنفون عن متابعة النبي ويصرّون على مخالفته، ثمّ خوّفهم اللّه سبحانه، فقال: كم أهلكنا من قبلهم من قرن بتكذيبهم الرسل فنادوا عند وقوع الهلاك بهم بالاستغاثة ولات حين مناص.
    والصلة بين المقسم به ï´؟القُرآن ذي الذِّكرï´¾ والمقسم عليه المقدّر "إِنَّكَ لَمِنَ الْمُنْذَرين" واضحة، لأنّ القرآن من أسباب انذاره وأدوات تحذيره.
    3. ï´؟ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌï´¾. (23)
    المقسم به هو القرآن ووصفه بالمجيد، قال الراغب: المجد السعة في المقام والجلال، وقد وصف به القرآن الكريم، فلأجل كثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية، فالمجيد مبالغة في المجد.
    وقال الطبرسي: المجيد أي الكريم على اللّه، العظيم في نفسه، الكثير الخير والنفع. (24)
    والمقسم عليه: محذوف تدل عليه الجمل التالية، والتقدير: والقرآن المجيد انّك لمن المنذرين، أو أن ّالبعث حق والإنذار حق.
    وقد ركزت السورة على الدعوة إلى المعاد و وبّخت المشركين باستعجالهم على إنكاره ونقد زعمهم.
    والصلة بين المقسم به وجواب القسم واضحة، سواء أقلنا بأنّ المقسم عليه إِنّك مِنَ المنذرين أو أن ّالبعث والنشر حقّ، أمّا على الأوّل فلأنّ القرآن أحد أدوات الاِنذار، وأمّا على الثاني فلأنَّ القرآن يتضمن شيئاً كثيراً عن الدعوة إلى المعاد.
    ثمّ إنّ القرآن في الأصل مصدر نحو رجحان، قال سبحانه: ï´؟إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فاتَّبع قُرآنهï´¾ (25) قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به.
    وقد خص بالكتاب المنزل على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فصار له كالعلم،كما أنّ التوراة لما أُنزل على موسى (عليه السلام)، و الاِنجيل لما أُنزل على عيسى (عليه السلام)، قال بعض العلماء: تسمية هذا الكتاب قرآناً من بين كتب اللّه لكونه جامعاً لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار تعالى إليه بقوله: ï´؟وَتَفصيلاً لكلِّ شيءï´¾. (26)
    وعلى هذا فالقرآن من قرأ بمعنى جمع، ولكن يحتمل أن يكون بمعنى القراءة، كما في قوله سبحانه: ï´؟وَقُرآنَ الفَجْرï´¾ (27) أي قراءته.

    الحلف بالكتاب

    حلف سبحانه بالكتاب مرتين، وقال:
    1. ï´؟حم * والكتابِ المُبِين *إِنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرينï´¾. (28)
    2. ï´؟حم * وَالكتابِ المُبِين * إِنّا جَعَلْناهُ قُرآناً عَرَبياً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونï´¾. (29)
    فالمقسم به هو الكتاب، والمقسم عليه في الآية الأولى قوله: ï´؟إِنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَة مُباركةï´¾، والصلة بينهما واضحة، حيث يحلف بالكتاب على أنّه منزل من جانبه سبحانه في ليلة مباركة.
    كما أن ّالمقسم به في الآية الثانية هو ا لكتاب المبين، والمقسم عليه هو الحلف على أنّه سبحانه جعله قرآناً عربياً للتعقل، والصلة بينهما واضحة.
    ووصف الكتاب بالمبين دون غيره، لأنّ الغاية من نزول الكتاب هو إنذارهم وتعقّلهم كما جاء في الآيتين، حيث قال: ï´؟إِنّا كُنّا مُنذرينï´¾ وقال: ï´؟لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونï´¾، وهذا النوع من الغاية أي الإنذار والتعقل يطلب لنفسه أن يكون الكتاب واضحاً مفهوماً لا مجهولاً ومعقداً.
    والكتاب في الأصل مصدر، ثمّ سمّي المكتوب فيه كتاباً.
    إلى هنا تمّ الحلف بالقرآن والكتاب.
    بقي هنا الكلام في عظمة المقسم به ويكفي في ذلك أنّه فعله سبحانه حيث أنزله لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة.

