بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
لا تقل اعوذ من الفتن بل قل أعوذ من مضلات الفتن
وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم
لا تقل اعوذ من الفتن بل قل أعوذ من مضلات الفتن
قال امير المؤمنين علي عليه السّلام :
لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ اَلْفِتْنَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ وَ لَكِنْ مَنِ اِسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ اَلْفِتَنِ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ .
وَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْتَبِرُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَ اَلْأَوْلاَدِ لِيَتَبَيَّنَ اَلسَّاخِطَ لِرِزْقِهِ وَ اَلرَّاضِيَ بِقِسْمِهِ وَ إِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ لَكِنْ لِتَظْهَرَ اَلْأَفْعَالُ اَلَّتِي بِهَا يُسْتَحَقُّ اَلثَّوَابُ وَ اَلْعِقَابُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ اَلذُّكُورَ وَ يَكْرَهُ اَلْإِنَاثَ وَ بَعْضَهُمْ يُحِبُّ تَثْمِيرَ اَلْمَالِ وَ يَكْرَهُ اِنْثِلاَمَ اَلْحَالِ و هذا من غريب ما سمع منه في التفسير « لا يقولن أحدكم اللّهم اني أعوذ بك من الفتنة » قال ابن بابويه في ( توحيده ) :
الفتنة على عشرة أوجه : فوجه الضلال ، و الثاني : الاختبار و هو قوله تعالى . . . و فتناك فتونا . . . طه40 ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون ...العنكبوت21 .الثالث : الحجّة و هو قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا و اللَّه ربنا ما كنّا مشركين 1 و الرابع : الشرك و هو قوله تعالى . . . و الفتنة أشدّ من القتل . . . 2 و الخامس : الكفر و هو قوله تعالى . . . ألا في الفتنة سقطوا . . . 3 و السادس : الإحراق بالنار و هو قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات . . . 4 و السابع : العذاب كقوله تعالى يوم هم على النار يفتنون 5 ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون 6 . . . و من يرد اللَّه فتنته فلن تملك له من اللَّه شيئا . . . 7 و الثامن : القتل كقوله تعالى . . . إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا . . . 8 فما آمن لموسى إلاّ ذريّة من قومه على خوف من فرعون و ملئهم أن يفتنهم . . . 9 و التاسع : الصدّ كقوله تعالى و ان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك . . . 10 و العاشر : شدّة المحنة كقوله تعالى . . . ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين 11 ، و قد زاد علي بن ابراهيم وجها آخر ، و هو المحبة كقوله تعالى . . . انّما أموالكم و أولادكم فتنة . . . 12 و عندي أنّه المحنة بالنون لا المحبة بالباء لقول النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله « الولد مجبنة مبخلة » 13 .
قلت : و المفهوم من الخليل أن الأصل في معناه الإحراق ، فقال : الفتن الإحراق 14 ، قال تعالى يوم هم على النار يفتنون 15 ، و ورق فتين أي فضة محرقة و يقال للحرة فتين كأن حجارتها محرقة .
هذا ، و عن الأصمعي لا يقال أفتنته بل فتنته ، ورد عليه بقول أعشى همدان في سعيد بن جبير :
لئن أفتنتني فهي بالأمس أفتنت سعيدا فأمسى قد قلى كلّ مسلم 16 و عن ام عمرو بنت الأهتم : مررنا بمجلس فيه سعيد بن جبير و نحن جوار و معنا جارية تغني بدف معها و تنشد البيت « لئن أفتنتني . . . » ، فقال سعيد : كذبتن كذبتن .
« لأنّه ليس أحد إلاّ و هو مشتمل على فتنة » و لو بالمال أو الولد ، و لأنّ سنته تعالى فتن عباده و لن تجد لسنته تبديلا ، قال تعالى أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فَليعلمنَّ اللَّه الذين صدقوا و ليعلَمَنَّ الكاذبين 17 .
« و لكن من استعاذ فليستعذ باللَّه من مضلاّت الفتن » كما في فتنة بني اسرائيل بالعجل الذي أضلّهم السامري به حتى تركوا هارون و أرادوا قتله .
و كما في فتنة المسلمين بعد وفاة النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بمثل فتنة بني اسرائيل بجعل الثاني الأول عجله حتى تركوا خليفة نبيّهم و أرادوا قتله ، و كان النبي صلّى اللَّه عليه و آله قال لهم في المتواتر : لتتبعن بني إسرائيل حذوا بحذو حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) في قصة السقيفة فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع . فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذن و اللَّه الذي لا إله إلاّ هو لضرب عنقك . قال : إذن تقتلون عبد اللَّه و أخا رسوله . قال عمر : أما عبد اللَّه فنعم و أما أخو رسوله فلا . و أبو بكر ساكت لا يتكلّم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه ؟ فقال : لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه . فلحق علي بقبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يصيح و يبكي و ينادي : يابن امّ إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني إلى آخر ما ذكر 18 .
هذا ، و روى ( توحيد الصدوق ) أنّه تعالى قال : إنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ، و إنّ منهم لمن لا يصلح ايمانه إلاّ بالفقر و لو أغنيته لأفسده ، و إنّ منهم لمن لا يصلح ايمانه إلاّ بالغنى و لو أفقرته لأفسده ، و ان منهم لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالسقم و لو صححت جسده لأفسده ذلك ، و إنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالصحّة و لو أسقمته لأفسده ، و إنّي ادبر عبادي بعلمي بقلوبهم فإنّي عليم خبير 19 .
