عقيلة بني هاشم ( عليها السلام )
اللهمَّ صلَّ على محمد وآل محمد
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) , وعلى قائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) , وعلى الأئمة الأطهار من ولدهما ( عليهم السلام ) , وعلى ربيبة بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي ؛ عقيلة بني هاشم ؛ الحوراء زينب ( عليها السلام ) .
أما بعد يقول الشاعر :
يا زائراً قبر العقيلة قف وقل – مني السلام على عقيلة هاشم
هذا ضريحك في دمشق الشام – قد عكفت عليه قلوب أهل العالم
هذا هو الحق الذي يعلو ولا – يعلى عليه برغم كل مخاصم
على مدار كل سنة , يؤم مقام العقيلة زينب ( عليها السلام ) الآلاف من المحبين والمخلصين , فيكتظ بهم كزهرةٍ في واحةٍ يقصدها النحل من كل حدبٍ وصوبٍ لينهل من عذب رحيقها الذي لا مثيل له , وليشرب من صفاء عشقها وموالاتها المتأصّل في وجدان صاحب كل ضمير حي , ويواسي قلبه المنفطر لمصابها بزيارتها ( عليها السلام ) والتبرك بمقامها القدسي وضريحها المنير ( عليها السلام ) .
والسيدة زينب ( عليها السلام ) تستحق ذلك بل أكثر منه , لأنها ( عليها السلام ) لم تكن امرأة ً عادية , حيث عاشت ( عليها السلام ) حياةً مليئة بالشجون والآلام والمصائب ؛ لو أنها نزلت على خميلهٍ نضرة لتصحرت أو على جبل أشم لتهدم وصار ركاماً أو على بركان هادئ لفجرته ؛ ولذلك سميت ( عليها السلام ) بأم المصائب .
ومع ذلك , فإن مولاتنا زينب ( عليها السلام ) لم تعرف اليأس يوماً ولا التخاذل ولا حتى الخنوع أو الاستسلام , بل كانت ( عليها السلام ) منارةً وضاءة لدروب التضحية والاستبسال والإباء . وقد ساعدت تربيتها الفاضلة – كما سيأتي آنفاً – وإيمانها القوي وعقيدتها الراسخة ( عليها السلام ) في تكوين ملامح شخصيتها القديرة ورسم خطاها المستقبلية ( عليها السلام ) , وفي منحها الصبر والصمود تجاه كل المعضلات التي اعترضت طريقها الجهادي .
ولذلك كله , نجد من الجدير بنا تناول نبذةٍ عن حياتها الشريفة ( عليها السلام ) نتعلم منها ونقتدي بها ولنكتشف مدى علو شأنها ورفعة منزلتها ( عليها السلام ) :
1- ولادتها وتسميتها ( عليها السلام )
ولدت الحوراء زينب ( عليها السلام ) في اليوم الخامس من شهر جمادى الثاني في السنة الخامسة من الهجرة . وعند ولادتها المباركة ( عليها السلام ) أخذتها أمها الزهراء ( عليها السلام ) إلى أبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لتسميتها , فقال ( عليه السلام ) : ماكنت لأسبق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) – وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في سفر له . ولما عاد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من سفره سأله الإمام علي ( عليه السلام ) عن اسمها ( عليها السلام ) فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما كنت لأسبق ربي , فهبط سيدنا جبرائيل سلام الله عليه يقرأ على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) السلام من الرب الجليل سبحانه , وقال : سم هذه المولودة زينب , فقد اختار الله لها هذا الاسم . ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب فبكى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال : من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين ( عليهما السلام ) .
وهذا يدل على عظم مكانة السيدة زينب ( عليها السلام ) وجلالة شأنها عند الله عز وجل . ومعنى اسم زينب في اللغة العربية وحسبما ورد في معجم متن اللغة ج 3/ 62 : الزينب : هو شجر حسن المنظر , طيب الرائحة , وبه سميت المرأة .
