بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على صاحب الوسيلة والشفاعة والدرجة الرفيعة ابي القاسم محمد وعلى اله الطاهرين واصحابه المنتجبين ورحمة الله وبركاته . الأسباب الصارفة للشكر : من المعلوم ان السبب الذي يصرف لأكثر الخلق عن الشكر ، اما لقصور المعرفة حيث يتصورون بأن النعم كلها من الله ،سبحانه وتعالى ،او قصور المعرفة والاحاطة بصنوف النعم وآحادها ،او ربما جهلهم بحقيقة الشكر وكون استعماله اي استعمال النعمة في اتمام الحكمة التي أريدت بها والضن بأن الحقيقة اي حقيقة الشكر مجرد أن تقال بألسنتهم : الحمد لله ،او الشكر لله ، او لغفلة ناشئة عن غلبة الشهوه وهيمنة الشيطان على عقولهم ، حيث انهم غير منتبهين الى القيام بالشكر ،كما هو في سائر الفضائل والطاعات ،أوعدم احتسابهم للجهل ما يعم به الخلق ويشملهم في جميع الاحوال نعمة من النعم . ولذالك فانهم لايشكرون على جملة من النعم ،كونها عامة لكل الخلق ، مبذولة لهم في جميع الاحوال . فلا يرى كل منهم لحاله اختصاصا بها ،فلا تعد عندهم نعمة من النعم .حيث تأكد بذالك بالالفة والاعتياد بها ، فلا يتصورون شيء خلاف ذلك ،وظنهم بأن كل انسان يلزم ان يكون على كل هذه الاحوال . ولذالك نراهم لايشكرون الله على روح الهواء ، ووفرة المياه ،وصحة السمع والبصر ، والامثال كثيرة .
ولو اخذ بمحقهم ،لينقطع عنهم الهواء ، وحبسوا في مكان ضيق فيه هواء حارر ، او في بئر فيه رطوبة الهواء ، لماتوا . فاذا ابتلى احد بشيء من ذلك ، ثم نجاه الله منه ، ربما قدر في ذلك نعمة وشكر الله عليها . وكذلك الانسان البصير اذا عميت عينه ، ثم رجع عليه بصره ،عده نعمة عظيمة وشكره ، واذا لم يبتلى بالعمى وكان دائما بصير كان غافلا عن الشكر .وهذا هو غاية الجهل ، اذ اصبح شكرهم موقوفا على سلب النعمة منهم ثم ترد عليهم مرة اخرى في بعض الاحوال ،حيث ان النعمة في كل الاحوال اولى بالشكر . فعندما كانت رحمة الله واسعة لقد عمت جميع الخلق في احوالهم لم يعدها الجاهلون نعمة .ومثلهم مثل عبد السوء الذي لو لم يضرب لبطر وترك الشكر ،واذا ضرب في غالب الاحوال ترك ساعة شكر مولاه على ذلك .وكل من تامل وعلم ان نعمة الله عليه في شربة ماء عندما يعطش أعظم عنده من ملك الارض جميعها .
كما روي : ( ان بعض العلماء دخل على بعض الخلفاء ،وكان في يده اناء فيه ماء يشربه ،فقال له اعطني . فقال : اذا لم تعطي هذه الشربة الا ان تبذل لي اموالك كلها ، واذا لم تعطي ذلك تبقى عطشانا ، فهل لك ان تعطيه ام لا ؟ قال : نعم ،قال : اذن كيف تفرح بملك لايساوي شربة ماء ؟ هذا كله لو امعنا النظر في حاله ، لرئينا من الله جل وعلا نعما كثيره تخصه لايشاركه فيها احد ، او يشاركه بعض الناس ، في العقل ،او في الخلق ، او في التقوى والورع ،او في ديننا ،او في صورته وشخصه ،او في اهله وولده ،او في مسكنه وبلده ،او في رفقائه واقاربه ، او في عزه وجاهه ،اوفي طول عمره وفي صحة جسمه ، اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين المخلصين الطائعين والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين .