
في ليلة العاشر من محرم .
وقف الإمام الحسين صلوات الله عليه وخطب في أصحابه تلك الخطبة المعروفة التي قالها :" أما إني لا اعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابه ، ولا أهل بيت أوصل وأبر من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني خيراً ولقد بررتم وعاونتم ... وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ، اتركوني وحدي ، فالجماعة يريدونني ولا يريدونكم ، ولو ظفروا بي لذهلوا عن غيري ، وأنتم في حل من بيعتي ... " (1) .
ثم قال الإمام صلوات الله عليه :" ألا ومن كانت في رحله امرأة -كأن تكون زوجته أو أمه- فلينطق بها إلى بني أسد "
فقام رجل أسمه علي بن مظاهر وقال للإمام صلوات الله عليه :لماذا يا بن رسول الله ؟
فأجاب الإمام (عليه السلام) بما هو مصداق الآية الكريمة {عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَِنتمْ} (2) ، حيث الشفقة والعطف على الآخرين ، فقال صلوات الله عليه : إن نسائي تُسبى بعد قتلي ، وأخاف على نسائكم السبي .
فالإمام (عليه السلام) يخشى على نساء أصحابه من السبي وأن يُنقَلنَ من بلد الى بلد ، وأي إنسان ربما يكون مستعداً للتضحية بنفسه ، لكنه غير مستعد بأن تسبى عائلته وتُهان من بعده .
لذا تقدم علي بن مظاهر وجاء الى الخيمة ، فقامت زوجته إجلالاً له واحتراماً لمقدمه ، وتبسمت في وجهه .
قال : دعيني والتبسم .
فقالت له : إني سمعت الإمام الحسين صلوات الله عليه خطب خطبه ثم سمعت في آخرها همهمة فما عرفت ما قاله ؟
فقال : إن الإمام (عليه السلام) قال : إن نسائي تُسبى بعد قتلي ، وأخاف على نسائكم السبي ، فالذي عنده امرأة في رحلة فليأخذها وينصرف الى بني أسد حتى تكون في أمان من السبي .
فقالت له زوجته : وما أنت فاعل يا ابن مظاهر ؟
قال : قومي حتى اُلحقك ببني عمك .
فقامت هذه المرأة البطلة ونطحت رأسها بعمود الخيمة وقالت :" ما أنصفتني يا ابن مظاهر ! أيسرك أن تُسبى بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا آمنة من السبي ؟ وهل يسرك أن يبيض وجهك عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسود وجهي عند فاطمة الزهراء (عليها السلام) ؟! لا والله ، أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء "
فهذه المرأة لا تكتفي بتقدم زوجها في سبيل الله ، وإنما تبدي استعدادها لأن تواسي زينب (عليها السلام) وبنات رسول الله صلوات الله عليه وآله حتى بالسبي .
فعاد علي بن مظاهر إلى سيد الشهداء صلوات الله عليه باكياً ، فسأله الإمام (عليه السلام) عن سبب بكائه فقال : أبت الأسدية إلا مواساتكم .
فبكى سيد الشهداء صلوات الله عليه وقال : "جزيتم عني خيراً" (3) .
-وهذا مصداق للتضحية بلا حدود .
والحمد لله رب العالمين .....
1-بحار الأنوار : ج44 ص316
2-سورة التوبة : 128
3-راجع : موسوعة كلمات الامام الحسين (عليه السلام) ص 497-498
مقتبسة من محاضرات آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره)
تعليق