وحقاً , كانت الحوراء زينب ( عليها السلام ) خير فرع لخير أصل , وكانت( عليها السلام ) غصناً ذاكياً نبت من شجرةٍ طيبةٍ مباركة خصها الباري تعالى بالفضائل والمكارم العظيمة الزاخرة .
ففاحت ( عليها السلام ) عبيراً عطراً طاهراً ما استنشقه أحد إلا وأبرأه الله سبحانه من كل داءٍ وبلاء .
2- نشأتها وتدرجها ( عليها السلام ) في مدارج النبوة والإمامة :
لقد تدرجت العقيلة زينب ( عليها السلام )ومنذ نعومة أظفارها في عدة مدارس جليلة بدءاً من مدرسة جدها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمها البتول ( عليها السلام ) اللذين نشأت وترعرعت في كنفهما ( صلوات الله وسلامه عليهما ) حوالي ست سنوات , ثم انتقلت ( عليها السلام ) إلى مدرسة أبيها الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي عاشرته قرابة أربع وثلاثين سنة , فبلغت ( عليها السلام ) أعلى مراتب العلم والمعرفة والحكمة والتقى , وكما قال عنها ( عليها السلام ) سماحة العلامة الفاضل المولى محمد حسن القزويني في كتابه " رياض الأحزان وحدائق الأشجان " : " يستفاد من آثار أهل البيت ( عليهم السلام ) جلالة شأن سيدتنا زينب الكبرى بنت أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) ووقارها وقرارها بما لا مزيد عليه ..... , وأنها ( عليها السلام ) من كمال معرفتها ووفور علمها وحسن أعراقها وطيب أخلاقها , كانت تشبه أمها سيدة النساء فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في جميع ذلك وفي الخفارة والحياء , وأباها في قوة القلب في الشدة ؛ والثبات عند النائبات ؛ والصبر على الملمات ؛ والشجاعة الموروثة من صفاتها والمهابة المأثورة من سماتها ..." .
وبعد مدرسة باب مدينة العلم ( عليه السلام) , عاصرت مولاتنا زينب ( عليها السلام ) مدرسة أخيها الإمام الحسن ( عليه السلام ) وعاشرت جميع محنه ونوائبه إلى أن تم تسميمه ( عليه السلام ) بيد الغدر والعدوان ومن ثم استشهاده ( عليه السلام ) .
ثم تدرجت الصديقة الصغرى ( عليها السلام ) في مدرسة أخيها ورفيق كفاحها الإمام الحسين ( عليه السلام ) الذي شاركته السراء والضراء , فكانا ( عليهما السلام ) روحاً واحدةً في جسدين .
وكان ثمة تناغم روحي وعقلاني وعاطفي بينهما ( عليهما السلام ) , فكان الإمام ( عليه السلام ) ينظر إلى أخته الحوراء زينب ( عليها السلام ) نظرةً ملؤها التقدير والاحترام والإكبار , وقد روي عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) أنه إذا زارته العقيلة زينب ( عليها السلام ) يقوم إجلالاً لها , وكان يجلسها ( عليه السلام ) في مكانه ( عليه السلام ) , وأنه في إحدى المرات دخلت مولاتنا زينب ( عليها السلام ) على أخيها الحسين ( عليه السلام ) وكان يقرأ القرآن فوضع القرآن على الأرض وقام لها إجلالاً .
وكانت سيدتنا زينب ( عليها السلام ) , منذ صغرها , محاطةً بعنايةٍ خاصة من قبل أبيها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأخويها الإمامين الحسن والحسين ( عليهما السلام ) وكانت ( عليها السلام ) من الستر والوقار بحيث لم يكن أحد يسمع صوتها أو يرى شخصها الشريف ( عليها السلام ) , وقد تحدث يحيى المازني قائلاً : " كنت في جوار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في المدينة مدة مديدة , وبالقرب من البيت الذي تسكنه السيدة زينب ( عليها السلام ) ابنته , فلا والله ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً , وكانت ( عليها السلام ) إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تخرج ليلاً والحسن ( عليه السلام ) عن يمينها والحسين ( عليه السلام ) عن شمالها وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أمامها ،فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخمد ضوء القناديل فسأله الإمام الحسن ( عليه السلام ) مرة عن ذلك , فقال ( عليه السلام ) : أخشى أن يرى أحد شخص أختك زينب "
وبعد مدرسة الإمام الحسين ( عليه السلام ) , انتقلت عقيلة آل محمد ( عليها السلام ) إلى مدرسةٍ معصومةٍ أخرى , ألا وهي مدرسة الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) , وكذلك عاصرت ( عليها السلام ) قليلاً من حياة الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) .
