بسم الله الرحمن الرحيم
طريق معرفة حقيقة القلب
طريق معرفة حقيقة القلب
الطريق الوحيد الذي وجدناه لمعرفة معنى (القلب) في القرآن الكريم هو أن نبحث عن الأعمال التي تنسب الى القلب فيه، وما هي آثارها فنتعرف على القلب من خلال مطالعة هذه الآثار. إنّنا حينما نراجع موارد استعمال لفظ القلب بهذا الهدف نجد أنّ حالات متنوعةً وصفات مختلفةً قد نسبت الى القلب والفؤاد أهمُّها هو (الإدراك) الأعمّ من الإدراك الحصولي والحضوري، وقد اُشير في القرآن الكريم ـ بتعابير مختلفة ـ الى أنّ الفهم والإدراك من شؤون (القلب) و(الفؤاد) ـ الذي يستعمل كمرادف له ـ من هنا نلاحظ أنّ القرآن وبتعابير مختلفة وباستعمال ألفاظ من مجموعة (العقل والفقه والفهم والتدبر و...) ينسب الإدراك وعدمه الى القلب، أي حتّى في الموضع الذي ينفي فيه الإدراك عن القلب يريد إفهام هذه الحقيقة، وهي أنّ القلب قد لا يؤدي وظيفته ويكون غير سليم، فيفيد أنّ شأن القلب هو أن يدرك، وعدم إدراكه يكون لعدم سلامته، ولو كان سليما لقام بعملية الإدراك بالطبع.نواجه في القرآن الكريم آيات من قبيل الآية:وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِْنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها.1إنها تعترض على بعض ذوي القلوب بأنّهم لا يفقهون، وتشير الى أنّ القلب قد جعل للفهم والفقه. كما تقول آية اُخرى:وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ.2تتحدّث هذه الآية عن أنّ قلوب هؤلاء لا تفهم آيات الله وكلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتسند عدم فهمهم هذا الى الحُجب والموانع التي تصدّ القلب عن أداء وظيفته، أي إنّ مقتضى الفهم موجود، لأنّ القلب قد خلق للإدراك والفهم، ولكن الحجب والموانع تحول دون إنجاز عمله.وقد استعمل لفظ العقل في بعض الآيات، قال تعالى:أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها.3من خلال هذه الآية يمكن إدراك أنّ القلب قد خلق للتدبر وإدراك الواقع، فلابدّ للإنسان من أن يستفيد من هذه الوسيلة التي سخرها الله تعالى للفهم بنحو مناسب، ويستخدمها لإدراك الحقائق حيث إنّ الله مهّد له الأرضية الخِصبة لكي يفهم عن طريق القلب.واستعمل لفظ التدبر في آية اُخرى، قال تعالى:أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها.4هذه الآية نسبت (التدبر) ضمنيا ـ وليس صريحاً ـ الى القلوب، وتعاتب المنافقين على عدم فهمهم للقرآن: هل إنّهم لم يفعّلوا قلوبهم ولم يفكّروا ويتدبروا، أم إنّ هناك اقفالاً على قلوبهم، وهذا المانع يصدّهم عن الفهم؟ فيستفاد منها أنّ القلب آلة للفهم، وأنّ عدم فهم هؤلاء مع وجود القلوب هو إمّا لأنّهم لا يستخدمون قلوبهم للفهم، أو أنّ هناك موانع للإدراك.وبغض النظر عما ذكر فانّ القرآن يعدّ القلب ـ بلفظ (القلب) أو (الفؤاد) ـ من جملة وسائل الإدراك من قبيل السمع والبصر دائماً، كالآية:إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولاً.5كما يؤيد بتعابير اُخرى هذه المسانخة في بعض الآيات كالآية:لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها.6حيث وضع القلب مرّة اُخرى الى جانب البصر والسمع كآلة وأداة للإدراك.إضافةً الى الإدراك الحصولي في بعض الآيات الكريمة نسب القرآن الإدراك الحضوري الى القلب أو نفاه عنه بلحن الذمّ والتوبيخ، فيدلّ في مجموعه على أنّ القلب قد خلق بنحو يتمكّن من الإدراك الحضوري، وامتلاك مثل هذا الإدراك دليل على صحة القلب وسلامته، كما أنّ فقدانه غير متوقَّع ودليل على المرض والعمى.ونظير هذه الآيات ما ورد بلفظ الفؤاد، حيث قال تعالى:ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى.7هذه الآيات نسبت الرؤية الى القلب، ورؤية القلب هي الإدراك الحضوري في الواقع، كما نسب العمى الى القلوب في بعض آخر من الآيات، كالآية:فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَْبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.8وطبيعي أنّ العمى يكون في مورد من شأنه البصر، فعدم البصر هنا ليس عدما مطلقاً، بل عدم ملكة.والتعبير الآخر الذي يؤيد الإدراك الحضوري هي الآية النازلة في الكفار حيث تقول:بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ.9فقلوبهم قد غشاها الصدأ، فلا ضياء فيها لكي تعكس الحقائق كما ينبغي.كما أنّ هناك تعابير مختلفة ـ الى جانب هذه الآيات ـ تشير الى هذا المضمون، وبعبارة اُخرى تدلّ على أنّ القلب إذا كان سليما فانّه يدرك الحقائق لا محالة، فانّ لم يدركها كان ذلك دليلاً على وجود نوع من الأمراض القلبية. هذه التعابير من قبيل الختْم أو الطبْع على القلب في الآيات:وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ.10كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ.11وكجعل الأقفال على القلوب في الآية:أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها.12هذه التعابير ظاهرة في انّ هذه القلوب لا تفهم، وعدم فهمها أمر غير طبيعي ودليل على وجود المرض فيها، كما أنّ تعبير: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ13يحكي عن هذه الحقيقة.كما أنّ من جملة التعابير التي وردت في الآيات وتدلّ على أنّ وظيفة القلب هو الإدراك هي وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ14 أو بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ15 أو قُلُوبُنا غُلْفٌ16وأمثالها.وعليه نستنتج أنّ القرآن الكريم يرى أنّ الإدراك ـ أعمَّ من الإدراك الحصولي أو الحضوري ـ وظيفة القلب بحيث لو كان الإنسان ذا (قلب سليم) فانّ الإدراك لا محالة يتمّ بنحو جيّد، وإن لم يؤدِّ عملية الإدراك كان ذلك دليلاً على مرض القلب.وهناك نوع آخر من الإدراك أيضاً هو الوحي الذي نجهل حقيقته، وفي القرآن الكريم اُسند تلقّي الوحي ـ هذا الإدراك المعقَّد والمرموز ـ الى القلب.ففي هذا الشأن ورد أن الله تعالى قد أنزل القرآن الكريم على قلب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بتعابير من قبيل:قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ.17ونَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَْمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.18بناءً على هذا فانّ تلقّي الوحي عمل قلبيٌّ أيضاً يجد مصداقه في الأنبياء(عليهم السلام).إذنْ نستنتج أنّ الإدراك الحصولي عمل قلبيٌّ يتمّ بالتعقل والتفقّه والتدبر وهكذا الإدراك الحضوري أو الرؤية الحضورية وتلقّي الوحي فانّه عمل قلبيٌّ.والحاصل انّ الإدراك بمعناه العريض والأعمّ من الحصولي والحضوري والإعتيادي وغير الإعتيادي عمل يرتبط بالقلب، وصفة يوصف بها القلب بتعابير مختلفة.
تعليق