« فإنّ اللَّه سبحانه يقول و اعلموا أنّما أموالكم و أولادكم فتنة و أن اللَّه عنده أجر عظيم 20 .
« و معنى ذلك أنّه سبحانه » سقطت كلمة « سبحانه » من ( المصرية ) 21 مع وجودها في ( ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الخطية ) 22 .
« يختبرهم » أي : يمتحنهم .
« بالأموال و الأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه » في الأموال .
« و الراضي بقسمه » في الأولاد .
« و إن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم » . . . فليعلمن اللَّه الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين 23 .
« و لكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب و العقاب » لأن الجزاء على العمل لا مجرّد النيّة و مقتضى الطوية ، و إن كان هو تعالى يثيب على مجردهما تفضلا و لا يؤاخذ على صرفهما تكرّما .
« لأنّ بعضهم يحب الذكور و يكره الاناث » حتى قال تعالى في مثلهم و إذا بُشّر أحدهم بالانثى ظلّ وجهه مسودّا و هو كظيم يتوارى عن القوم من سوء ما بُشّر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون 24 .
قالوا : و لحب الناس الذكور و كراهتم للإناث و كان الواجب عليهم التسليم لمشيته تعالى شأنه قدّم عز و جل هبة الإناث على الذكور فقال . . . يهب لمن يشاء إناثا و يهب لمن يشاء الذكور 25 .
« و بعضهم يحبّ تثمير المال و يكره انثلام الحال » أي وقوع الخلل فيه ، قال تعالى و إنّه لحبّ الخير لشديد 26 و فسر الخير هنا بالمال .
و قال تعالى في امتحان عبيده بالمال و الولد و غيرهما و لنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات
و بشّر الصابرين 27 .
« و هذا من غريب ما سمع منه في التفسير » و لو كان قال ما روي عنه عليه السّلام بدل ما سمع منه عليه السّلام كان أحسن .
جعله من غريب التفسير لأنّ المتبادر من كون الأموال فتنة أنّ الانسان يطغى أن رآه استغنى ، و أنّ كثيرا من الناس يميل المال بهم إلى الشهوات كما أنّ كثيرا منهم يصعب عليهم إخراج الحقوق التي أوجب اللَّه تعالى عليهم في المال فيهلكون كما ان المتبادر من كون الأولاد فتنة أنّهم يصيرون سببا للتخلّف عن الجهاد ، و البخل عن الزكاة ، و تحصيل المال لهم من غير طريق المشروع لو ضاق عليه المشروع و لموافقة الآباء غالبا أهواء أبنائهم المهوية ،
كما اتفق للزبير مع ابنه ، فقال عليه السّلام : ما زال الزبير منّا حتى نشأ ابنه الميشوم .
و روت العامة في تفسير الآية عن بريدة : إنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كان يخطب فجاء الحسن و الحسين عليهما السّلام و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران ، فنزل النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إليهما فأخذهما و وضعهما في حجره على المنبر و قال : صدق اللَّه تعالى انّما أموالكم و أولادكم فتنة . . . 28 نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما 29 .
هذا ، و مما روي عنه عليه السّلام من غريب التفسير غير ما مرّ أنّه عليه السّلام قال :
الاستثناء في اليمين متى ما ذكر و لو بعد أربعين صباحا ثم تلا هذه الآية . . . و اذكر ربّك إذا نسيت . . . 30 .
و أنّه عليه السّلام قال : تستحب المقاربة مع أهله ليلة أول شهر الصيام لقوله تعالى اُحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم .
الهامش
-----------
( 1 ) الأنعام : 23 .
-----------
( 2 ) البقرة : 191 .
-----------
( 3 ) التوبة : 49 .
-----------
( 4 ) البروج : 10 .
-----------
( 5 ) الذاريات : 13 .
-----------
( 6 ) الذاريات : 14 .
-----------
( 7 ) المائدة : 41 .
-----------
( 8 ) النساء : 101 .
-----------
( 9 ) يونس : 83 .
-----------
( 10 ) الاسراء : 73 .
-----------
( 11 ) يونس : 85 .
-----------
( 12 ) الأنفال : 28 .
-----------
( 13 ) بحار الأنوار 104 : 97 رواية 60 ب 2 .
-----------
( 14 ) العين لأحمد الفراهيدي 8 : 127 مادة ( فتن ) .
-----------
( 15 ) الذاريات : 13 .
-----------
( 16 ) العين للفراهيدي 8 : 128 مادة ( فتن ) .
-----------
( 17 ) العنكبوت : 2 3 .
-----------
( 18 ) الخلفاء لابن قتيبة : 13 .
-----------
( 19 ) التوحيد للصدوق : 398 ح 1 .
-----------
( 20 ) الأنفال : 28 .
-----------
( 21 ) الطبعة المصرية : 677 .
-----------
( 22 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 248 ، و ابن ميثم 5 : 287 .
-----------
( 23 ) العنكبوت : 3 .
-----------
( 24 ) النحل : 58 59 .
-----------
( 25 ) الشورى : 49 .
-----------
( 26 ) العاديات : 8 .
-----------
( 27 ) البقرة : 155 .
-----------
( 28 ) التغابن : 15 .
-----------
( 29 ) سنن الترمذي 5 : 616 ح 3774 .
-----------
( 30 ) الكافي 7 : 448 الرواية 6 ، و الآية 24 من سورة الكهف .
المصدر
كتاب بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
المجلد الرابع عشر
الشيخ محمد تقي التستري
كتاب بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
المجلد الرابع عشر
الشيخ محمد تقي التستري