3-علمها(عليها السلام)
لقد فاقت مولاتنا زينب (عليها السلام) بعلمها نساء عصرها،حتى قال الإمام السجاد (عليه السلام) مخاطباً إياها (عليها السلام):{يا عمة,أنت بحمد الله عالمة غير معلمة ،وفهمة غير مفهمة)حيث كانت (عليها السلام)عالمة فقيهة,وكان لها (عليها السلام)مجلس في بيتها الشريف في المدينة المنورة وكذلك أيام إقامة والدها أمير المؤمنين (عليه السلام)في الكوفة ,وكانت (عليها السلام)تفسر القرآن الكريم للنساء.واعتبرها ابن الأثير من الصحابة وقال عنها(عليها السلام):وكانت زينب (عليها السلام) امرأةً عاقلة لبيبة جزلة.
وكانت الصديقة الصغرى (عليها السلام) تروي الحديث عن أمها الزهراء (عليها السلام) وتنقل خطبها بطولها وهي في سن مبكرة,فقد روت (عليها السلام) خطبة أمها الصديقة الكبرى البتول (عليها السلام)المعروفة في فدك وهي في سن الخامسة من عمرها وكان يرويها عنها أهل البيت (عليهم السلام) .وكذلك روى عنها حبر الأمة عبد الله بن عباس بقوله :حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي (عليهما السلام)،وكان يتعلم منها (عليها السلام) ،وكان الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول :قالت عمتي.
4-نيابتها (عليها السلام) عن الإمام المعصوم(عليه السلام):
بعد استشهاد الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)،تولّت سيدة البيت الهاشمي زينب (عليها السلام) وبشكل ظاهري زمام الأمور وتزعمت شؤون المسلمين إلى أن شفي الإمام السجاد (عليه السلام) من أسقامه وآلامه ,وكان ذلك تطبيقاً لوصية الإمام الحسين (عليه السلام) لأخته العقيلة زينب (عليها السلام) ,كما ورد في حديث السيدة حكيمة بنت الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) حيث قالت (عليها السلام):إن الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام) في الظاهر ،وكان ما يخرج عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) من علم ينسب إلى السيدة زينب (عليها السلام) إلا تستّراً على الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام).
ولذلك أجمع العديد من العلماء والفقهاء على عصمة الحوراء زينب (عليها السلام) وعلى رأسهم آية الله العظمى الشيخ المامقاني(قدس سره) الذي قال ،ولو قلنا بعصمتها (عليها السلام) لم يكن لأحدٍ ان ينكر ,إن كان عارفاً بأحوالها (عليها السلام)في الطف وما بعده,ولولا ذلك لما حمّلها الإمام الحسين (عليه السلام)مقداراً من ثقل الإمامة أيام مرض الإمام السجاد (عليه السلام) وما أوصى إليها بجملة ٍمن وصاياه,ولما أنابها الإمام السجاد (عليه السلام) نيابة خاصة في بيان الأحكام وجملة أخرى من أثار الولاية .
5-عبادتها وزهدها(عليها السلام):
كانت السيدة الكاملة زينب (عليها السلام) مثالاً مشرقاً للطهر والعفاف ,وللتقى والعبادة حتى سميت (عليها السلام) بعابدة آل علي (عليهم السلام).