    وقد تكلّم غير واحد من المفكرين الغربيين حول عظمة القرآن، والأحرى بنا أن نرجع إلى نفس القرآن ونستنطقه حتى يبدي رأيه في حق نفسه.
    أ: القرآن نور ينير الطريق لطلاب السعادة: قال سبحانه: ï´؟قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينï´¾. (30)
    ب: انّه هدى للمتَّقين: قال سبحانه: ï´؟هُدىً لِلْمُتَّقينï´¾. (31)
    فهو وإن كان هدى لعامة الناس، إلاّ أنّه لا يستفيد منه إلاّ المتقون، ولذلك خصّهم بالذكر
    ج: هو الهادي إلى الشريعة الأقوم: قال سبحانه: ï´؟إِنَّ هذا القُرآنَ يَهدِي لِلَّتي هِي أقْومï´¾. (32)
    د: الغاية من إنزاله قيام الناس بالقسط: قال سبحانه: ï´؟وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِï´¾. (33)
    هـ: لا يتطرق إليه الاختلاف في فصاحته وبلاغته ولا في مضامينه ولا محتواه: قال سبحانه: ï´؟وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللّهِ لوَجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثِيراًï´¾. (34)
    و: يحث الناس إلى التدبر والتفكّر فيه ï´؟كِتابٌ أنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُباركٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِï´¾. (35)
    ز: تبيان لكلّ شيء: ï´؟وَنَزلْنا عَليْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيءï´¾. (36)
    ح: نذير للعالمين: ï´؟تَبارَكَ الَّذي نَزَّل الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراًï´¾. (37)
    ط: فيه أحسن القصص: ï´؟نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصï´¾. (38)
    ي:ضُرب فيه للناس من كلّ مثل: ï´؟وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هذا الْقُرآنِ لِلنّاسِ من كُلِّ مَثَلï´¾. (39)
    هذه نماذج من الآيات التي تصف القرآن ببعض الأوصاف.
    وللنبي والأئمة المعصومين كلمات قيّمة حول التعريف بالقرآن ننقل شذرات منها:
    قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً، فقال: "أيّها الناس انّكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر، والسير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان، كلّ جديد، ويقرّبان كلّ بعيد، ويأتيان بكلّموعود، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز".
    فقام المقداد بن الأسود، وقال: يا رسول اللّه و ما دار الهدنة؟ قال:" دار بلاغ وانقطاع.
    فإذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدَّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه، ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويتخلص من نشب، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص". (40)
    وقال الاِمام علي أمير الموَمنين (عليه السلام) في وصف القرآن:
    "ثمّأنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده،وبحراً لا يدرك قعره، فهو ينابيع العلم وبحوره، وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون". (41)
    إلى غير ذلك من الخطب والكلم حول التعريف بالقرآن الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

    الهامش
    1- آل عمران:1ـ3.
    2- الأعراف: 1ـ2.
    3- يونس:1.
    4- تفسير الفخر الرازي:2|6.
    5- تفسير الفخر الرازي:2|6.
    6- تاريخ القرآن:105.
    7- تفسير الميزان:17|62.
    8- مجمع البيان:8|465.
    9- الحديد:16.
    10- المجادلة:19.
    11- ق:1ـ2.
    12- مجمع البيان:9|141.
    13- القيامة:17ـ 18.
    14- الأنعام:154.
    15- الاِسراء:78.
    16- الدخان:1ـ3.
    17- الزخرف:1ـ3.
    18- المائدة:15.
    19- البقرة:2.
    20- الاِسراء:9.
    21- الحديد:25.
    22- النساء:82.
    23- ص:29.
    24- النحل:89.
    25- الفرقان:1.
    26- يوسف:3.
    27- الكهف:54.
    28- الكافي: 2|599، كتاب فضل القرآن.
    29- نهج البلاغة، الخطبة 198.
    30- يس1ـ4.
    31- ص:1ـ5.
    32- ق:1ـ2.
    33- الدخان:1ـ5.
    34- الزخرف:1ـ4.
    35- تفسير الفخر الرازي:2|5ـ 8.
    36- الأسراء:88.
    37- تفسير البرهان:1|54، تفسير الآية الثالثة من سورة البقرة برقم 9.
    38- تاريخ القرآن للزنجاني: 106.
    39- الكشاف:1|17، ط دار المعرفة.
    40- المعجزة الخالدة:115ـ 116.
    41- البقرة: 1ـ2.
    المصدر:
    كتاب الأقسام في القرآن الكريم
    لسماحة العلامة الشيخ جعفر السبحاني
    من موقع هدى القرآن

    تعليق

    يعمل...
    X