
اللهم صل على محمد وال محمد

... ان جل الناس قد سمعوا بكتاب نهج البلاغة ’ والعديد منهم قد بلغهم غاية الوصف في عظمنه
الا ان كثيرا منهم لم يطلع على فحوى هذا الكتاب اصلا ’ ومنهم من قرأ نزرا يسيرا منه ثم اهمله
ومنهم من يتحرى من قراءته الاحداث التاريخيه ’ ومنهم من يبحث فيه عن القضايا الفلسفية
ومنهم من يتابع فيه البدائع اللغوية .
الا ان اللافت للنظر اهمال الكثير من القراء الجانب الاخلاقي في هذا الكتاب الى حد كبير
فقلما تجد من الناس من يتابع في كتاب نهج البلاغة هذ الموضوع المهم والحساس .
ان الجانب التربوي والاخلاقي يشكل ـ دون مبالغة ـ ركنا اساسيا في كتاب نهج البلاغة
اذ يعد اول كتاب بالتربية والاخلاق بعد القران الكريم ’
حتى ان الكثير من الخطب والكلمات التي ذكرت فيها الجوانب الفلسفية والتاريخية وما شابه
قد اتخذت من مسالة تربية النفس وتزكيتها هدفا لها بشكل عام .
وجميع الكتب التي ألفها علمائنا الاعلام (رضوان الله تعالى عنهم) التي تبحث في قضايا الاخلاق الاسلامية لاتعمل في مقاصدها وفي طريقة بيانها الى ماوصل اليه كتاب نهج البلاغة .
لان كتاب نهج البلاغة هو كلام امير المؤمنين (عليه السلام) وكفى بذلك دليلا قاطعا على ماندعيه .
وقد ترد هنا اثارة تقول : ان المسلم الذي يريد ان يخوض في القضايا التربوية لتهذيب اخلاقه على ضوء تعاليم الشريعة السمحة يحتاج الى تبويب في البحوث وتسلسل في المقاصد ’
حتى يسير بخطوات مدروسة نحو تزكية نفسه خطوة اثر اخرى .. بشكل منهجي
وهذا ماتقدمه مؤلفات علماء الاخلاق بشكل واضح .
بينما يفتقر كتاب نهج البلاغة الى ذلك اذ تجد فيه خطبا وحكما في الاخلاق جليلة القيمة
مبثوثة هنا وهناك دون تبويب وتنظيم ’
الا مر الذي يربك السائر على هذا الطريق فتكون قراءة تلك المؤلفات في هذا المجال اولى
وهذا الاشكال يرتفع اذا نظرنا الى طبيعة كلام امير المؤمنين(عليه السلام)
فأن كل خطبة ألقاها وكل حكمة قالها وكل وصية كتبها
تمثل في حد ذاتها منهجا شافيا وعلاجا نافعا يزكي النفس ’ وينقي الروح ’ ويطهر القلب
لما لكلامه من سحر غريب في تناسق المقاصد وترابط المعاني وفصاحة الالفاظ
فان قائلها باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم)
وهو اعلم بما يؤثر في النفس ويصلحها .
ثم ان هذا الاشكال لو كان صحيحا لجرى تفضيل قراءة تلك المؤلفات على قراءة القران الكريم
لان القران الكريم لايعرض القضايا التربوية على ابواب وفصول مرتبة
وانما تجدها مبثوثة في آيات القران الكريم هنا وهناك .
على اننا لاندعو الى اهمال قراءة تلك المؤلفات الجليلة التي ألفها العلماء في هذا الباب .
ولكننا نقصد ان يوليها الانسان الدرجة الثانية من الاهتمام بعد كتاب الله ونهج البلاغة .
فتكون قراءة تلك المؤلفات من باب التقصير لما أشكل من فهم بعض مقاصد القرآن الكريم والنهج ’
او للاستزادة من بحر علم الاخلاق الفضيل .
تعليق