فكانت في المصلى إذ تناجي وتدعو الله بالدمع المذال
ملائكة السماء على دعاها تؤمن في خضوع وابتهال
وكانت عليها السلام تمضي جميع لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن الكريم ,حتّى أنها (عليها السلام) ما تركت تهجدها لله سبحانه ليلة الحادي عشر من شهر محرم الحرام .وروي عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال :كانت عليها السلام تلك الليلة تصلي من جلوس –حيث أعياها(عليها السلام) ما لاقته من المصائب الملّمة بأخيها وأبنائها وعشيرتها – كما أنها لم تزل قائمة (عليها السلام) طيلة ليلة العاشرة من المحرم تتعبد وتصلي مستغيثة إلى ربها ,وكذلك لم تتوقف العقيلة (عليها السلام) عن متابعة تعبدها وهي في طريق رحلتها الأليمة مع سبايا آل الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)من العرلق إلى الشام.
وكانت مولاتنا زينب (عليها السلام) زاهدة في الدنيا وغير راغبة بها ,وقد ورد في بعض الكتب الموثوق بها أنها (عليها السلام) ما ادخرت شيئاً من يومها لغدها ,وكانت عليها السلام تشد حجر المجاعة على بطنها لأنها كانت (عليها السلام) تنفق ما لديها في سبيل الله سبحانه,وكان بيتها (عليها السلام) ملجأ الوافدين ,وملتقى الفقراء والمحتاجين.وكيف لا ؟وهي عليها السلام ربيبة بيت جليل كان يطعم الطعام على حبه يتيما ومسكينا وأسيرا.
وكذلك زوجها هو عبد الله بن جعفر الطيار ,والذي كان يلقب ببحر الجود وقطب السخاء ,وكان (رضي الله عنه) من عظماء شخصيات المدينة المنورة ووجهائها جوداً وكرماً وثروةً حتى قيل أنه لم يكن في الإسلام اسخى منه .وقد أنجبت منه علياً وجعفراً وعوناً وعباساً وأم كلثوم.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد آل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
اللهمَّ صلَّ على محمد وآل محمد
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) , وعلى قائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) , وعلى الأئمة الأطهار من ولدهما ( عليهم السلام ) , وعلى ربيبة بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي ؛ عقيلة بني هاشم ؛ الحوراء زينب ( عليها السلام ) .
أما بعد يقول الشاعر :
يا زائراً قبر العقيلة قف وقل – مني السلام على عقيلة هاشم
هذا ضريحك في دمشق الشام – قد عكفت عليه قلوب أهل العالم
هذا هو الحق الذي يعلو ولا – يعلى عليه برغم كل مخاصم
على مدار كل سنة , يؤم مقام العقيلة زينب ( عليها السلام ) الآلاف من المحبين والمخلصين , فيكتظ بهم كزهرةٍ في واحةٍ يقصدها النحل من كل حدبٍ وصوبٍ لينهل من عذب رحيقها الذي لا مثيل له , وليشرب من صفاء عشقها وموالاتها المتأصّل في وجدان صاحب كل ضمير حي , ويواسي قلبه المنفطر لمصابها بزيارتها ( عليها السلام ) والتبرك بمقامها القدسي وضريحها المنير ( عليها السلام ) .
والسيدة زينب ( عليها السلام ) تستحق ذلك بل أكثر منه , لأنها ( عليها السلام ) لم تكن امرأة ً عادية , حيث عاشت ( عليها السلام ) حياةً مليئة بالشجون والآلام والمصائب ؛ لو أنها نزلت على خميلهٍ نضرة لتصحرت أو على جبل أشم لتهدم وصار ركاماً أو على بركان هادئ لفجرته ؛ ولذلك سميت ( عليها السلام ) بأم المصائب .
ومع ذلك , فإن مولاتنا زينب ( عليها السلام ) لم تعرف اليأس يوماً ولا التخاذل ولا حتى الخنوع أو الاستسلام , بل كانت ( عليها السلام ) منارةً وضاءة لدروب التضحية والاستبسال والإباء . وقد ساعدت تربيتها الفاضلة – كما سيأتي آنفاً – وإيمانها القوي وعقيدتها الراسخة ( عليها السلام ) في تكوين ملامح شخصيتها القديرة ورسم خطاها المستقبلية ( عليها السلام ) , وفي منحها الصبر والصمود تجاه كل المعضلات التي اعترضت طريقها الجهادي .
ولذلك كله , نجد من الجدير بنا تناول نبذةٍ عن حياتها الشريفة ( عليها السلام ) نتعلم منها ونقتدي بها ولنكتشف مدى علو شأنها ورفعة منزلتها ( عليها السلام ) :
1- ولادتها وتسميتها ( عليها السلام )
ولدت الحوراء زينب ( عليها السلام ) في اليوم الخامس من شهر جمادى الثاني في السنة الخامسة من الهجرة . وعند ولادتها المباركة ( عليها السلام ) أخذتها أمها الزهراء ( عليها السلام ) إلى أبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لتسميتها , فقال ( عليه السلام ) : ماكنت لأسبق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) – وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في سفر له . ولما عاد النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من سفره سأله الإمام علي ( عليه السلام ) عن اسمها ( عليها السلام ) فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما كنت لأسبق ربي , فهبط سيدنا جبرائيل سلام الله عليه يقرأ على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) السلام من الرب الجليل سبحانه , وقال : سم هذه المولودة زينب , فقد اختار الله لها هذا الاسم . ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب فبكى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال : من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين ( عليهما السلام ) .
وهذا يدل على عظم مكانة السيدة زينب ( عليها السلام ) وجلالة شأنها عند الله عز وجل . ومعنى اسم زينب في اللغة العربية وحسبما ورد في معجم متن اللغة ج 3/ 62 : الزينب : هو شجر حسن المنظر , طيب الرائحة , وبه سميت المرأة .
وحقاً , كانت الحوراء زينب ( عليها السلام ) خير فرع لخير أصل , وكانت( عليها السلام ) غصناً ذاكياً نبت من شجرةٍ طيبةٍ مباركة خصها الباري تعالى بالفضائل والمكارم العظيمة الزاخرة .
ففاحت ( عليها السلام ) عبيراً عطراً طاهراً ما استنشقه أحد إلا وأبرأه الله سبحانه من كل داءٍ وبلاء .
2- نشأتها وتدرجها ( عليها السلام ) في مدارج النبوة والإمامة :
لقد تدرجت العقيلة زينب ( عليها السلام )ومنذ نعومة أظفارها في عدة مدارس جليلة بدءاً من مدرسة جدها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمها البتول ( عليها السلام ) اللذين نشأت وترعرعت في كنفهما ( صلوات الله وسلامه عليهما ) حوالي ست سنوات , ثم انتقلت ( عليها السلام ) إلى مدرسة أبيها الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي عاشرته قرابة أربع وثلاثين سنة , فبلغت ( عليها السلام ) أعلى مراتب العلم والمعرفة والحكمة والتقى , وكما قال عنها ( عليها السلام ) سماحة العلامة الفاضل المولى محمد حسن القزويني في كتابه " رياض الأحزان وحدائق الأشجان " : " يستفاد من آثار أهل البيت ( عليهم السلام ) جلالة شأن سيدتنا زينب الكبرى بنت أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) ووقارها وقرارها بما لا مزيد عليه ..... , وأنها ( عليها السلام ) من كمال معرفتها ووفور علمها وحسن أعراقها وطيب أخلاقها , كانت تشبه أمها سيدة النساء فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في جميع ذلك وفي الخفارة والحياء , وأباها في قوة القلب في الشدة ؛ والثبات عند النائبات ؛ والصبر على الملمات ؛ والشجاعة الموروثة من صفاتها والمهابة المأثورة من سماتها ..." .
وبعد مدرسة باب مدينة العلم ( عليه السلام) , عاصرت مولاتنا زينب ( عليها السلام ) مدرسة أخيها الإمام الحسن ( عليه السلام ) وعاشرت جميع محنه ونوائبه إلى أن تم تسميمه ( عليه السلام ) بيد الغدر والعدوان ومن ثم استشهاده ( عليه السلام ) .
ثم تدرجت الصديقة الصغرى ( عليها السلام ) في مدرسة أخيها ورفيق كفاحها الإمام الحسين ( عليه السلام ) الذي شاركته السراء والضراء , فكانا ( عليهما السلام ) روحاً واحدةً في جسدين .
وكان ثمة تناغم روحي وعقلاني وعاطفي بينهما ( عليهما السلام ) , فكان الإمام ( عليه السلام ) ينظر إلى أخته الحوراء زينب ( عليها السلام ) نظرةً ملؤها التقدير والاحترام والإكبار , وقد روي عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) أنه إذا زارته العقيلة زينب ( عليها السلام ) يقوم إجلالاً لها , وكان يجلسها ( عليه السلام ) في مكانه ( عليه السلام ) , وأنه في إحدى المرات دخلت مولاتنا زينب ( عليها السلام ) على أخيها الحسين ( عليه السلام ) وكان يقرأ القرآن فوضع القرآن على الأرض وقام لها إجلالاً .
وكانت سيدتنا زينب ( عليها السلام ) , منذ صغرها , محاطةً بعنايةٍ خاصة من قبل أبيها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأخويها الإمامين الحسن والحسين ( عليهما السلام ) وكانت ( عليها السلام ) من الستر والوقار بحيث لم يكن أحد يسمع صوتها أو يرى شخصها الشريف ( عليها السلام ) , وقد تحدث يحيى المازني قائلاً : " كنت في جوار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في المدينة مدة مديدة , وبالقرب من البيت الذي تسكنه السيدة زينب ( عليها السلام ) ابنته , فلا والله ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً , وكانت ( عليها السلام ) إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تخرج ليلاً والحسن ( عليه السلام ) عن يمينها والحسين ( عليه السلام ) عن شمالها وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) أمامها ،فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخمد ضوء القناديل فسأله الإمام الحسن ( عليه السلام ) مرة عن ذلك , فقال ( عليه السلام ) : أخشى أن يرى أحد شخص أختك زينب "
وبعد مدرسة الإمام الحسين ( عليه السلام ) , انتقلت عقيلة آل محمد ( عليها السلام ) إلى مدرسةٍ معصومةٍ أخرى , ألا وهي مدرسة الإمام زين العابدين علي بن الحسين ( عليه السلام ) , وكذلك عاصرت ( عليها السلام ) قليلاً من حياة الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) .
3-علمها(عليها السلام)
لقد فاقت مولاتنا زينب (عليها السلام) بعلمها نساء عصرها،حتى قال الإمام السجاد (عليه السلام) مخاطباً إياها (عليها السلام):{يا عمة,أنت بحمد الله عالمة غير معلمة ،وفهمة غير مفهمة)حيث كانت (عليها السلام)عالمة فقيهة,وكان لها (عليها السلام)مجلس في بيتها الشريف في المدينة المنورة وكذلك أيام إقامة والدها أمير المؤمنين (عليه السلام)في الكوفة ,وكانت (عليها السلام)تفسر القرآن الكريم للنساء.واعتبرها ابن الأثير من الصحابة وقال عنها(عليها السلام):وكانت زينب (عليها السلام) امرأةً عاقلة لبيبة جزلة.
وكانت الصديقة الصغرى (عليها السلام) تروي الحديث عن أمها الزهراء (عليها السلام) وتنقل خطبها بطولها وهي في سن مبكرة,فقد روت (عليها السلام) خطبة أمها الصديقة الكبرى البتول (عليها السلام)المعروفة في فدك وهي في سن الخامسة من عمرها وكان يرويها عنها أهل البيت (عليهم السلام) .وكذلك روى عنها حبر الأمة عبد الله بن عباس بقوله :حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي (عليهما السلام)،وكان يتعلم منها (عليها السلام) ،وكان الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول :قالت عمتي.
4-نيابتها (عليها السلام) عن الإمام المعصوم(عليه السلام):
بعد استشهاد الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)،تولّت سيدة البيت الهاشمي زينب (عليها السلام) وبشكل ظاهري زمام الأمور وتزعمت شؤون المسلمين إلى أن شفي الإمام السجاد (عليه السلام) من أسقامه وآلامه ,وكان ذلك تطبيقاً لوصية الإمام الحسين (عليه السلام) لأخته العقيلة زينب (عليها السلام) ,كما ورد في حديث السيدة حكيمة بنت الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) حيث قالت (عليها السلام):إن الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام) في الظاهر ،وكان ما يخرج عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) من علم ينسب إلى السيدة زينب (عليها السلام) إلا تستّراً على الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام).
ولذلك أجمع العديد من العلماء والفقهاء على عصمة الحوراء زينب (عليها السلام) وعلى رأسهم آية الله العظمى الشيخ المامقاني(قدس سره) الذي قال ،ولو قلنا بعصمتها (عليها السلام) لم يكن لأحدٍ ان ينكر ,إن كان عارفاً بأحوالها (عليها السلام)في الطف وما بعده,ولولا ذلك لما حمّلها الإمام الحسين (عليه السلام)مقداراً من ثقل الإمامة أيام مرض الإمام السجاد (عليه السلام) وما أوصى إليها بجملة ٍمن وصاياه,ولما أنابها الإمام السجاد (عليه السلام) نيابة خاصة في بيان الأحكام وجملة أخرى من أثار الولاية .
5-عبادتها وزهدها(عليها السلام):
كانت السيدة الكاملة زينب (عليها السلام) مثالاً مشرقاً للطهر والعفاف ,وللتقى والعبادة حتى سميت (عليها السلام) بعابدة آل علي (عليهم السلام).
فكانت في المصلى إذ تناجي وتدعو الله بالدمع المذال
ملائكة السماء على دعاها تؤمن في خضوع وابتهال
وكانت عليها السلام تمضي جميع لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن الكريم ,حتّى أنها (عليها السلام) ما تركت تهجدها لله سبحانه ليلة الحادي عشر من شهر محرم الحرام .وروي عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال :كانت عليها السلام تلك الليلة تصلي من جلوس –حيث أعياها(عليها السلام) ما لاقته من المصائب الملّمة بأخيها وأبنائها وعشيرتها – كما أنها لم تزل قائمة (عليها السلام) طيلة ليلة العاشرة من المحرم تتعبد وتصلي مستغيثة إلى ربها ,وكذلك لم تتوقف العقيلة (عليها السلام) عن متابعة تعبدها وهي في طريق رحلتها الأليمة مع سبايا آل الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)من العرلق إلى الشام.
وكانت مولاتنا زينب (عليها السلام) زاهدة في الدنيا وغير راغبة بها ,وقد ورد في بعض الكتب الموثوق بها أنها (عليها السلام) ما ادخرت شيئاً من يومها لغدها ,وكانت عليها السلام تشد حجر المجاعة على بطنها لأنها كانت (عليها السلام) تنفق ما لديها في سبيل الله سبحانه,وكان بيتها (عليها السلام) ملجأ الوافدين ,وملتقى الفقراء والمحتاجين.وكيف لا ؟وهي عليها السلام ربيبة بيت جليل كان يطعم الطعام على حبه يتيما ومسكينا وأسيرا.
وكذلك زوجها هو عبد الله بن جعفر الطيار ,والذي كان يلقب ببحر الجود وقطب السخاء ,وكان (رضي الله عنه) من عظماء شخصيات المدينة المنورة ووجهائها جوداً وكرماً وثروةً حتى قيل أنه لم يكن في الإسلام اسخى منه .وقد أنجبت منه علياً وجعفراً وعوناً وعباساً وأم كلثوم.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد آل بيته الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
تعليق